حازم حسين

صراع على أطلال 11 سبتمبر

الخميس، 17 سبتمبر 2026 02:00 م


تكفى إرادة طرفٍ واحد لدخول الحرب؛ لكنّ الخروج منها يستلزم موافقة الطرفين. ويتعاظم الاحتياج إن غُلِّف الميدان بالرمادية، ولم يُفضِ إلى نتيجة حاسمة.

وعموما؛ فالنصر ليس كأسًا ينتزعها من يصل أوّلاً إلى محطة واضحة. وشرطه الأوّل أن يعترف الغريم بالهزيمة، صراحةً أو ضمنيًّا؛ فإما الإقرار والتسليم، أو الصمت والتوقّف عن المناكفة، وإلا فلا منتصر ولا مهزوم!

وحالة التعادل قائمة بعد سبعة أشهر من الحرب، وقد بدأت أمريكية إسرائيلية على الجمهورية الإسلامية ونظام الولى الفقيه، وانتهت إلى مواجهة بين ترامب وقوّة خفية، ليست طهران القديمة، ولا تُحرّكها سلطة العمامة السوداء على رأس المُرشد.

تمضى الأزمة بين راغبٍ لا يقدر على إنهاء المعركة المُستنزفة للجميع بلا طائل حقيقى، وقادرٍ لا يرغب فى اتخاذ القرار، أو يتحاشى تبعاته الحالية وفى المستقبل القريب.

تصويت ثالث أقرّه مجلس النواب الأمريكى مؤخّرًا، قبل ستة أسابيع فحسب من موعد الانتخابات، ما يجعله مؤشّرًا على اتجاه بوصلة السياسة، ومؤثّرًا عليها فى ذات الوقت.

الأغلبية ضد الحرب مُجدّدًا، وبواقع 220 صوتًا مقابل 204 فقط؛ ما يعنى أن حصّة مع الجمهوريين انقلبوا على إرادة البيت الأبيض، وقدّموا اعتبارات السلامة الراهنة، على مخاوف أن تضيف خطوتهم إلى رصيد الديمقراطيين.

على أن الأثر الفعلى لا يكاد يُذكَر، وسيُضاف القرار إلى نسختين سابقتين، مرّتا فى القاعة ولم تعبرا أبواب الكونجرس إلى المكتب البيضاوى، لاستكمال مسارها القانونى باعتماد الرئيس أو الرفض والردّ.

يبدو ترامب فى مأزق حقيقى، بين ساحة القتال المفتوحة على احتمالات شتّى، كلها سيئة، وبيئته الداخلية التى لا تتجاوب معه على موجةٍ واحدة. يخسر قوّة الإجماع؛ لكنه يظلّ قادرًا على استنزاف قوى المُناوئين أيضًا.

لدى الرجل صلاحية نقض أى قرار يصدر عن المُشرّعين/ الفيتو؛ ليعود إليهم عاريًا من أغلبيته البسيطة، ومحتاجا إلى الثلثين ليمرّ من تحت أنف الرئيس وفوق إرادته.

وإذ يصعب توفير قرابة ثلاثمائة صوت فى مجلس النواب، أو سبعٍ وستّين فى الشيوخ؛ فالنتيجة أن الإدارة قد لا تجد دعمًا كاسحًا من الكونجرس، إلا أنه لن يستطيع تعطيلها تمامًا.

والحال اليوم لا تختلف عن غدٍ؛ إذ لا يُتوَقّع أن تُغيّر الانتخابات شيئا فى تلك التوازنات، أو تستحدث سابقة بتلزيم ثلثى المؤسسة التشريعية للمعارضين؛ حتى لو درجت العادة أن يخسر حزب الرئيس فى التجديد.

يرغب الكابيتول فى طىّ الصفحة وإنهاء حرب إيران؛ لكنه لا يقدر على إلزام السلطة التنفيذية. وترامب يستطيع ولا يريد؛ لأنه يخشى من التبعات، ويطمع فيما وراء «عض الأصابع» وإكمال المُغامرة لمُنتهاها.

وعلى الضفة المُقابلة؛ فالساسة ضدّ الحرب بالتصريح والتلميح، ولا يُفوّت الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان فرصة لإعلان رؤيته؛ وإن اضطرّته التوازنات مؤخّرًا لصبّها فى قالب لا يزعجز المُتطرّفين من صقور النظام.

أبدى طبيب القلب ذو المَيل الإصلاحى؛ وإن كنتُ أختلف على التوصيف، انحيازًا مُبكّرًا للدبلوماسية. اعتذر لدول الجوار؛ ثم سحب الاعتذار أو أعاد تفسيره تحت سطوة الضغوط والمُزايدات.

اعترف بخسائر الحرب فى الاقتصاد والأمن وغيرها، ورؤيته لضرورة أن تتوقف؛ لكنه غطّى الحقائق بغلالة شفيفة من ادّعاء النصر، ليُرضى العقائديين من الفقهاء والجنرالات.

بمضاهاة الصورتين؛ كأنه انعكاس لحال الكونجرس الأمريكى. يرغب ولا يقدر؛ فيما المُرشد وحلقته الضيقة، أو من خصخصوه لحسابهم ويتحدّثون بلسانه، قادرون وغير راغبين.

وينطلقون فى موقفهم من الخشية والطمع معًا، ومن ازدواج الغاية فى أذهانهم: الدفاع عن وجود النظام، والسعى لمزيد من المُكتسبات؛ إذ النزف حتى النخاع، وليس أسوأ مِمّا هم عليه الآن، وما النصر إلا صبر ساعة؛ طالما دُفِعَ مقابله بالفعل!

يُمسكون الساعة لانتخابات الولايات المُتحدة، ويُمدّد ترامب حبل الرهان بالحديث عن تصفية المشكلة تمامًا بعد الانتخابات.

فكأنهم يُراهنون على خسارة تياره، ويُراهن على إرباكهم بالبرود، وعلى التهديد ضمنيًّا بالتصعيد: فائزًا يحتفل بالأغلبية، أو خاسرًا يقتص من أسباب خسارته!
آخر ما لدى طهران ألقته بالفعل، وورقة المضيق استنفدت طاقتها، فلا هو مُغلق ولا مفتوح، وتعايش العالم مع ذلك. جديدها جاء من اليمن جنوبًا، وأثمر بتهديد باب المندب، وإحماء سوق النفط لمستويات تُقارب ذروة الحرب فى أبريل.

تُورّط الحوثيين لأغراض خاصة، كما فعلت مع حزب الله فى لبنان سابقًا. ويغيب عنهم؛ أن الدخول على الخط بعد الطوفان انطوى على رادعٍ معنوىّ؛ لأن لا أحد كان سيُغامر باتخاذ موقف يُظهره فى لقطة واحدة مع إسرائيل.

أما الآن؛ فالعدوان على بلاد الحرمين، أى أن جدار الردع المعنوى سقط بالفعل، وقد تنفجر اللعبة فى وجوه الميليشيا والمُمسكين بخيوطها عند الهضبة الفارسية.
تدفع واشنطن كُلفة الاستهتار، وتُدفِّع المنطقة معها. تسرّبت إيران بالأيديولوجيا والشعارات، ونفذت من شقوق الدول الوطنية؛ لا سيما التى تعرّضت لضربات أمريكية، أو صُدِّعت إثر صفقات مشبوهة أبرمتها الولايات المتحدة.

يصح ذلك مع الحزب فى زمن الحرب الأهلية، وإزاء الاحتلال الإسرائيلى وتلزيم لبنان لنظام الأسد، كما يصح مع الميليشيات الشيعية فى العراق، ومع جماعة الحوثى التى سُمِح لها بالتمدد طويلاً، ولعبت أطراف دولية أدوارًا غير خفيّة فى خطّة تمكينها.

والحركة لم تقصّر فى استغلال الفرصة؛ إذ جزأت الأزمة وتلاعبت بكل الأطراف، من النظام وحزب المؤتمر، لتجمع الإصلاح/ الإخوان، وقوى الداخل والخارج مُتعددة الأطياف والولاءات.

وبالمثل جرت الأمور فى بيروت وبغداد، وتحاول طهران تكرارها اليوم بالحوار مع عُمان حينًا، وبتوسعة الطاولة كما فى لقاء صلالة المقترح، قبل أن يتأجل، ومُعاندتها مع الأمريكيين شمالا، مقابل تطمينها من جهة ميليشياتهم جنوبًا.

فكأنها تُقسّم الساحات عمليًّا، من حيث توحى ظاهرًا بتفعيل مبدأ وحدتها، وتحوّل الغاية الكبرى إلى أهداف جزئية صغيرة، وتخاطب كل طرفٍ باللغة التى يحبّ ويفهم، على أمل أن تنقلب على الجبهات تباعًا، وتبتلع من الجميع ما تقدر عليه، بصبرٍ وتدرّج، وحسبما تسمح الظروف.

كانت المنطقة تحت مظلة أمريكية، وواشنطن قادرة على ذلك؛ لكنها لم تعد راغبة. أما الجمهورية الإسلامية فتملك الرغبة وتفتقد القدرة، وقد قضمت أكبر مِمّا تستطيع أن تهضم.

والخلاف الآن ليس على مضيق أو مشروع نووى؛ بل على ترسيم الخرائط لمرحلة جديدة، تتجاوز حقبة 11 سبتمبر وارتداداتها، وتقفز على آثار الربيع العربى ومؤامرته.

توحّشت الولايات المتحدة بعد الحادث؛ فأخذها الثأر لإسقاط العراق، ما مكّن لإيران فى الإقليم، ومهّد لجحيم الثورات، وفوران الأصوليات وفوضاها الواسعة. والنزاع الآن على ربع القرن الماضى؛ وربما أكثر.

صراع بين قوى الطرد والجذب. ما تخليه واشنطن ولا تريد لطهران أن تشغله، وما تطمع فيه الأخيرة وتعجز عن الوصول إليه، وبينهما قوى المنطقة الكبرى، التى تراقب وتحسب، وترسم خطوطها الحُمر، والمؤكد أنها لن تترك الملعب للآخرين، ولن تسمح بما يُهدد مصالحها الحيوية فى الحال والاستقبال.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة