اليمين المتطرف يزحف نحو قلب أوروبا.. ماذا بعد انتصار «البديل» التاريخ بألمانيا؟ السويد تقترب من إدخاله للحكومة.. فرنسا وإيطاليا تشهدان تمدد اليمين القومى.. والهجرة والأمن والاقتصاد تهدد بإعادة رسم خريطة القارة

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 02:00 ص
اليمين المتطرف يزحف نحو قلب أوروبا.. ماذا بعد انتصار «البديل» التاريخ بألمانيا؟ السويد تقترب من إدخاله للحكومة.. فرنسا وإيطاليا تشهدان تمدد اليمين القومى.. والهجرة والأمن والاقتصاد تهدد بإعادة رسم خريطة القارة جورجيا ميلونى

فاطمة شوقي

لم يعد صعود اليمين المتطرف في أوروبا مجرد ظاهرة انتخابية عابرة أو احتجاجًا على أداء الأحزاب التقليدية، بل أصبح أحد أبرز التحولات السياسية التي تعيد رسم خريطة القارة. ففي ألمانيا، حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اختراقًا غير مسبوق بفوزه بنحو 44% من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، في نتيجة جعلته أقرب من أي وقت مضى إلى تشكيل أول حكومة لليمين المتطرف في ولاية ألمانية منذ الحرب العالمية الثانية.

 

وجاءت النتيجة الألمانية لتفتح مجددًا النقاش حول ما إذا كانت «القلعة السياسية» التي أقامتها الأحزاب الرئيسية لمنع التعاون مع «البديل» قادرة على الصمود. فقد رفض المستشار فريدريش ميرتس فكرة حظر الحزب، معتبرًا أن المواجهة السياسية واستعادة الناخبين أكثر فاعلية من اللجوء إلى المنع القانوني. وفي الوقت نفسه، شن هجومًا حادًا على سياسات الحزب بشأن ما يسميه «إعادة الهجرة»، محذرًا من تداعياتها على الاقتصاد الألماني.

 

الهجرة.. الوقود السياسي للصعود اليميني

في قلب هذا التحول تأتي قضية الهجرة،  فقد نجحت أحزاب اليمين المتطرف في تحويل الهجرة غير النظامية واللجوء والاندماج إلى ملفات انتخابية رئيسية، مستفيدة من مخاوف قطاعات من الناخبين بشأن الأمن والجريمة والضغط على الخدمات العامة.


ويبرز المثال السويدي بوضوح. فحزب «ديمقراطيو السويد»، الذي يحمل جذورًا يمينية متطرفة، أصبح لاعبًا أساسيًا في المشهد السياسي، ويدعم حكومة يمين الوسط من خارجها. ومع اقتراب الانتخابات السويدية في 13 سبتمبر، تدور المعركة حول إمكانية انتقال الحزب من موقع الداعم البرلماني إلى المشاركة الرسمية في الحكومة. وتشير استطلاعات حديثة إلى حصوله على نحو 19% من نوايا التصويت.


لم يقتصر تأثيره على الخطاب السياسي، بل انعكس على السياسات الحكومية نفسها؛ إذ تبنت السويد إجراءات أكثر تشددًا تجاه الهجرة، من بينها تقديم حوافز مالية للمهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي الراغبين في مغادرة البلاد، إلى جانب تشديد قوانين الإقامة والجنسية. ورغم أن أعداد طالبي اللجوء تراجعت بشدة مقارنة بذروة أزمة 2015، فإن الهجرة لا تزال في صدارة النقاش الانتخابي.

 

فرنسا.. اليمين المتطرف يقترب من قصر الإليزيه

وفي فرنسا، يواصل «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا محاولة تحويل اليمين المتطرف إلى قوة سياسية قادرة على الوصول إلى الحكم. ويأتي ذلك في وقت تتصدر فيه لوبان استطلاعات مرتبطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما يعمل الحزب على تحسين صورته والتخلص من بعض الارتباطات الأكثر تطرفًا.


لكن صعود «البديل» الألماني كشف أيضًا عن حدود التحالف بين الأحزاب اليمينية الأوروبية. فقد حرص «التجمع الوطني» على النأي بنفسه عن الحزب الألماني بعد تصريحات ومواقف أثارت جدلًا واسعًا بشأن الهجرة والتاريخ النازي. ويعكس ذلك انقسامًا داخل اليمين الأوروبي بين تيار يسعى إلى دخول المؤسسات وتقديم نفسه كقوة محافظة قابلة للحكم، وآخر أكثر راديكالية يرفض كثيرًا من قواعد النظام السياسي الأوروبي.

 

إيطاليا.. من اليمين المتطرف إلى اختبار الحكم

أما إيطاليا فتقدم نموذجًا مختلفًا. فقد وصلت جورجيا ميلوني إلى السلطة عبر جذور سياسية يمينية متشددة، لكنها تبنت خلال الحكم خطابًا أكثر براغماتية في عدد من الملفات، خصوصًا العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ودعم أوكرانيا.
ومع ذلك، فإن نفوذ اليمين الأكثر تشددًا لا يزال يتوسع. ويبرز في هذا السياق الجنرال السابق روبرتو فانوتشي، الذي أسس حزب «المستقبل الوطني»، وحقق حضورًا متزايدًا في استطلاعات الرأي، منتقدًا اندماج الاتحاد الأوروبي وداعيًا إلى الدفاع عن الهوية الثقافية الأوروبية وتشديد سياسات الهجرة. وقد وصف رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ماريو مونتي بعض خطابه بأنه يثير مخاطر قومية تذكر بعصور سابقة في إيطاليا.

 

أزمة الثقة في الأحزاب التقليدية

وراء هذه النتائج عامل مشترك يتجاوز الهجرة، يتمثل في تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية. فالأزمات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومخاوف الأمن، والحرب الروسية الأوكرانية، والتحولات في سوق العمل، كلها عززت شعورًا لدى قطاعات من الناخبين بأن النخب السياسية التقليدية لا تقدم حلولًا مقنعة.

 

وتشير تحليلات أوروبية إلى أن صعود اليمين المتطرف لا يحدث بالوتيرة نفسها في كل الدول، بل يتقدم ويتراجع وفق الظروف الوطنية. ومع ذلك، أصبح هذا التيار جزءًا ثابتًا من الحياة السياسية الأوروبية، بعدما انتقل من هامش المشهد إلى البرلمانات والحكومات والائتلافات السياسية.

 

أوروبا أمام اختبار جديد

المعركة المقبلة لن تكون فقط حول من يفوز بالانتخابات، وإنما حول قدرة المؤسسات الأوروبية والأحزاب التقليدية على التعامل مع واقع سياسي جديد. فكلما توسع نفوذ الأحزاب القومية، سيزداد الضغط لإعادة النظر في سياسات الهجرة واللجوء، والاتفاقات الأوروبية، والإنفاق الدفاعي، والعلاقة مع روسيا، ومستقبل التكامل الأوروبي.

 

وبينما تخشى القوى الوسطية من أن يؤدي صعود اليمين المتطرف إلى إضعاف المشروع الأوروبي وزيادة الانقسامات، يرى أنصار هذه الأحزاب أن تقدمها يعكس رغبة الناخبين في استعادة السيطرة على الحدود وتعزيز الأمن والدفاع عن المصالح الوطنية.

 

وهكذا تدخل أوروبا مرحلة سياسية حساسة؛ فـ«اليمين المتطرف» لم يعد مجرد صوت احتجاجي خارج السلطة، بل أصبح لاعبًا قادرًا على تغيير أجندة الحكومات، وفرض قضايا الهجرة والأمن والهوية على صدارة الانتخابات. والسؤال الأكبر الآن ليس ما إذا كان اليمين سيستمر في الصعود، وإنما **إلى أي مدى سيعيد تشكيل أوروبا من الداخل؟.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة