سقطت ورقة الوطنية من يد الإخوان الإرهابية، بعدما انكشف التناقض بين شعارات ترفع اسم مصر ومشروع يضع التنظيم وولاءاته فوق الدولة. سنوات من المتاجرة بمفردات الوطن والدين والحرية صنعت وهما بامتلاك حق الحديث باسم المصريين، لكن اختبار الحقيقة كان أقسى من كل الشعارات.
فالوطن ليس لافتة يرفعها تنظيم وقت الحاجة، ولا صكا تمنحه جماعة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء، ولا مساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود. ومع انكشاف بنية الجماعة الإرهابية وأهدافها، تهاوت تدريجيا صورة أدعياء الوطنية، وباتت محاولات ارتداء عباءة الانتماء المصري عاجزة عن إخفاء حقيقة أكثر وضوحا أن مصر أكبر من التنظيم، والدولة أقوى من الجماعة، والهوية الوطنية لا تخضع لبيعة أو مرشد أو مشروع أيديولوجي.
الوطنية ليست بيعة.. حين حاول التنظيم احتكار مصر
الوطنية المصرية لم تولد داخل مكاتب التنظيم، ولم تكن يوما امتيازا تمنحه الجماعة الإرهابية لأعضائها أو تسحبه من خصومها. ومع ذلك، اعتمد الخطاب الإخواني على تقديم نفسه باعتباره ممثلا للخير العام، ثم وضع المختلفين معه في خانات متدرجة من الاتهام والتخوين، وكأن مصر لا تتسع إلا لرؤية الجماعة.
هذه الفكرة اصطدمت بحقيقة أساسية تتمثل في أن الدولة ليست تنظيما، والمواطن ليس عضوا في جماعة، والانتماء لمصر لا يحتاج إلى بيعة أو مرشد أو مشروع أيديولوجي.
وعندما تحولت الوطنية في خطاب الجماعة الإرهابية إلى أداة للصراع السياسي، بدأ التناقض يظهر بوضوح فالوطنية الحقيقية لا تعني أن ترفع اسم مصر عندما تخدمك الظروف، ثم تجعل التنظيم مرجعيتك عندما تتعارض مصالحه مع الدولة.
التنظيم أولا.. الاختبار الذي كشف حقيقة الشعارات
أهم ما أسقط ادعاء احتكار الوطنية هو السؤال الذي لا يستطيع أي تنظيم الهروب منه وهو أين يقف ولاؤه عندما تتعارض مصلحة الجماعة مع مصلحة الدولة؟.
هنا تحديدا ظهر الفارق بين الانتماء الوطني والانتماء التنظيمي، فالدولة المصرية تقوم على مواطنة جامعة لا تميز بين الناس وفقا لعضويتهم السياسية، بينما التنظيم المغلق يقوم على شبكة من الالتزامات الداخلية والولاءات التي تصنع مرجعية مختلفة عن مرجعية الدولة.
ولهذا لم تعد الشعارات كافية لإخفاء جوهر المشروع فالكلمات يمكن أن تتغير، واللافتات يمكن أن تتبدل، والخطاب يمكن أن يعاد إنتاجه بلغة أكثر نعومة، لكن السؤال يبقى قائما: هل الوطن هو الغاية النهائية أم مجرد مساحة يتحرك داخلها التنظيم لتحقيق مشروعه؟
هذه المفارقة تحديدا جعلت الحديث الإخواني عن الوطنية يفقد كثيرا من قدرته على الإقناع، بعدما أصبح الجمهور أكثر قدرة على مقارنة الشعارات بالمواقف والنتائج.
من نحن الوطن إلى سقوط الوصاية.. حين فقد الخطاب الإخواني قدرته على خداع الشارع
اعتمدت الجماعة الإرهابية لسنوات على صناعة صورة ذهنية تمنحها دور "البديل"، بديل يبدو أكثر أخلاقية من الآخرين، وأكثر تدينا من الآخرين، وأكثر قدرة على الحديث باسم الشعب، لكن هذه الصورة لم تصمد أمام اختبار الواقع.
فاحتكار الحديث باسم المصريين لم يعد ممكنا، كما لم تعد فكرة أن الجماعة الإرهابية وحدها تمثل الإرادة الشعبية قادرة على إخفاء حقيقة أن المجتمع المصري أوسع بكثير من أي تنظيم سياسي أو أيديولوجي.
ومع انكشاف خطاب المظلومية المتكرر، وتراجع قدرة الشعارات القديمة على تعبئة الجمهور، باتت محاولة استعادة النفوذ عبر إعادة تدوير المفردات نفسها أقل تأثيرا.
الجماعة تستطيع تغيير خطابها، لكنها لا تستطيع تغيير الوعي الذي تكون لدى المصريين تجاه تجربتها.
وهنا سقطت الوصاية فلم تعد الجماعة قادرة على توزيع شهادات الوطنية، ولا تحديد من هو المصري الحقيقي، ولا احتكار الحديث عن مصالح الشعب.
مصر أكبر من الجماعة.. والهوية الوطنية لا تخضع للمساومة
تبدو المعركة الحقيقية بين مشروعين متناقضين في المرجعية: دولة تجمع مواطنيها تحت مظلة وطن واحد، وتنظيم يحاول أن يمنح الولاء التنظيمي مساحة تتجاوز حدود العمل السياسي.
ومن هنا فإن تراجع تأثير الخطاب الإخواني لا يمكن اختزاله في سقوط شعار أو فشل حملة إعلامية، وإنما يرتبط بانهيار الفكرة التي حاولت الجماعة الإرهابية ترسيخها لسنوات، وهي أن التنظيم يستطيع أن يتحدث باسم الوطن وأن يضع نفسه في موقع الوصي على المجتمع.
مصر ليست لافتة سياسية، ولا ورقة تفاوض، ولا مساحة نفوذ لتنظيم ومهما حاولت الجماعة الإرهابية إعادة تدوير خطابها أو تبديل مفرداتها أو الظهور في صورة أكثر اعتدالا، فإن جوهر الأزمة سيظل قائما ما دام التنظيم يضع نفسه فوق الدولة أو يحاول تقديم ولائه الداخلي باعتباره معيارا للحقيقة والوطنية.
لقد انتهى زمن احتكار الوطنية بالشعارات، وباتت الهوية المصرية أقوى من كل محاولات الاختطاف الأيديولوجي فمصر لا تحتاج إلى جماعة كي تثبت وطنيتها، والمصريون لا يحتاجون إلى تنظيم كي يمنحهم شهادة انتماء.
وحين يسقط ادعاء امتلاك الوطن، تسقط معه آخر أوراق التأثير لأن من حاول احتكار مصر اكتشف في النهاية أن مصر أكبر من أن تختصر في جماعة.