فى اليوم العالمى لطب القلب التدخلى.. الأوقاف: من تمام شكر الله مراعاة الإنسان صحته

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 05:00 ص
فى اليوم العالمى لطب القلب التدخلى.. الأوقاف: من تمام شكر الله مراعاة الإنسان صحته اليوم العالمى لطب القلب التدخلى

كتب لؤى على

قالت وزارة الأوقاف ليس العلم تراكمًا مجردًا للمعارف، وإنما قد يتحول -حين يُسخَّر في خدمة الإنسان- إلى وسيلة من وسائل الرحمة وحفظ النفس، ويأتي طب القلب التدخلي نموذجًا لما بلغ إليه الطب من دقة في علاج أمراض القلب، وما يمكن أن نتأمله من خلاله في نعم الله تعالى، وفي قيمة العلم والأمانة والإحسان.

 

اليوم العالمي لطب القلب التدخلي

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم السادس عشر من سبتمبر يومًا عالميًّا لطب القلب التدخلي (World Interventional Cardiology Day) بموجب قرارها (A/RES/٧٦/٣٠٢) الصادر في ٢ سبتمبر ٢٠٢٢م؛ تخليدًا لذكرى إجراء أول عملية ناجحة لرأب الشريان التاجي في السادس عشر من سبتمبر عام ١٩٧٧م، ويهدف هذا اليوم إلى إذكاء الوعي العام بأمراض القلب والأوعية الدموية، وسبل الوقاية منها، وتوفير الرعاية لها، والتعريف بالإجراءات الطبية المرتبطة بها، والحد من مضاعفاتها.

 

ما هو طب القلب التدخلي؟

طب القلب التدخلي (Interventional Cardiology): هو فرع تخصصي دقيق من فروع طب القلب والأوعية الدموية، يعتمد على إجراء تدخلات علاجية وتشخيصية متقدمة عبر القسطرة طفيفة التوغل، دون الحاجة إلى اللجوء إلى جراحة القلب المفتوح.

ويتعامل هذا التخصص بصفة رئيسة مع أمراض الشرايين التاجية المغذية لعضلة القلب، خاصة متلازمات الشريان التاجي الحادة، مثل: الاحتشاء القلبي الحاد، والذبحة الصدرية غير المستقرة، والتضيقات الشريانية المزمنة، بالإضافة إلى إجراء التدخلات القسطرية الموجهة لأمراض الصمامات والعيوب الهيكلية للقلب، وفق ما تقرره الإرشادات الإكلينيكية المعتمدة.

وتتم هذه المعالجة بإدخال أنبوب دقيق ومرن (قسطرة) عبر مسار شرياني طرفي في المعصم أو الفخذ، ويُوجَّه تحت إرشاد الأشعة السينية التداخلية وصولًا إلى شرايين القلب؛ حيث تُحقن مادة ظليلة لتحديد موضع التضيق أو الانسداد بدقة، ثم يُجرى توسيع التضيق بواسطة بالون دقيق، وتوضع دعامة داخل الشريان؛ للمساعدة على إبقائه مفتوحًا، ولتحسين تدفق الدم إلى عضلة القلب.

 

حين يتحول العلم إلى إنقاذ

إن دقة هذه المعارف والتقنيات مظهر جليّ من مظاهر تسخير الله تعالى للسنن الكونية، وإكرامه للإنسان بنعمة العقل والفهم؛ فاكتشاف مسارات الدم ودقائق الأوعية بابٌ من أبواب التأمل في بديع صنع الخالق سبحانه.

وحين يقف الطبيب لإنقاذ مصاب بانسدادٍ تاجيٍّ حرج، تنتقل الممارسة الطبية من مجرد صناعة دنيوية إلى مقام شريف مقصوده الإحسان ودفع الهلاك؛ ولذا عظَّم أئمة السلف شأن هذه المعرفة، أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، بإسناده عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله (ت: ٢٠٤ هـ) أنه قال: "إِنَّمَا الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الدِّينِ، وَعِلْمُ الدُّنْيَا، فَالْعِلْمُ الَّذِي لِلدِّينِ هُوَ الْفِقْهُ، وَالْعِلْمُ الَّذِي لِلدُّنْيَا هُوَ الطِّبُّ" [آداب الشافعي ومناقبه]، وقال أيضًا: "لا أَعْلَمُ عِلْمًا بَعْدَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ أَنْبَلَ مِنَ الطِّبِّ" [تاريخ الإسلام للذهبي]، وقال مؤصلًا لحاجة المجتمعات إليه: "لا تَسْكُنَنَّ بَلَدًا لا يَكُونُ فِيهِ عَالِمٌ يُفْتِيكَ عَنْ دِينِكَ، وَلا طَبِيبٌ يُنْبِئُكَ عَنْ أَمْرِ بَدَنِكَ" [آداب الشافعي ومناقبه].

ومما يدل على عناية الرعيل الأول بالأسباب الصحية وتقديرهم لمعرفة الأبدان ما رواه هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ، أن عُرْوَة كان يَقُولُ لِعَائِشَةَ: "يَا أُمَّتَاهُ، لَا أَعْجَبُ مِنْ فَهْمِكِ، أَقُولُ: زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَقُولُ: ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ كَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبِهِ وَقَالَتْ: أَيْ عُرَيَّةُ، "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، أَوْ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَتَنْعَتُ لَهُ الْأَنْعَاتَ، وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا لَهُ، فَمِنْ ثَمَّ " [أخرجه أحمد (٢٤٣٨٠)].

 

حفظ النفس مقصد عظيم

قرر الإسلام مشروعية التداوي، ووجوب الأخذ بالأسباب لدفع العوارض المؤذية؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» [صحيح البخاري (٥٦٧٨)]، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ؛ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». [أخرجه مسلم (٢٢٠٤)].

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ» [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، وأحمد].

وكان النبي ﷺ يحث على تحري الحذق والمهارة الطبية؛ فقد أخرج الإمام مالك بن أنس في الموطأ عن زيد بن أسلم: أنَّ رجُلًا في زَمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصابَهُ جُرْحٌ، فاحْتَقَنَ الجُرْحُ الدَّمَ، وأنَّ الرَّجلَ دَعا رجُلَينِ مِن بَني أنْمارٍ، فنَظَرا إليه، فزَعَما أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لهما: «أيُّكما أطَبُّ؟» فقال: أوَفي الطِّبِّ خَيرٌ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: «أنْزَلَ الدَّواءَ الذي أنْزَلَ الدَّاءَ»؛ فأرشدهم إلى اختيار الأعلم والأحذق بالصنعة.

ويُستأنس في تعظيم شأن استنقاذ الأنفس وصيانتها من التلف بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ﴾ [المائدة: ٣٢]؛ ومع أن الآية الكريمة نزلت في سياق قصة بني إسرائيل لبيان تغليظ حرمة سفك الدماء الزكية، إلا أن أئمة التفسير من السلف المتقدمين نصوا على أن المعنى يتناول تخليص النفس من سائر أسباب الموت والهلاك؛ فقد أخرج الإمام ابن جرير الطبري بإسناده، عن التابعي الجليل مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤هـ) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قال: "أَنْجَاهَا مِنْ هَلَكَةٍ"؛ فكلُّ سعي علمي أو طبي يدرأ عن النفس أسباب التلف داخلٌ في مقصد حفظ النفس، وهو أحد الضرورات الخمس الكبرى التي جاءت الشريعة برعايتها.

 

الطبيب بين العلم والأمانة والرحمة

إن العلوم الطبية الدقيقة تتطلب ركائز خلقية؛ تحفظ أثرها، وتصون أمانتها، وتخاطب كل ممارس وصاحب مهنة بمراعاة ما يلي:

١- الأمانة وتحمل المسئولية: حمّلت الشريعة المتصدر لمداواة الناس تبعة التقصير والجهل، ووضعت ضوابط تحفظ حق المريض وتصون سلامته؛ قال رسول الله ﷺ: «من تطبَّبَ ولم يُعلمْ منهُ طبٌّ فهوَ ضامِنٌ» [أخرجه أبو داود (٤٥٨٦)]؛ مما يوجب على الممارس ألا يُقدِمَ إلا على ما يحسنه، وفق الأدلة العلمية والقواعد المعتمدة بلا مغامرة.

٢- إتقان العمل: حيث قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ» [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٩٣٠)]، والإتقان في مثل هذه التدخلات الطبية ضرورة مهنية وأخلاقية؛ إذ إن أدنى تهاون في مثل هذه التدخلات تترتب عليه عواقب جسيمة.

٣- الرحمة والرفق بالمرضى: فالتعامل مع المتألم ليس تعاملًا مع عضو ميكانيكي، بل مع نفس مكروبة استودعت سرَّها وبدنَها عند الطبيب؛ قال النبي ﷺ: «الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ، ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ». [أخرجه أبو داود (٤٩٤١)].

 

القلب الذى يحتاج إلى علاج آخر

إذا كان طب القلب التدخلي ينصب على المضغة العضوية التي تضخ الدم لتغذية البدن، فإن الشريعة تلفت الأنظار إلى حقيقة أخرى: ألا وهي "القلب المعنوي" الذي هو مستقر الإيمان، ومعدن التقوى، ومناط التكليف والجزاء عند الله تعالى، مع التفريق التام بين وظيفة العضو البدني (الفسيولوجية) والمعنى الروحي التعبدي؛ ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلبُ» [البخاري (٥٢)- مسلم (١٥٩٩)]

وقد علّق القرآن الكريم الفلاح والنجاة في الدار الآخرة على سلامة هذا القلب الباطن، قال تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ‎* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]، وقد اعتنى أئمة التفسير من السلف المتقدمين ببيان حقيقة هذا القلب السليم:

فقال الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله (ت: ٩٤هـ): "الْقَلْبُ السَّلِيمُ: هُوَ الْقَلْبُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ مَرِيضٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]" [انظر: تفسير ابن كثير].

وقال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله (ت: ١١٠هـ): "الْقَلْبُ السَّلِيمُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ" [تفسير القرطبي – الجامع لأحكام القرآن].

وقال الإمام الضحاك بن مزاحم رحمه الله (ت: ١٠٥هـ): "هُوَ الْخَالِصُ" [تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري]؛ أي: الخالص من الشرك، والشك، والنفاق، والغل، وسائر الأدواء المهلكة.

فإن كان ضيق شرايين القلب العضوي يُستطب بالقسطرة الدقيقة لتوسيع مجاري الدم، فإنَّ رانَ القلوب وانسداد مسالك البصيرة بالذنوب والغفلة لا يُبرِئُهُ إلا دواءُ الوحي؛ بالتوبة النصوح، ودوام الاستغفار، ومراقبة الله في السر والعلن، وتجريد الإخلاص لله الواحد القهار.

إن من تمام شكر المنعم سبحانه أن يرعى الإنسان صحة بدنه، فيأخذ بأسباب الوقاية، ويسارع لطلب التداوي الموثوق عند عروض المرض، مع الاعتراف بفضل أهل الطب الذين جعلهم الله سببًا لنفع العباد وتخفيف الأسقام، وفي الوقت عينه، لا ينبغي للمؤمن أن تشغله عافية قلبه العضوي عن تفقد قلبه الإيماني الذي هو موضع نظر الخالق؛ لتتكامل عناية المرء بجسده وروحه، فيجمع بين عمارة البدن بالصحة، وعمارة القلب بالتقوى واليقين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة