وراء كل عملية إرهابية هدف، ووراء تعدد الأهداف تكشف الخريطة الحقيقية للمشروع الذي تقوده التنظيمات المسلحة، فحين تنتقل دائرة الاستهداف من ضابط شرطة إلى قيادة أمنية، ومن شخصية عامة إلى منشأة حيوية، ثم تصل إلى محاولة استهداف الطائرة الرئاسية، تصبح الوقائع المتفرقة أجزاء من صورة واحدة تكشف اتساع مخطط العنف وطبيعة العقل التنظيمي الذي يقف خلفه. وفي قلب هذه الصورة يظهر اسم علاء السماحي، القيادي الهارب المرتبط بحركة حسم الإرهابية، بعدما تكرر اسمه في ملفات قضائية واعترافات وتحريات تناولت عمليات استهداف شخصيات ومؤسسات، بينما جاءت اعترافات الإرهابي علي عبد الونيس لتضيف رواية من داخل التنظيم عن دوائر القيادة والتخطيط والربط بين العناصر الموجودة في الخارج والخلايا التي تحركت داخل مصر.
القصة هنا ليست مجرد قائمة بعمليات إرهابية، وإنما محاولة لقراءة خريطة الأهداف التي تحركت حولها حركة حسم الإرهابية فمن استهداف الشخصيات العامة والقيادات الأمنية والعسكرية إلى استهداف المنشآت العامة والاقتصادية، وصولا إلى مخطط استهداف الطائرة الرئاسية، تكشف الملفات المنشورة عن انتقال الحركة من فكرة ضرب أفراد بعينهم إلى محاولة توسيع نطاق التأثير على مؤسسات الدولة ورموزها. وفي هذا السياق، أظهرت بيانات وتقارير رسمية وقضائية ارتباط اسم السماحي بعدد من أخطر القضايا، بينها محاولة استهداف شخصيات مهمة، واستهداف موكب مدير أمن الإسكندرية، وقضية محاولة استهداف الطائرة الرئاسية واغتيال المقدم ماجد عبد الرازق، وقد صدرت بحقه أحكام بالسجن المؤبد في هذه القضايا.
من اغتيال الأشخاص إلى ضرب مفاصل الدولة
المسار الذي تكشفه الملفات لا يبدأ بالمنشآت، وإنما بالأشخاص الذين اعتبرتهم الحركة أهدافا، قيادات أمنية وشخصيات عامة ورجال دولة، في محاولة لضرب المؤسسة من خلال استهداف رموزها. وتكشف قضية محاولة اغتيال مدير أمن الإسكندرية مثلا عن طبيعة هذا النمط، بعدما تناولت التحقيقات استهداف موكب مدير الأمن، وما أسفر عنه الهجوم من مقتل وإصابة أفراد من القوة المرافقة، كما كشفت التحريات المنشورة أن قيادات هاربة ارتبطت بإعادة تنظيم مجموعات الجناح المسلح وتوجيهها لاستهداف الشخصيات العامة والقيادات الأمنية والعسكرية والمنشآت العامة والاقتصادية.
وهنا تبرز دلالة اسم السماحي، فالقضية لم تقدمه باعتباره عنصرا منفذا يتحرك منفردا، وإنما وضعته ضمن قيادات ارتبطت بإدارة مجموعات حركة حسم المسلحة، في وقت كانت فيه الخلايا تعمل وفق تقسيم للأدوار بين من يخطط ومن يوفر الدعم ومن ينفذ على الأرض. ولذلك فإن استهداف شخصية بعينها يصبح، في القراءة الأوسع، جزءا من محاولة الضغط على مؤسسة كاملة، خصوصا عندما تتكرر الأهداف الأمنية والعسكرية في أكثر من ملف.
علاء السماحي.. الاسم الذي يتكرر في ملفات الأهداف الكبرى
اسم علاء السماحي لم يظهر في ملف واحد، وإنما تكرر في قضايا ذات طبيعة مختلفة، وهو ما يفسر أهمية العودة إلى سجله القضائي عند قراءة دوره داخل الحركة، فقد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في القضية رقم 120 لسنة 2022 جنايات عسكرية شرق القاهرة، المتعلقة بمحاولة استهداف الطائرة الرئاسية واغتيال المقدم ماجد عبد الرازق، كما صدر بحقه حكم بالمؤبد في القضية رقم 17350 لسنة 2019 جنايات أمن دولة طوارئ مدينة نصر الخاصة باستهداف موكب مدير أمن الإسكندرية، إلى جانب حكم آخر بالمؤبد في قضية استهداف شخصيات مهمة.
وهذه الأحكام لا تقدم مجرد سجل قانوني للسماحي، وإنما تساعد في فهم اتساع دائرة الأهداف المرتبطة بالملفات التي ظهر اسمه فيها، فهناك شخصيات مهمة، وقيادات أمنية، ورموز للدولة، ثم هدف سيادي شديد الحساسية تمثل في الطائرة الرئاسية. ومع كل دائرة جديدة يتسع نطاق الصورة، وتنتقل حركة حسم الإرهابية من استهداف الأفراد إلى محاولة ضرب الرموز التي تمثل مؤسسات الدولة.
الشخصيات العامة.. توسيع دائرة الخطر
ولم تقتصر أهداف الحركة على القيادات الأمنية، وإنما امتدت إلى شخصيات عامة وتضمنت اعترافات عناصر حركة حسم الإرهابية الإشارة إلى عمليات استهدفت شخصيات عامة، كما ارتبط نشاط الحركة بمحاولتي اغتيال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق، والمستشار زكريا عبد العزيز عثمان، النائب العام المساعد الأسبق، فضلا عن جرائم أخرى نسبت إلى عناصر الحركة الإرهابية.
واللافت هنا أن استهداف الشخصيات العامة كان يتحرك بالتوازي مع استهداف رجال الأمن والمنشآت، بما يرسم صورة أوسع من مجرد الصدام مع الأجهزة الأمنية، فكلما اتسعت قائمة الأسماء المستهدفة، اتضح أن التنظيم كان يحاول خلق مساحة تهديد تتجاوز المؤسسة الأمنية إلى المجال العام كله.
من الأشخاص إلى المنشآت.. محاولة ضرب الدولة من أكثر من باب
الطبقة التالية في خريطة الاستهداف تتعلق بالمنشآت فقد تحدثت التحقيقات والبيانات عن استهداف منشآت أمنية واقتصادية ومرافق عامة، كما أشارت اعترافات سابقة إلى تكليف عناصر باستهداف أبراج الكهرباء وخطوط الغاز الطبيعي والمرافق العامة، بهدف إحداث أزمات داخل الدولة.
وهنا يتغير معنى العملية بالكامل، فاغتيال شخص يستهدف حياته، أما ضرب منشأة حيوية فيستهدف الوظيفة التي تؤديها، وتأثيرها على المواطنين، وقدرتها على استمرار الخدمة. ولهذا فإن الجمع بين استهداف الشخصيات والمنشآت يكشف عن تصور أوسع للعمل المسلح، يقوم على إحداث أكبر قدر من الاضطراب من خلال ضرب أكثر من نقطة في الوقت نفسه.
المعهد القومي للأورام.. حين امتد الخطر إلى المدنيين
وتزداد خطورة هذا المسار مع ما ورد في الاعترافات والتحقيقات عن تجهيز سيارات مفخخة، وانفجار إحداها أمام المعهد القومي للأورام، وهي الواقعة التي أعادت التأكيد على أن مسار العنف لم يكن محصورا في رجال الدولة وحدهم، وإنما امتد إلى أماكن مدنية يرتادها المواطنون. وقد تناولت اعترافات الإرهابي علي عبد الونيس هذا المسار ضمن حديثه عن نشاط حركة حسم الإرهابية وخططها.
وهنا تتساقط أي محاولة لتقديم نشاط الحركة باعتباره مواجهة مع مؤسسة أمنية فقط فكلما دخلت المنشآت المدنية والمرافق العامة إلى دائرة الخطر، أصبح المواطن نفسه جزءا من دائرة التهديد، وتحول الإرهاب من استهداف الدولة إلى تعريض المجتمع بأكمله للخطر.
اعترافات من الداخل.. ماذا تكشف عن دور السماحي؟
تحدث الإرهابي علي عبد الونيس خلال اعترافاته عن علاقته بالجناح المسلح للإخوان وحركة حسم الإرهابية، وعن قيادات الحركة وأدوارها، وورد اسم علاء السماحي ضمن قيادات ارتبطت بالتخطيط للعمليات، كما كشفت امتداد الصلات بين القيادات الموجودة خارج مصر والعناصر والخلايا التي تحركت لتنفيذ عمليات داخل البلاد.
الخريطة تكشف الهدف.. والهدف يكشف طبيعة المشروع
عند وضع هذه الوقائع جنبا إلى جنب، تظهر أمامنا خريطة متدرجة: شخصيات عامة، قيادات أمنية وعسكرية، مواكب أمنية، منشآت عامة واقتصادية، مرافق حيوية، وأخيرا محاولة استهداف الطائرة الرئاسية. ولا تعني هذه الخريطة أن كل واقعة كانت جزءا من عملية واحدة أو غرفة عمليات واحدة، لكن تكرار هذه الأنماط في ملفات حسم الإرهابية المختلفة يكشف اتساع نطاق الأهداف التي ارتبطت بنشاط الحركة الإرهابية.
وهنا تصبح قصة علاء السماحي أكبر من سيرة شخص هارب لأنها ترتبط بسؤال أكثر أهمية: كيف تحولت حركة مسلحة إلى شبكة تستهدف الإنسان والمؤسسة والمنشأة والرمز في آن واحد؟
الإجابة التي تقدمها الملفات المنشورة تشير إلى منظومة متعددة المستويات، قيادات موجودة خارج البلاد، عناصر وخلايا في الداخل، تخطيط للعمليات، تجنيد وتدريب وتمويل، ثم تنفيذ واستهداف، بالتوازي مع مسار إعلامي يسعى إلى التأثير في الرأي العام
ثلاث قضايا.. وثلاث دوائر من الاستهداف
ويكشف السجل القضائي للسماحي عن ثلاث دوائر رئيسية، الأولى قضية استهداف شخصيات مهمة، والثانية قضية استهداف موكب مدير أمن الإسكندرية، والثالثة القضية العسكرية الخاصة بمحاولة استهداف الطائرة الرئاسية واغتيال المقدم ماجد عبد الرازق، وقد صدر في القضايا الثلاث أحكام بالسجن المؤبد.
السماحي.. من قيادة الخلايا إلى مواجهة الأحكام
لا تحتاج خريطة السماحي إلى إضافة أوصاف مبالغ فيها حتى تكشف ثقل الملف، الأرقام والقضايا والأهداف كافية. ثلاثة أحكام بالمؤبد في قضايا تتعلق باستهداف شخصيات مهمة وموكب مدير أمن الإسكندرية ومحاولة استهداف الطائرة الرئاسية واغتيال المقدم ماجد عبد الرازق، إلى جانب ما ورد في الاعترافات من الداخل عن موقعه داخل حركة حسم الإرهابية، ترسم صورة قانونية وتنظيمية متماسكة عن مساره كما عرضته المصادر.
والأهم أن خريطة الأهداف تكشف أن الإرهاب حين يتحرك بمنطق التنظيم لا يكتفي بهدف واحد؛ يبدأ بشخص، ثم يوسع الدائرة إلى مؤسسة، ثم يبحث عن منشأة، ثم يحاول الوصول إلى رمز سيادي، وفي كل مرحلة يكون المواطن والدولة هما الطرف الذي يدفع ثمن هذا العنف.
لكن النهاية التي كشفتها الملفات جاءت في الاتجاه المعاكس تماما لما أرادته الحركة؛ فالأهداف التي سعت حسم إلى الوصول إليها بقيت قائمة، بينما تحولت خطط قياداتها إلى قضايا وأحكام، وتحول اسم علاء السماحي من قائد هارب مرتبط بحركة مسلحة إلى اسم حاضر في سجل قضائي ثقيل.
من الشخصيات إلى المؤسسات.. تكشف خريطة أهداف حسم أن الرهان لم يكن على عملية واحدة، وإنما على توسيع دائرة العنف حتى تطال الدولة في رموزها ومؤسساتها ومرافقها، لكن ما انتهت إليه هذه الخريطة كان واضحا: الدولة بقيت، والمخططات تحولت إلى ملفات، والأسماء التي خططت لاستهدافها أصبحت جزءا من سجل القضاء.