بيشوى رمزى

التنظيمات الإقليمية والتعددية الوظيفية.. وما وراء حل الأزمات

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 02:12 م


إحدى المعضلات الرئيسية التي ارتبطت بتقييم أداء التنظيمات الإقليمية على مدار عقود، تتمثل في قياس فاعليتها بمدى قدرتها على تحقيق اختراقات كبرى في الأزمات المحيطة بمجالاتها الجغرافية، وهو مقياس يبدو ناقصا إلى حد كبير، إذا ما نظرنا إلى العديد من المعطيات الأخرى، وعلى رأسها الميثاق الذي يقوم عليه التنظيم، بالإضافة إلى النقطة التي تصطدم عندها صلاحياته بسيادة أعضائه، ناهيك عن حجم التوافق بين الدول الأعضاء. وهنا ربما لا يتعلق التساؤل بما إذا كان التنظيم قادرا على تجاوز هذه المعطيات، وهو ما يبدو صعبا في ضوء تمسك كل دولة بمصالحها وسيادتها، وإنما بما إذا كانت وظيفة، أو بالأحرى وظائف المنظمة الإقليمية، تبدو مختلفة تماما عن مجرد تحقيق الاختراقات الكبرى في الأزمات الدولية المعقدة.

والواقع أن المقياس الذي تبناه البعض في تقييم أداء المنظمات، سواء الدولية أو الإقليمية، يبدو غير منصف إلى حد كبير، لأنه يتجاهل جملة من الحقائق البنيوية التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد معوقات تقليدية قابلة للتذليل، إلا أن عجز التنظيم عن تجاوز هذه القيود، أو عن حل أزمات استعصت على القوى الدولية الكبرى لعقود طويلة، لا يعني بالضرورة افتقاده للقيمة أو الفاعلية، فدوره ربما يبدو أكثر تعقيدا من مجرد إنهاء الحروب أو الوصول إلى تسويات نهائية للصراعات، لتصبح قيمة التنظيم في امتلاكه وظائف أخرى تستطيع العمل داخل تلك القيود البنيوية، بما يخدم مصالح أعضائه رغم ما يشوبها من تباينات، ودون الحاجة إلى خلق سيادة فوقية تنتزع من الدول صلاحيات لا يمكن للتنظيم الوصول إليها من الأساس.

وهنا تصبح قوة التنظيم الإقليمي، وربما الدولي، ليست في قدرته على القيام بوظيفة نهائية وهي إنهاء الأزمة، وإنما في قدرته على امتلاك "محفظة من الوظائف"، يمكن للدولة العضو استخدام بعضها دون البعض الآخر، في إطار ما يتوافق مع مصالحها، وهو ما يخلق حالة من المرونة في الدور الذي تؤديه المنظمة، تسمح لها بإدارة التباينات بين الأعضاء، وبالتالي لا تصبح الخلافات بين الدول سببا في عجز التنظيم، خاصة وأن وظائفه لم تعد مرتبطة بالإجماع أو حتى التوافق.

والحديث عن وظائف التنظيم الدولي يخلق قدرا من التوازي مع ما يصدر عنه من قرارات، فإذا كانت القرارات الناجمة عن القمم والاجتماعات المؤسسية تظل مشروطة بدرجة من التوافق بين الأعضاء، فإن ممارسة بعض وظائف التنظيم قد لا تحتاج إلى الدرجة نفسها من التوافق، طالما ظلت في إطار الصلاحيات التي يتيحها الميثاق والقرارات القائمة، ليكتسب التنظيم قدرا أكبر من المرونة في أداء دوره، عبر مسارات لا تقتصر على التنسيق بين الأعضاء أو الوصول إلى صيغ مشتركة تحظى بقبولهم الجمعي، وإنما تمتد إلى تقديم وظائف تستطيع دولة واحدة أو مجموعة من الدول اللجوء إليها بحسب احتياجاتها، دون اشتراط تحويل كل تحرك إلى موقف جمعي جديد.

وفي هذا الإطار، تبدو محفظة وظائف التنظيم الإقليمي أكثر اتساعا من مجرد صناعة القرار الجمعي، حيث يمكن أن تمتد من توفير الشرعية السياسية لمواقف أعضائه، وحشد الدعم لقضاياهم، إلى القيام بأدوار الوساطة ونقل الرسائل، مرورا بربط الدول الأعضاء ببعضها البعض، أو بشركاء من خارج التنظيم، وصولا إلى توفير مظلة مؤسسية تستطيع الدولة اللجوء إليها عندما تضيق أمامها مساحات الحركة المنفردة.

ولا تبدو أهمية التعددية الوظيفية مرتبطة فقط بعدد الأدوار التي يستطيع التنظيم القيام بها، وإنما بقدرته على الانتقال بينها بحسب طبيعة الأزمة واحتياجات أعضائه، بحيث لا يؤدي تعطل أحد الوظائف إلى تعطيل التنظيم بأكمله، وإنما يدفعه إلى استخدام وظيفة أخرى تسمح باستمرار الحركة داخل الحدود التي يفرضها الميثاق وسيادة الدول.

ولعل زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، للقاء الأمين العام نبيل فهمي، تقدم نموذجا لافتا لهذه التعددية الوظيفية، خاصة وأن الزيارة لا تأتي في إطار قمة عربية أو اجتماع وزاري أو مؤتمر تستضيفه الجامعة، وإنما تبدو المنظمة نفسها مقصدا للدولة العضو، حيث لا تذهب فلسطين إلى الجامعة باعتبارها مكانا يجتمع فيه الأعضاء لصناعة موقف جمعي جديد يتعلق بالقضية فحسب، وإنما باعتبارها مؤسسة يمكنها أداء مجموعة من الوظائف، تبدأ من التنسيق السياسي وحشد الدعم، ولا تنتهي عند الاستفادة من المظلة العربية في نقل الموقف الفلسطيني إلى دوائر إقليمية ودولية أوسع.

وتكتسب الزيارة دلالة إضافية إذا ما وضعت في سياق العلاقة بين الجانبين خلال الشهور الماضية، بعدما حالت إسرائيل دون زيارة كان يعتزم نبيل فهمي القيام بها إلى الأراضي الفلسطينية في يوليو الماضي، ليعقد لقاءه مع عباس لاحقا في العاصمة الأردنية عمان، لتنعكس، بعد ذلك، حركة اللقاء، بانتقال الرئيس الفلسطيني نفسه إلى مقر الأمانة العامة في القاهرة، وهو ما يكشف عن قدرة العلاقة بين الدولة والتنظيم على تغيير مسارها الجغرافي وأدواتها دون أن تتوقف وظيفتها، فمن محاولة وصول المنظمة إلى الدولة، إلى لقاء الطرفين في مساحة ثالثة (العاصمة الأردنية عمان)، وصولا إلى انتقال الدولة إلى مقر المنظمة نفسها.

النموذج سالف الذكر يعكس أحد أهم مزايا التعددية الوظيفية، فالتنظيم يستطيع تغيير الأداة التي يمارس من خلالها وظيفته، أو المساحة الجغرافية التي يتحرك داخلها، بما يسمح له بالحفاظ على قدر من الاستمرارية حتى عندما تتعطل إحدى قنوات الحركة أمامه، وبالتالي، فإن المرونة الوظيفية لا تعني فقط القدرة على الانتقال من وظيفة إلى أخرى، وإنما قد تتجسد في قدرة التنظيم على الحفاظ على الوظيفة نفسها عبر أدوات ومسارات مختلفة، وهو ما يمنحه مساحة للحركة لا توفرها له صناعة القرار الجمعي وحدها.

وفي المقابل، لا تعني هذه الوظائف أن التنظيم يتحول إلى بديل عن الدولة أو ينتزع جزءا من سيادتها، وإنما تكمن قيمتها في توسيع المجال الذي تستطيع الدولة ممارسة سيادتها داخله، فكل وظيفة إضافية يوفرها التنظيم تمنح العضو مساحة أخرى للحركة، سواء عبر الشرعية الجمعية أو الوساطة أو شبكات الاتصال أو الوصول إلى شركاء آخرين، وهو ما يجعل العلاقة بين الدولة والمنظمة أقل ارتباطا بنقل السيادة وأكثر ارتباطا بتوسيع أدوات ممارستها، بحيث تصبح المنظمة امتدادا وظيفيا للدولة في المجالات التي يصعب عليها التحرك داخلها منفردة.

وهنا يمكننا القول بأنه من الضروري إعادة النظر في المعيار الذي تقاس من خلاله فاعلية التنظيمات الإقليمية، بحيث لا يقتصر على قدرتها على تحقيق اختراقات كبرى أو إنهاء الأزمات، وإنما يمتد إلى قدرتها على بناء محفظة من الوظائف التي يحتاج إليها أعضاؤها، ومدى مرونتها في الانتقال بين هذه الوظائف أو تغيير الأدوات المستخدمة في أدائها، فالتنظيم الذي لا يستطيع فرض تسوية على أعضائه أو تجاوز سيادتهم، قد يظل قادرا على توسيع مساحات حركتهم، وربطهم بشبكات أوسع، وتوفير أدوات لا تستطيع الدولة امتلاكها بالفاعلية نفسها منفردة، وهو ما يجعل قيمة التنظيم مرتبطة ليس فقط بما يستطيع حله من أزمات، وإنما أيضا بما يستطيع إتاحته من وظائف، بحيث لا تصبح النتائج النهائية وحدها مقياسا لفاعليته، وإنما تضاف إليها قدرته على الحركة، وتعدد الأدوات التي يتيحها لأعضائه، والمساحات التي يستطيع فتحها أمامهم.

 

إقرأ أيضا

مصر و"بريكس".. من العضوية إلى "التكامل الوظيفي"

"التعايش التنافسي".. "الدولة الثالثة" من تعدد الشركاء إلى تعدد الوظائف




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة