شحاتة زكريا

بعد بريكس.. ماذا تريد مصر من العالم؟

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 06:27 م


حين نفتح أطلس الجغرافيا أو نراجع دفاتر التاريخ، ندرك سريعًا أن مصر لم تكن يومًا بحاجة إلى إثبات حضورها في المشهد الدولي؛ فالخرائط تشهد، وقناة السويس شريان حي لا يهدأ، والامتداد الحضاري والسياسي عبر القارات الثلاث يمنح القاهرة ثقلًا يستعصي على التجاوز.

غير أن المتابع الحصيف لتحولات الاقتصاد العالمي بعد ختام قمة بريكس، يدرك بيقين أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد كافية وحدها لصناعة المستقبل. لقد دخل العالم مرحلة بالغة التعقيد والسرعة، تتشابك فيها المصالح وتُعاد صياغة التحالفات.

ولم يعد السؤال التقليدي يدور حول ما إذا كان العالم يعترف بمكانة مصر، بل حول الكيفية التي تدير بها مصر أوراق قوتها لتجيب عن السؤال الأهم في هذا التوقيت: ماذا نريد نحن من العالم في المرحلة المقبلة؟

إن الخروج من أروقة القمم الكبرى بزخم سياسي ودبلوماسي أمر محمود وضروري، لكن القيمة الحقيقية لأي تحالف دولي تبدأ فور انفضاض الجلسات الرسمية وجفاف حبر البيانات المشتركة. فالتحالفات في عالم اليوم لا تُبنى على العواطف ولا على المجاملات، بل على قاعدة صلبة من المنافع المتبادلة والحسابات الدقيقة.

من هنا، فإن نظرتنا لعضويتنا في تجمع يضم اقتصادات وقوى سكانية وصناعية صاعدة، يجب أن تنطلق من وعي عميق باحتياجاتنا التنموية المباشرة. مصر لا تبحث عن مجرد شراكات ورقية أو إشادات بروتوكولية، بل تسعى إلى شراكة إنتاجية حقيقية تفتح أسواق هذه الدول الشاسعة أمام الصادرات الوطنية، وتجذب تدفقات استثمارية نوعية تمتلك القدرة على توطين التكنولوجيا، وتطوير القاعدة الصناعية المحلية، وتوليد فرص عمل مستدامة لأجيالنا الشابة.

ولعل النظر إلى ملف الاستثمار الأجنبي في حد ذاته يحتاج إلى هذه الرؤية المتزنة والواثقة؛ فالسنوات الماضية رسخت قناعة تامة بأن عافية الاقتصاد لا تتحقق بالأموال الساخنة التي تدخل سريعًا وتغادر مع أول تقلبات السوق، بل بالاستثمار الرأسمالي الحقيقي الذي يغرس أقدامه في الأرض. ما نريده من شركائنا الدوليين، سواء في آسيا أو إفريقيا أو الغرب، هو الاستثمار الذي يبني مصنعًا، ويؤسس لشبكة موردين محليين، وينقل المعرفة الفنية إلى مهندسينا وعمالنا، ويجعل من المنشأة المقامة في مصر جزءًا لا يتجزأ من سلاسل التوريد العالمية.

هذا النوع من الاستثمار هو الضمانة الحقيقية لتوسيع الطاقة الإنتاجية، وتخفيف الضغط المزمن على موارد النقد الأجنبي، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي متكامل للتصنيع والتصدير المشترك. وفي قلب هذه المعادلة تقف قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها، بوصفها درة التاج في الأوراق الاقتصادية المصرية.

ومما يبعث على التفاؤل والاطمئنان أن نرى مؤشرات التعافي تلوح في الأفق، مع استئناف خطوط ملاحية دولية كبرى خدماتها عبر القناة، وهو ما يجدد الثقة في هذا الممر الحيوي كخيار أول وأقصر للتجارة بين الشرق والغرب. لكن الدرس المستفاد من اضطرابات التجارة الدولية خلال الفترات الماضية يدعونا إلى المضي قدمًا في تطوير وظيفة هذا الممر الفريد؛ فالطموح الوطني لم يعد يقف عند تحصيل رسوم مرور السفن ومراقبة حمولاتها وهي تعبر نحو وجهاتها البعيدة، بل يمتد إلى تحويل ضفتي القناة إلى ورشة عمل صناعية وخدمية متطورة.

السفينة العابرة ينبغي أن تجد في موانئنا منظومة متكاملة من خدمات التموين بالوقود التقليدي والنظيف، وأحواض الصيانة، والمستودعات الذكية، إلى جانب مجمعات صناعية تحول المواد الخام الواردة من الشرق إلى منتجات وسيطة ونهائية تتوجه مباشرة إلى أسواق إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، مستفيدة من شبكة الاتفاقيات التجارية الممتازة التي ترتبط بها مصر مع مختلف التكتلات.

إن تحقيق هذه القفزة الاقتصادية لا يتوقف على الخارج وحده، بل يستند في المقام الأول إلى إيماننا الراسخ بقدراتنا الداخلية، ومواصلة العمل الدؤوب لتحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتثبيت دعائم الشفافية، وتطوير البنية التحتية المتكاملة التي أنجزتها الدولة في السنوات الأخيرة.

فالطرق والمحاور والموانئ الحديثة ومحطات الطاقة تمثل الأساس الصلب الذي يمكن البناء عليه بثقة لاستقطاب رؤوس الأموال الجادة. وفوق كل ذلك، يبقى العنصر البشري المصري هو الثروة الحقيقية والرهان الدائم؛ فالعقول الشابة والأيدي العاملة الماهرة هي المحرك الذي يحول أي اتفاق دولي أو مشروع استثماري إلى واقع منتج وناجح.

في نهاية المطاف، لا تُقاس ثمار التوجهات الاقتصادية بعدد المؤتمرات ولا بعناوين الأخبار البراقة، بل بمدى انعكاسها المباشر على حياة المواطن، في شارعه ومقر عمله؛ في إتاحة فرصة عمل كريمة، وفي توافر سلعة محلية ذات جودة عالية بسعر عادل، وفي اعتزاز العامل والمهندس برؤية عبارة «صُنع في مصر» حاضرة في مختلف أسواق العالم.

ومصر اليوم، باتزان سياستها الخارجية وتعدد مساراتها الدبلوماسية، قادرة على فتح حوار ندي مع العالم، قوامه المصالح المتكافئة والتعاون المثمر. لقد حان الوقت لنخوض شراكاتنا مع الشرق والغرب برؤية واضحة لأهدافنا الوطنية، واثقين في أن الموقع، حين يتكامل مع العمل والإنتاج، يتحول من مجرد ميزة جغرافية على الخريطة إلى قاطرة حقيقية تنقل الوطن نحو المكانة التي يستحقها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة