لم يعد التلوث البلاستيكي مجرد مشكلة مرتبطة بتراكم الأكياس والمخلفات في الشوارع أو الشواطئ، وإنما تحول إلى تحدٍ بيئي وتنموي يرتبط بإدارة الموارد، وحماية النظم البيئية، ودعم الصناعة، ورفع الوعي بأنماط الاستهلاك، وهو ما دفع الدولة إلى التعامل مع الملف من أكثر من مسار، بداية من الحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، وصولًا إلى تشجيع البدائل وتطوير منظومة إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.
وتعمل وزارة التنمية المحلية والبيئة على بناء منظومة متكاملة للتعامل مع التلوث البلاستيكي، لا تقتصر على التخلص من المخلفات بعد إنتاجها وإنما تمتد إلى تقليل إنتاجها من الأساس وتشجيع استخدام منتجات وبدائل أكثر استدامة مع دعم الصناعة الوطنية لتوفير هذه البدائل وفق مواصفات فنية وبيئية معتمدة.
من مواجهة المخلفات إلى تقليل إنتاجها
ويأتي الحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام ضمن أولويات التعامل مع المشكلة، من خلال وضع استراتيجيات للحد من استخدام المنتجات البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة، والتوسع في البدائل الصديقة للبيئة، بالتوازي مع رفع كفاءة منظومة إدارة المخلفات وإعادة التدوير.
وتعتمد هذه الرؤية على أن مواجهة التلوث البلاستيكي لا يمكن أن تقوم على جمع المخلفات والتخلص منها فقط، وإنما تحتاج إلى تغيير دورة المنتج نفسها، بداية من التصنيع والاستخدام وحتى إعادة التدوير والاستفادة من المواد مرة أخرى، وهو ما يتوافق مع توجه الدولة نحو الاقتصاد الدائري والاستخدام الرشيد للموارد.
دعم البدائل المستدامة وفتح الطريق أمام الصناعة
وفي هذا الإطار، تعمل الدولة على دعم الاستثمار في البدائل المستدامة للبلاستيك أحادي الاستخدام، مع تعزيز قدرة الجهات المعنية على اختبار هذه المنتجات والتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية.
وتستهدف هذه الخطوة تحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه؛ فمن ناحية تدعم انتشار البدائل الصديقة للبيئة، ومن ناحية أخرى تمنح الصناعة المصرية أدوات أفضل لإنتاج منتجات قادرة على المنافسة والوفاء بالمعايير البيئية المطلوبة في الأسواق المحلية والخارجية.
وأكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أن التعامل مع التلوث البلاستيكي أصبح قضية وطنية تحتاج إلى حلول عملية قائمة على العلم والابتكار والشراكات، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل على تطوير السياسات والتشريعات، وتشجيع الاستثمار في البدائل المستدامة، ودعم الصناعة الوطنية، وتعزيز مسؤولية المنتج ورفع كفاءة منظومة إدارة المخلفات.
معامل لاختبار بدائل البلاستيك
ويمثل تطوير منظومة الاختبارات والرقابة أحد المسارات المهمة في هذا الملف، حيث جرى دعم معامل الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات بأجهزة حديثة لاختبار بدائل الأكياس والمنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام والتحقق من مطابقتها للمتطلبات الفنية.
وتسهم هذه الإمكانيات في رفع كفاءة منظومة تقييم المطابقة، والتأكد من جودة المنتجات والبدائل المطروحة في الأسواق، إلى جانب مساعدة المنتجات المصرية على التوافق مع المعايير البيئية والجودة العالمية، بما يدعم فرص نفاذها إلى الأسواق الخارجية.
وترى وزارة التنمية المحلية والبيئة أن امتلاك قدرات وطنية للاختبار والرقابة لم يعد مجرد إجراء فني، وإنما أصبح جزءًا من قدرة الاقتصاد على التحول إلى أنماط إنتاج أكثر استدامة، ودعم تنافسية الصناعة والصادرات المصرية.
التعاون الدولي في مواجهة التلوث البلاستيكي
ويبرز التعاون الدولي كأحد المحاور التي تعتمد عليها مصر في التعامل مع هذا التحدي، ومن بين النماذج مشروع تنمية الاقتصاد الدائري لسلسلة قيمة البلاستيك الأحادي الاستخدام، بالتعاون مع الجانب الياباني ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «اليونيدو».
ويستهدف المشروع إدخال ممارسات الاقتصاد الدائري في الصناعات المرتبطة بالبلاستيك أحادي الاستخدام، بما يقلل من حجم المخلفات ويشجع على أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة، مع إشراك الجهات الحكومية والقطاع الصناعي والمستهلكين في تنفيذ هذا التوجه.
كما تعكس الشراكة المصرية اليابانية أهمية نقل الخبرات والتكنولوجيا إلى الداخل، وتحويل التعاون الدولي من مجرد دعم فني إلى أدوات ومشروعات يمكن أن يكون لها مردود مباشر على الصناعة والبيئة.
المواطن شريك في الحل
ولا تتوقف مواجهة التلوث البلاستيكي عند الإجراءات الحكومية والصناعية، إذ تعمل الوزارة على تعزيز المشاركة المجتمعية وفتح المجال أمام المواطنين والخبراء والمهتمين بالشأن البيئي لطرح أفكارهم ومقترحاتهم بشأن التعامل مع المشكلة.
ومن خلال جلسات الحوار المجتمعي، تطرح تساؤلات حول حجم المخلفات البلاستيكية، ودور الأبحاث العلمية والجامعات، وفرص تدوير البلاستيك، وإمكانية الاستفادة من المخلفات الزراعية في إنتاج بدائل، إلى جانب دور القطاع غير الرسمي والإعلام والدراما في تغيير السلوك المجتمعي.
وتؤكد الوزارة أن المقترحات المطروحة من المواطنين والمشاركين في الحوار تخضع للدراسة من حيث مدى قابليتها للتطبيق، بما يفتح الباب أمام تحويل الأفكار المجتمعية إلى إجراءات ضمن خطط العمل التنفيذية.
التوعية جزء من المواجهة
وبالتوازي مع المسارات التشريعية والصناعية، تستمر جهود التوعية بأهمية الإدارة السليمة للمخلفات والحد من استخدام البلاستيك، باعتبار أن تغيير سلوك المواطن يمثل جزءًا أساسيًا من نجاح أي منظومة لإدارة المخلفات.
وتتضمن هذه الجهود الوصول إلى المواطنين في الأماكن العامة ووسائل النقل، إلى جانب الاستفادة من المدارس والجامعات ووسائل الإعلام لنشر مفاهيم إعادة الاستخدام وإعادة التدوير وتقليل الاعتماد على المنتجات أحادية الاستخدام.
وأكدت الدكتورة منال عوض أن الهدف النهائي هو الوصول إلى حلول تحقق التوازن بين حماية البيئة ودعم الصناعة وتحسين جودة الحياة، مع الاستمرار في التعاون مع مختلف الجهات الوطنية والدولية لمواجهة التلوث البلاستيكي، ودعم انتقال مصر إلى اقتصاد أكثر استدامة يقوم على الاستخدام الأفضل للموارد والحفاظ عليها للأجيال المقبلة.