مكتبة في غزة بالصدفة.. نيفين الغرابلي امرأة خرجت تبحث عن الحطب في غزة فعادت تحمل كتبا من تحت الركام..اختارت إنقاذها بدلا من حرقها..نظفتها ورتبتها وحولتها لمكتبة صغيرة تمنح الطلاب والنازحين فرصة للقراءة والتعلم

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 11:00 م
مكتبة في غزة بالصدفة.. نيفين الغرابلي امرأة خرجت تبحث عن الحطب في غزة فعادت تحمل كتبا من تحت الركام..اختارت إنقاذها بدلا من حرقها..نظفتها ورتبتها وحولتها لمكتبة صغيرة تمنح الطلاب والنازحين فرصة للقراءة والتعلم مكتبة نيفين الغرابلي

كتب أحمد عرفة

في ظل النزوح والحرب، لم تعد رحلة البحث عن الحطب في غزة مجرد محاولة لتوفير وسيلة للطهي والتدفئة، بل أصبحت بالنسبة إلى نيفين الغرابلي، رحلة قادتها بالصدفة إلى مهمة مختلفة تماما، مهمة إنقاذ الكتب من بين الركام، وحماية ما تبقى من المعرفة من أن يطاله المصير نفسه الذي لحق بالكثير من المكتبات والمؤسسات التعليمية.

 

جمع الحطب

خلال إحدى المرات التي خرجت فيها نيفين برفقة زوجها لجمع الحطب، وبينما كانا يبحثان بين الركام والأنقاض عما يمكن استخدامه لتلبية احتياجات الأسرة، لفتت انتباهها كتب متناثرة هنا وهناك.

 

العثور على كتب

كانت الكتب ملقاة بين آثار الدمار، في مكان كان من الممكن أن تمر عليه دون أن تتوقف، أو أن ينتهي بها الأمر وقودا للنار كما يحدث مع كثير من الأشياء التي فقدت قيمتها في خضم الحرب، لكن نيفين رأت فيها شيئا مختلفا، لم تستطع أن تتركها خلفها.

بدلا من أن تنظر إليها باعتبارها أوراقا قديمة لا فائدة منها، قررت أن تنقذها وتحملها معها إلى المنزل، كانت تعرف أن الكتاب، حتى وإن كان مهترئا أو متسخا أو ناقصا، لا يزال يحمل قيمة لمن يبحث عن المعرفة، خاصة في وقت أصبحت فيه الدراسة والتعليم من أكثر الأشياء التي تأثرت بالحرب والنزوح.

نيفين الغرابلى
نيفين الغرابلى

 

إنشاء مكتبة

حملت نيفين الكتب إلى خيمتها، وبدأت بتنظيفها وترتيبها وفرزها بحسب تخصصاتها، ومع كل كتاب كانت تفتحه، كانت تكتشف أن ما أنقذته من بين الأنقاض لم يكن مجرد مجموعة من الأوراق، بل جزءا من ذاكرة علمية وتعليمية يمكن أن يحتاج إليها طالب أو باحث أو شخص يحاول مواصلة تعليمه في ظروف استثنائية.

بين الكتب التي جمعتها، وجدت نيفين مراجع أكاديمية وتعليمية في مجالات متعددة، من بينها الطب والهندسة وعلوم الحاسوب وعلم النفس واللغة الإنجليزية والدراسات الدينية، إلى جانب نسخ من القرآن الكريم، ومع مرور الوقت، بدأ عدد الكتب يزداد، وتحولت الفكرة الصغيرة التي بدأت بمشهد عابر بين الركام إلى مبادرة تحاول من خلالها تلك السيدة الفلسطينية أن تجعل هذه الكتب متاحة للطلاب والنازحين، وتمنحها حياة جديدة بدل أن تختفي تحت الأنقاض أو تتحول إلى وقود.

لم تعد تجمع الحطب وحده، بل أصبحت تجمع الكتب أيضا، وفي مشهد تختلط فيه ضرورات الحياة اليومية بالحاجة إلى الحفاظ على التعليم، تواصل نيفين، بمساعدة زوجها وأطفالها، جمع الكتب من أماكن مختلفة، ثم تنظيفها وترميم ما يمكن ترميمه منها، قبل ترتيبها وعرضها، وبجانب الحطب، أصبحت الكتب حاضرة في مبادرتها الصغيرة.

مكتبة نيفين
مكتبة نيفين

 

تحاول نيفين بيع الكتاب بسعر رمزي لا يتجاوز نحو شيكلين لمن يستطيع الدفع، بينما تمنحه مجانا لمن لا يملك ثمنه، فبالنسبة إليها، ليس الهدف تحقيق الربح، وإنما إيصال الكتاب إلى شخص يحتاج إليه، وإبقاء باب المعرفة مفتوحا أمام من يحاول مواصلة تعليمه رغم كل الظروف.

في غزة، حيث ألقى النزوح والحرب بثقلهما على تفاصيل الحياة، أصبح الوصول إلى الكتب والمراجع التعليمية أكثر صعوبة، لاسيما مع ما لحق بالبنية التعليمية والمكتبات من دمار، ولهذا، تبدو مبادرة نيفين وكأنها محاولة صغيرة لمقاومة النسيان، فهي لا تستطيع إعادة بناء مدرسة دُمرت، ولا مكتبة اختفت تحت الركام، لكنها تستطيع أن تنحني بين الأنقاض، تلتقط كتابا، تنظفه، تصلح صفحاته، ثم تضعه أمام طالب ربما يحتاج إليه لإكمال دراسته، وفي كل كتاب تنقذه، هناك فرصة لأن تبقى المعرفة حية.

ربما تكمن المفارقة الأكثر إنسانية في قصة نيفين في أنها تخرج بحثا عن الحطب، ذلك الشيء الذي تحتاجه أسرتها للبقاء في ظروف النزوح، فتعود إلى منزلها وهي تحمل شيئا آخر لا يقل أهمية، كتبا تحاول أن تمنح الآخرين فرصة للتعلم والاستمرار.

بين الحطب والكتب، تحاول نيفين أن تفعل ما تستطيع، فالحطب يلبي حاجة يومية، أما الكتاب فيحمل معه شيئا للمستقبل، وفي وقت تحاول فيه الحرب أن تترك خلفها الركام والخسارة، اختارت هذه السيدة الغزاوية أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، وتقول بطريقتها الخاصة إن التعليم والمعرفة لا ينبغي أن يتحولا إلى ضحايا آخرين للحرب.

ومع زوجها وأطفالها، تواصل جمع الكتب وترميمها وفرزها وعرضها، مؤمنة بأن كل كتاب يصل إلى يد طالب أو قارئ هو قطعة صغيرة من الأمل، والحفاظ على المعرفة في مثل هذه الظروف هو أيضا شكل من أشكال الصمود، فمن بين الركام، لم تبحث نيفين عن الحطب فقط بل وجدت كتبا قررت أن تنقذها، لتبقى المعرفة حاضرة في مكان يحاول الدمار أن يمحو كل شيء فيه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة