أحمد إبراهيم الشريف

قبل أن يأتى سيد درويش.. ماذا كانت تغنى مصر؟

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 03:00 م


قبل أن يظهر سيد درويش وتصبح الأغنية قادرة على أن تتحدث بلسان العامل والصنايعى والموظف والسقا والجرسون، كانت مصر تعرف حياة موسيقية ثرية وممتدة، لها نجومها الكبار وقوالبها الراسخة وجمهورها الذى يعرف المقامات ويحفظ الأدوار وينتظر من المطرب أن يأخذه إلى حالة الطرب، كانت الموسيقى موجودة بقوة، وكان التجديد قد بدأ بالفعل، وكانت أسماء مثل عبده الحامولى ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوى وسلامة حجازى تصنع عصرًا كاملًا سبق سيد درويش ومهد الطريق أمامه.

وتكشف المصادر المتخصصة فى تاريخ الموسيقى العربية أن النصف الثانى من القرن التاسع عشر شهد تشكل ما يعرف بمدرسة النهضة الموسيقية المصرية، وكان «الدور» واحدًا من أهم قوالبها.

وتشير دراسة منشورة فى دورية International Journal of Middle East Studies  بجامعة كامبريدج إلى أن الدور أصبح أهم الأشكال الغنائية المصرية فى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأن الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب كان من رواده، قبل أن يصل إلى درجة كبيرة من التطور على يد عبده الحامولى ومحمد عثمان.

 

زمن الوصلة والطرب

كان المستمع يذهب إلى الحفلة وهو ينتظر "الوصلة"، وهى بناء موسيقى كامل قد يبدأ بالبشرف، ثم الموشحات، ويأتى بعد ذلك غناء القصيدة أو الموال، وصولًا إلى الدور، مع مساحات واسعة للارتجال والتصرف فى المقام.

وتوضح مؤسسة التوثيق والبحث فى الموسيقى العربية "أمار" أن الوصلة استقرت فى شكلها الحديث خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وتنقل عن محمد كامل الخلعى فى كتابه "الموسيقى الشرقى" الصادر سنة 1904 وصفًا لترتيبها، مشيرًا إلى تعلق المصريين بالأدوار وسهولة كلمات بعضها وقدرة الجمهور على مشاركة المطرب فى المذهب.

كان المطرب هنا هو مركز العالم الموسيقى، قدرته على الارتجال والتلوين والتنقل بين المقامات وإعادة الجملة الواحدة بأشكال مختلفة كانت جزءًا من قيمة السهرة، وكان التخت الشرقى هو الحاضن الأساسى لهذا الفن.

 

الحب كان سيد الموضوعات

أما الكلمات، فقد احتل الحب والغزل والشوق والهجر والعتاب مساحة كبيرة من الغناء المدينى الراقى، العاشق يشكو والمحبوب يتمنع والليل يطول  والعواذل يتدخلون والقلب يئن من الفراق.

وعند دراسة تراث الشيخ يوسف المنيلاوى، تصف مؤسسة "أمار" العالم الشعرى الذى كان المطرب ينتقى منه أبياته بأنه يدور كثيرًا حول شوق العاشق وخضوعه أمام المحبوب المتمنع ومفارقات الهوى، وهو عالم نجد صورته أيضًا فى أعمال سلامة حجازى، من عناوين مثل "يا غزالًا صاد قلبى" و"عليك سلام الله يا شبه من أهوى".

وكانت القصيدة الفصيحة حاضرة والموال حاضرًا والموشح حاضرًا ومعها الأغنية العامية الخفيفة التى اقتربت أكثر من الحياة اليومية.

 

الدين كان أحد منابع الغناء

خرج عدد من كبار مطربى ذلك الزمن أصلًا من بيئة الإنشاد الدينى وتلاوة القرآن وحلقات الذكر، يوسف المنيلاوى بدأ من الإنشاد وسلامة حجازى كان مؤذنًا ومنشدًا ثم انتقل إلى الغناء الدنيوى والتخت.

وهذه الصلة تركت أثرًا واضحًا فى الأداء الموسيقى، وبعض القوالب، ومنها «القصيدة على الوحدة»، جمعت بين تقاليد الإنشاد الصوفى والغناء الدنيوى، ودخل التخت إلى قالب كانت جذوره متصلة بالذكر والإنشاد.

إذن كانت الموسيقى المصرية قبل سيد درويش تتحرك بين عالمين متجاورين: الروحانى والدنيوى، بين القصيدة والموال والدور والموشح.

 

هناك أيضًا الطقطوقة الخفيفة

وفى مساحة أخرى كانت "العوالم" تغنين فى الأفراح والمناسبات، وعرفت هذه البيئة الطقاطيق الخفيفة، وبعضها حمل كلمات جريئة أو ساخرة أو مرتبطة بعلاقات الرجال والنساء والزواج.

والطقطوقة كانت جزءًا معروفًا من ذخيرة العوالم فى القرن التاسع عشر، وموضوعاتها فى حفلات الزواج كانت تقترب أحيانًا من النصيحة الساخرة والجريئة للعروس، بينما انتقلت الألحان بين مصر والشام فى حركة موسيقية نشطة.

وبذلك كان هناك، إلى جوار الفن الرفيع المعقد، غناء أخف وأسرع وأقرب إلى الجمهور والحياة اليومية.

 

المسرح سبق سيد درويش

وكان المسرح الغنائى قد بدأ بدوره فى البحث عن طريقه قبل ظهور سيد درويش، وهنا يبرز اسم الشيخ سلامة حجازى، الذى انتقل من الإنشاد والتخت إلى المسرح منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، ثم أسس فرقته وقدم أعمالًا مسرحية غنائية حققت شهرة واسعة.
ثم جاء داود حسنى ليضيف خطوة أخرى باعتباره حلقة مهمة بين سلامة حجازى وسيد درويش، مع محاولاته جعل الحوار المغنى أقرب إلى إيقاع الكلام والشخصية المسرحية.

الوطن كان حاضرًا قبل درويش أيضًا

ومن الدقة القول إن الغناء الوطنى عرف طريقه قبل سيد درويش، سلامة حجازى سجل مرثية مصطفى كامل "المشرقان عليك ينتحبان" من شعر أحمد شوقى، كما عرف مسرحه نصوصًا تتحدث عن الوطن وخدمته.

وهنا تظهر قيمة سيد درويش بصورة أكثر وضوحًا، فقد أخذ عناصر كانت موجودة بالفعل ووسع مجالها، وجعل الحياة المصرية نفسها مادة متكررة ومركزية للغناء.

إذن ماذا فعل سيد درويش؟

وجد سيد درويش أمامه الدور والموشح والقصيدة والموال والطقطوقة، ووجد التخت والإنشاد والمسرح، ووجد الغناء العاطفى والوطنى والدينى والخفيف، عبقريته ظهرت فى نقل مركز الاهتمام من المطرب وحده إلى الإنسان والموضوع والشخصية والمجتمع.

دخل العامل والصنايعى والجرسون والمراكبى والسقا والموظف إلى الأغنية بصورة أوسع، ودخلت مشكلات الناس والغلاء والعمل والاستعمار والمرأة والوطن والمجتمع، وتحول اللحن فى المسرح إلى وسيلة لرسم الشخصية والموقف، وأصبحت اللغة التى يتحدث بها الناس أنفسهم جزءًا من البناء الموسيقى.
وهنا تبدأ الأسطورة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة