سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 14 سبتمبر 1822.. شامبليون صائحا لأخيه: «المسألة فى حوزتى» ثم يقع مغشيا عليه ويخبره بتوصله لفك غموض «الهيروغليفية» لغة الحضارة المصرية القديمة

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 14 سبتمبر 1822.. شامبليون صائحا لأخيه: «المسألة فى حوزتى» ثم يقع مغشيا عليه ويخبره بتوصله لفك غموض «الهيروغليفية» لغة الحضارة المصرية القديمة جان فرانسوا شامبليون

أمسك «جان فرانسو شامبليون» بأوراقه فى يده، وهبط مسرعا على سلالم المنزل رقم 28 بشارع «مازارين» فى باريس، وجرى نحو «أكاديمية الكتابات المنقوشة والآداب القديمة» القريبة، حيث يعمل شقيقه «جاك جوزيف»، ودخل مكتب شقيقه صائحا: «المسألة فى حوزتى»، ثم سقط مغشيا عليه فى 14 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1822.


كان «شامبليون» لا يصدق أنه «تمكن على التو من كشف غموض اللغة الهيروغليفية»، والتى ستبدأ الإنسانية معها معرفة أسرار حضارة مصر القديمة، حسبما يصف الكاتب الفرنسى «روبير سوليه» فى كتابه «مصر ولع فرنسى»، ترجمة «لطيف فرج» اللحظة التى ستبدأ الإنسانية معها معرفة أسرار حضارة مصر القديمة.


يقدم «سوليه» سيرة مختصرة عن هذا العبقرى وطريقه إلى اكتشافه المذهل، قائلا: «كان فى الواحد والثلاثين من العمر، لكنه قضى نحو عقدين من الزمان فى دراسة اللغات القديمة، لقد بدأ هذا العبقرى أبحاثه فى السن الذى يلعب فيه آخرون بالطوق، وذلك فى ظل رعاية واهتمام شقيقه الأكبر الذى يقوم بدور كفيله وأستاذه وأبيه وأمه، والأنا الآخر، كانا لا يفترقان إلى حد أن الناس كانوا يتحدثون عن «شامبليون الصغير» و«شامبليون - فيجاك» اسم المدينة التى ولد فيها الشقيقان، مع فارق بينهما 12 عاما فى السن.


يضيف «سوليه»: «لحق جان فرنسوا شامبليون بشقيقه الأكبر فى مدينة «جرينوبل»، وهو فى سن الثالثة عشرة، وبدأ اهتمامه باللغات العربية والكلدانية والسريانية بعد أن درس اللاتينية والعبرية، وسرعان ما انكب على دراسة اللغة القبطية فى انتظار اكتشافه للغتين الفارسية والصينية، ولحسن حظه كان حاكم المقاطعة عالم الرياضيات «جاك فورييه» سكرتير معهد مصر السابق الذى أسند إلى «شامبليون - فيجاك» الآثار الخاصة بالمقاطعة، وطلب الحاكم مقابلة هذا الصبى العجيب الذى يعرف الكثير بالرغم من صغر سنه، وأطلعه على أوراق بردى ومقتطفات من اللغة الهيروغليفية المنقوشة فوق الحجر، ثم قدم له بعض زواره ومنهم راهب قبطى يلقى دروسا فى اللغة العربية بمدرسة اللغات الشرقية».


يؤكد «سوليه»، أن اللغة القبطية كانت تجتذب فرنسوا شامبليون، وسرعان ما سيطرت عليه، وهى من بقايا اللغة الشعبية للمصريين القدامى، ولم تعد تستخدم إلا فى الطقوس الدينية، كما أنها تكتب بحروف يونانية ممزوجة بعلامات تعبر عن حروف صوامت غير منطوقة، ولا توجد علاقة بينها وبين الخط الهيروغليفى، فمنذ القرن الرابع لم يتم نقش كتابة واحدة بالخط الهيروغليفى فى مصر، ولا يستطيع أحد فك طلاسم هذه اللغة التى ذهب سرها مع آخر كهنة العصور القديمة.
استسلم «شامبليون الصغير» تماما لدراسة اللغة القبطية، وينقل «سوليه» عنه: «كنت منغمسا فى هذه اللغة لدرجة أننى كنت ألهو بترجمة كل مايخطر على ذهنى إلى القبطية، كنت أتحدث مع نفسى بالقبطية، ولفرط ما تفحصت هذه اللغة كنت أشعر أننى قادر على تعليم أحدهم قواعدها النحوية فى يوم واحد، ولاجدال أن هذه الدراسة الكاملة للغة المصرية تمنح مفتاح المنظومة الهيروغليفية، وقد عثرت عليه».


لم يحبس «شامبليون الصغير» نفسه داخل إطار واحد، وإنما تنوعت اهتماماته بصورة مدهشة، وكانت قدرته على العمل عجيبة، وفقا لتقدير «سوليه»، قائلا: «قام بالتوازى مع قواعد النحو القبطى بكتابة نبذة عن الموسيقى الإثيوبية، وبتحرير مذكرة عن المسكوكات العبرية، ودراسة «وصف جغرافى لمصر قبل غزو قمبيز، وكان شقيقه الأكبر يتابعه خطوة خطوة، ينصحه ويؤنبه ويعجب به ويمول مشترياته من الكتب، لايمكن لأحدهما أن يعيش بدون الآخر، كانا يفعلان سويا كل شىء حتى التصرفات الخاطئة، كانت ميزة «شامبليون الصغير» عن منافسيه أنه كان مؤرخا وعالما باللغات الأجنبية وإخصائيا فى الجماليات فى وقت واحد، لم يكن مولعا بالقراءة فحسب، ولكنه واسع الخيال ويستمتع بحاسة استبصارية، وكان من جنس المخترعين».


استوعب «جان فرنسوا شامبليون» وهضم كل ما سبق اكتشافه أو تخمينه فيما يتعلق بالتوصل إلى فك أسرار اللغة المصرية القديمة، ومن ضمنها بعض التقدم الذى حصل بفضل حجر رشيد الذى اكتشفته الحملة الفرنسية على مصر من سنة 1798 إلى 1801، ونقلته بريطانيا بعد توقيع معاهدة خروج الفرنسيين من مصر سنة 1801.


يقول «سوليه»: «نعرف منذ القرن الثامن عشر أن أطر النقوش الموجودة فى المعابد المصرية تشتمل على أسماء الملوك، وتحقق بعض التقدم بفضل حجر رشيد المشتمل على ثلاث نسخ، إحداهما باللغة اليونانية، والأخريان بكتابتين مصريتين هما الديموطية والهيروغليفية»، وتوصل «شامبليون» إلى أن الكتابة المصرية بخطوطها الثلاثة «الهيروغليفى - الكهنوتى - الديموطى» تنتمى لمنظومة واحدة ولغة واحدة، فهناك خط مقدس للكهنوت، وخط عادى مكتوب باليد، وخط شعبى يستخدمه المصريون فى حياتهم اليومية، وعلى هذا الأساس شرع شامبليون فى معاينة نسخ حجر رشيد ليكتشف مبدأ الكتابة المصرية «ترسم تارة الأفكار، وطورا أصوات اللغة».


فى 27 سبتمبر 1822 قرأ رسالته أمام «أكاديمية الكتابات المنقوشة والآداب القديمة» عن جزء من اكتشافه ، وبعد عامين أعلن عن اكتشافه العلمى كاملا فى دراسته «موجز المنظومة الهيروغليفية لدى قدامى المصريين».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة