عند ذكر اسم صلاح الدين الأيوبى، يتبادر إلى الأذهان، صورة النجم أحمد مظهر، وهو يمتطى جواده، حاملا سيفه، وسط معركة ضد الصليبيين، وابتسامته الهادئة التى كانت سلاحا قويا في وجه الصليبيين، ضمن أحداث فيلم "الناصر صلاح الدين" للمخرج يوسف شاهين، لكن الحقيقة أن هناك الكثير من الفنانين أدوا شخصية "يوسف بن أيوب التكريتى" الذى نعرفه بـ "صلاح الدين الأيوبى"، مثل الفنان السوري جمال سليمان وغسان مسعود والممثل التركي أوغور غونيش، والهندى ميليند سومان، والممثل الأمريكي إيان كيث، فجميعهم أدوا شخصية صلاح الدين، وفقا لرؤى الأعمال التى شاركوا فيها، لكن هناك اسم مصري آخر، قدم الشخصية ولكن لم يتم التركيز عليه من قبل وهو الفنان والنجم الراحل محمود المليجى، والذى قدم الشخصية في فيلم بعنوان "صلاح الدين الأيوبي" عام 1941، لكن المفارقة أن الفيلم لم يكن عن صلاح الدين نفسه، ولكن عن قصة رومانسية وسط الأجواء الحربية والعسكرية التى كانت سائدة في هذه الفترة، إلا أن هذا الفيلم مفقود حاليا، وربما يكون النسخة قد تعرضت للتلف أو للحرق.

أفيش دعائي للفيلم يتصدره أنور وجدي

من دعاية الفيلم
فيلم "صلاح الدين الأيوبى"، عرض في 14 سبتمبر عام 1941، وهو من تأليف السيد زيادة، وإخراج إبراهيم لاما، لكن قبل الحديث عن الفيلم ذاته، لابد في البداية من استعراض الأوضاع السياسية في ذلك التوقيت، ففي مطلع الأربعينيات، كانت الأجواء مشتعلة، حيث كانت فلسطين في ذلك التوقيت تحت الانتداب البريطاني، فهى ليست دولة مستقلة، ووعود بإنشاء وطن قومى لليهود في ذلك المكان، ولذلك كان يتوافد آلاف اليهود على أرض فلسطين العربية.
وبالتالي، كانت الأوضاع السياسية مشتعلة ومتوترة، ليس في فلسطين فحسب، بل في كافة أنحاء العالم، حيث كان العالم مازال يعانى من الحرب العالمية الثانية، التي لم تكن قد انتهت بعد، وبالتالي، برزت القضية الفلسطينية في ذلك التوقيت، كواحد من أهم الهموم والقضايا لدى المبدعين في مصر.
المخرج والمنتج والمؤلف إبراهيم لاما، كان من بين أهم المبدعين في السينما المصرية في ذلك الوقت، وهو ذو أصول فلسطينية ومن مواليد عام 1904، ولد لأب فلسطينى مهاجر فى تشيلى ثم توجه إلى الإسكندرية مع عائلته عام 1926، وبدأ في العمل في السينما كمخرج سينمائى، وقد اقترح عليه السيد زيادة، قصة صلاح الدين الأيوبى، لتقديمها في عمل سينمائي، وبدأ بالفعل في التحضير للفيلم، وهنا برزت أزمة عنيفة كادت أن تهدد الفيلم، وهو أن الصحافة بدأت تتحدث عن أن مخرجا يهوديا، سيقدم فيلما عن صلاح الدين الأيوبي سلطان المسلمين، في الوقت الذى كان اليهود يتوافدون مهاجرين إلى القدس.
يقول الكاتب أشرف غريب في كتابه "إبراهيم لاما.. المخرج الأول" ضمن سلسلة الخالدون لصندوق التنمية الثقافية: "بعد فيلم "الهارب" يجول الهم الفلسطينى فى خاطر إبراهيم لاما حتى لو لم يكن بصورة مباشرة نحن الآن في عام 1941 وموجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين تزداد وتتوالى وبوادر مواجهة أكيدة تبدو للعيان، في هذه الأجواء يقرر إبراهيم لاما كمنتج ومخرج تقديم فيلم "صلاح الدين الأيوبي" بقصة وضعها مساعده السيد زيادة"
وتابع: "كان طبيعيا أن يتوجس الناس من فيلم عن صلاح الدين قاهر الصليبيين يتولى إنتاجه وإخراجه رجل غير مسلم بل وينظر إليه البعض على أنه يهودي ولذلك تعرض لاما لهجوم شديد من جانب الصحافة والمتخصصين بمجرد الكشف عن نيته تقديم عمل عن صلاح الدين واصفين إياه بأنه مغرض وصاحب هوى ينبغى أن يبتعد عن شخصية القائد الإسلامي العظيم، وكان إبراهيم لاما يرد على هذه الحملة بحسب ما جاء في صحيفة الحقيقة بتاريخ الثالث عشر من مايو 1941، حيث قال: "لا تشغلوا أنفسكم بمسألة الديانات أنا فلسطيني مصرى وأريد إخراج فيلم عن بيت المقدس المدينة المقدسة التي هي ملك لكل الديانات والعقائد ورمز للسلام بين البشر أليس هذا يكفى؟ وإننى أدعوكم لتنتظروا حتى تشاهدوا الفيلم ثم قولوا كلمتكم"
تم عرض الفيلم بالفعل، وكان من بطولة بدر لاما وزوجته بدرية رأفت ومحمود المليجى وأنور وجدى، إلا أن ثمة مفاجئة صدمت الجمهور صدمة عنيفة، وهو أن الفيلم، ليس عن صلاح الدين بالأساس، ولكنه عن أحد فرسانه، بل أن صلاح الدين في الفيلم حضر ولكن على الهامش.
ويتابع الكاتب أشرف غريب في كتابه: "كان إبراهيم لاما يعرف ما يقول ويفعل إذ فوجي الجميع عند عرض الفيلم بأنه ليس عن القائد صلاح الدين، وإنما عن أحد فرسانه يدعى سيف الدين صحيح أن هناك حروب صليبية وملك قائد هو ريتشارد قلب الأسد وزوجته.. وهناك أيضا القائد صلاح الدين وأمراؤه ومعارك طاحنة بين الطرفين بعد خرق الهدنة لكن الأهم هي المؤامرات والدسائس والخيانات التى تسير بالتوازي مع قصة الحب التي تجمع بين الفارس المخلص سيف الدين والأميرة سلمى وينتهى الفيلم بانتصار جيوش المسلمين وانتصار الحب أيضا.
ويختتم: "تجاوز إبراهيم لاما كل الحساسيات الدينية ليقدم فيلما عن مدينة القدس في وقت بالغ الحساسية وقبل اثنين وعشرين سنة من فيلم يوسف شاهين بكل الإمكانيات الضخمة التي توفرت له".
الفيلم لا تتوفر عنه الكثير من البيانات والمعلومات، إلا القليل، فبخلاف أن بدر لاما، جسد شخصية سيف الدين، فهناك العديد من المصادر التي تشير إلى ثنائية أنور وجدي ومحمود المليجى، حيث جسد الأخير شخصية "صلاح الدين الأيوبي"، بينما جسّد أنور وجدي شخصية ريتشارد الملك الإنجليزي قائد الحملة الصليبية على بيت المقدس، وهي نفس الثنائية التي قدمها يوسف شاهين في فيلم "الناصر صلاح الدين"، وقدم الشخصيتين، أحمد مظهر وحمدى غيث.
الكاتب والمؤرخ السينمائي محمود قاسم يقول في كتابه "الفيلم التاريخي في السينما المصرية": "الفيلم صلاح الدين الأيوبي تم عرضه عام 1942 من إخراج إبراهيم لاما، وبالنظر إلى قائمة توزيع الأدوار فإن البطولة الرئيسية في الفيلم للفارس سيف الدين (بدر لاما) أما صلاح الدين فقد جسده الممثل محمود المليجي".
ويقول الكتاب الدعائي الذي كان يوزع في تلك الآونة مع الفيلم إن الحرب وضعت أوزارها بعد أن ظلت نارها مشتعلة حينا طويلا بين العرب والصليبيين، وعقدت بين المتحاربين هدنة حتى يُشفى ريتشارد قلب الأسد "أنور وجدي" قائد الحملة من المرض الذي أصابه.
ويرى قاسم أن الفيلم ليس عن صلاح الدين الأيوبي، بقدر ما هو فيلم مغامرات وفروسية وبطولة عن شخصية متخيلة هي سيف الدين الذي لم تظهر حقيقته إلا في نهاية الأحداث، وبدا صلاح الدين نفسه شخصية هامشية، لكن النصر العسكري لم ينسب إلى سيف الدين الذي كان قد ذهب للقاء الحبيبة وتخلى عن واجبه الوطني في الوقت الذي تم تهميش دور الملوك الصليين، وعلى رأسهم ريتشارد قلب الأسد ملك بريطانيا، وكونراد ملك فرنسا، وتحول التاريخ هنا إلى ديكور لإبراز قصه حب وخيانة وطن، وقد ضم الفيلم حفنة من الممثلين فبالإضافة إلى الذين ذكرناهم هناك عماد حمدي في أولى تجاربه السينمائية وبشارة واكيم، وفاخر فاخر، وثريا فخري وحليم الرومي.
وبالنظر إلى قصة الحب الرئيسية في الفيلم، سنجد أن هذه النقطة أيضا كانت حاضرة بقوة في فيلم "الناصر صلاح الدين"، وتحديدا بين القائد العربي المسيحي عيسى العوام "صلاح ذو الفقار"، ولويزا قائد الهوسبيتاليين الصليبية "نادية لطفى"، حيث كان هذا الخط الدرامي الرومانسى، هو واحد من أعمدة الفيلم الأساسية، وتم توظيفه لخدمة دراما الفيلم، إذ تجاوز الحُب كل العراقيل والحروب والخلافات والاختلافات، وتزوج قائد عربي من فارسة صليبية كانت ترى أن الحملات ما هي إلا لصناعة مجد شخصي لملوك الممالك الأوروبية.
يعود الناقد والكاتب محمود قاسم، لكن في كتابه تاريخ السينما المصرية.. قراءة الوثائق النادرة ويؤكد أن كراس الفيلم تضمن حرصا شديدا على أن يكون الحوار باللغة العربية الفصحى وذكر اسم السيد محمد أبو المجد الذي أشرف على اللغة والإلقاء، وهو أستاذ اللغة العربية بالفرقة القومية للمسرح.
وتابع قاسم: "وبقراءة ملخص قصة الفيلم المنشور في الكراس باللغتين العربية والفرنسية فسوف نكتشف أننا لسنا أمام فيلم عن صلاح الدين الأيوبي بقدر ما هو فيلم عن الفروسية والحب في العصر الأيوبي، خاصة أثناء الحرب الصليبية، فهناك قصة حب بين الأميرة سلمى والفارس سيف الدين، فبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وبعد أن ظلت مشتعلة، فإن الهدنة تتم بين الطرفين المتحاربين، ويتولى الأمير سيف حراسة شقيقة ريتشارد وزوجته الأميرة العربية سلمى ابنة الأمير زيد كبير قواد الجيش العربي فتنمو بينهما قصة حب تنمو رغم ما بين الحبيين من تفاوت في الوضع الاجتماعي".
ويستند قاسم في حديثه عن الفيلم لمصدر آخر غير الكراس، وهو معلومات مختصرة رواها حسين عثمان في مجلة "الموعد"، حيث يقول إن بدرية رأفت هي جوزفين سركيس أو زوزو لاما، والتي جسدت دور الأميرة سلمى، هي الزوجة المحبة لزوجها بدر لاما وكانت تهوى التمثيل من أجل أن تكون إلى جوار زوجها التي أنجبت منه 4 بنات، وقد رفضت أن تأخذ أجرا عن أفلامها، حتى وإن كان ذلك في صورة هدايا، وبعد وفاة بدر بلاما في عام 1946، اعتزلت الحياة الفنية، وعادت لمرة يتيمة لتمثل اللقاء الأخير اخراج السيد زيادة صديق الأسرة الوفي الذي جاهد من أجل أن تعمل ولو فيلما واحدا.
بالطبع، خسرت المكتبة العربية فيلم "صلاح الدين الأيوبي"، حتى ولو كان مُجرد محاولة مبكرة لمعالجة القضية الفلسطينية، لكنها تكشف عن الاهتمام السينمائي بفلسطين كهم جماعي، حتى قبل أن تظهر دولة الكيان الصهيوني.