لم تكن جائزة لجنة التحكيم الخاصة التى حصدها الفيلم الوثائقى «NAZA» فى مهرجان فينيسيا السينمائى مجرد انتصار جديد لصانعيه الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، إذ سرعان ما تحولت إلى مواجهة داخل إسرائيل، بعدما طالب وزير الثقافة الإسرائيلى ميكى زوهار بسحب الجنسية منهما، واتهمهما بـ"خيانة الدولة"، بسبب الفيلم الذى يستند إلى شهادات 24 جنديًا وضابط استخبارات إسرائيليًا حول العمليات العسكرية فى غزة، ولم يصدر حتى الآن قرار بسحب جنسية المخرجين، إلا أن التهديد يعيد فتح ملف أقدم وأوسع عن علاقة إسرائيل بأصواتها المعارضة، فقبل أبراهام وزور اصطدم كتاب ومفكرون وأكاديميون وصحفيون إسرائيليون بالدولة ومؤسساتها بسبب ما كتبوه أو قالوه عن الاحتلال والحرب والجيش والرواية الإسرائيلية، وتنوعت المواجهة من التحقيق والاعتقال إلى الرقابة والضغط الأكاديمى والاستبعاد من المناهج والصدام مع مؤسسات الثقافة والجوائز.
المواجهة الإسرائيلية مع الأصوات المعارضة لها لا تقتصر على الفلسطينيين أو العرب، فقد عرف الداخل الإسرائيلي نفسه على امتداد عقود حالات اصطدم فيها كتاب ومفكرون وأكاديميون وصحفيون بمؤسساتهم بسبب مواقفهم من الاحتلال والحرب والهوية والرواية الرسمية، وتنوع الثمن بين التحقيق والاعتقال والضغط الأكاديمى والاستبعاد من المناهج والصدام مع مؤسسات الثقافة والجوائز.ويكشف مؤشر حرية الكتابة لعام 2025، الذى أصدرته منظمة PEN America فى مايو 2026، أن إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة سجلت 21 كاتبًا وصحفيًا قضوا فترات فى السجن أو الاحتجاز خلال العام، كان 20 منهم فلسطينيين، بينما كان الكاتب والصحفى الإسرائيلى اليهودى يسرائيل فراى الحالة الإسرائيلية الوحيدة التى رصدها المؤشر ضمن المحتجزين خلال 2025، بسبب تعليقاته المرتبطة بالحرب وانتقاده الحكومة.
يسرائيل فراى.. من التحقيق إلى "عدو الشعب"
تمثل قصة الصحفى الإسرائيلى يسرائيل فراى واحدة من أحدث صور الصدام بين دولة الاحتلال وصوت إسرائيلى خرج عن الإجماع السياسى، فراى، القادم من الوسط اليهودى المتدين، عُرف بانتقاد الاحتلال والسياسات الحكومية، وسبق اعتقاله واستجوابه فى ديسمبر 2022 على خلفية تغريدات أثارت اتهامات له بالتحريض.
وعادت قضيته بصورة أكثر حدة فى يوليو 2025، عندما اعتقلته الشرطة فى تل أبيب بعد منشور على منصة «إكس» أدى إلى فتح تحقيق يتعلق بالإرهاب والتحريض. ووفق PEN America، مددت المحكمة احتجازه ثلاثة أيام، ثم أطلق سراحه فى 14 يوليو بشروط شملت الإقامة الجبرية لفترة وحظر السفر، مع استمرار الإجراءات القانونية بحقه.
المفارقة أن فراى نقل تجربته بعد ذلك إلى كتاب حمل اسمًا ذا دلالة مباشرة هو "عدو الشعب"، وهو مذكرات عن حياته ومواجهاته مع المجتمع والسياسة والإعلام الإسرائيليين.
وحين تقرر إطلاق الكتاب فى مركز عيناف الثقافى فى تل أبيب خلال مايو 2026، تدخل وزير الثقافة الإسرائيلى ميكى زوهار، وأعلن وقف الموافقة على الدعم المالى للفعاليات الأدبية المستقبلية فى المؤسسات العامة، باستثناء فعاليات "أسبوع الكتاب" التى كان تمويلها قد أقر بالفعل، معللًا قراره برفض استخدام أموال الدولة فى فعالية اعتبر أنها تروج لمواقف مؤيدة للإرهاب والإضرار بالجنود الإسرائيليين.
وهكذا انتقلت قصة فراى من خلاف حول تغريدة إلى اعتقال وتحقيق، ثم إلى كتاب، قبل أن يتحول حفل إطلاق الكتاب نفسه إلى أزمة تتعلق بتمويل النشاط الأدبى فى إسرائيل.
دوريت رابين.. رواية حب تثير أزمة فى وزارة التعليم
قبل سنوات من حرب غزة الأخيرة، أثارت الروائية الإسرائيلية دوريت رابين واحدة من أشهر المعارك حول الأدب والمناهج التعليمية، بعدما كتبت روايتها "جدار حى"، التى صدرت بالإنجليزية بعنوان Borderlife، وتحكى علاقة عاطفية بين امرأة إسرائيلية ورجل فلسطينى.
فى نهاية عام 2015، رفضت وزارة التعليم الإسرائيلية إدراج الرواية ضمن المنهج الأدبى العام للمرحلة الثانوية، رغم توصية مختصين بإدراجها، وأكدت الوزارة آنذاك قرار الاستبعاد، بينما ارتبط الجدل بمخاوف تتعلق بالعلاقة بين اليهود والعرب والحفاظ على "الهوية" المنفصلة.
تحولت الرواية بذلك إلى نموذج ثقافى لكيفية دخول الدولة فى معركة حول ما ينبغى أن يقرأه الطالب، وما إذا كانت قصة حب أدبية يمكن أن تصبح قضية تتصل بالهوية والسياسة والصراع.
إيلان بابيه.. مؤرخ إسرائيلى خرج من الجامعة إلى بريطانيا
أما المؤرخ الإسرائيلى إيلان بابيه، صاحب عدد من الكتب الأكثر نقدًا للرواية الإسرائيلية التقليدية حول تأسيس الدولة وتهجير الفلسطينيين، فقد خاض مواجهة طويلة داخل الوسط الأكاديمى والسياسى.
وبحسب مقابلة موسعة نشرتها "الجارديان" بعد انتقاله إلى جامعة إكستر البريطانية، تعرض بابيه خلال عامى 2005 و2006 لهجوم سياسى واسع، وأدينت مواقفه داخل الكنيست، ودعا وزير التعليم آنذاك علنًا إلى إقالته، كما ظهرت صورته فى صحيفة إسرائيلية واسعة الانتشار داخل تصميم يشبه الهدف، وبعد سنواته فى جامعة حيفا انتقل إلى بريطانيا، حيث واصل عمله الأكاديمى.
نادرة شلهوب كيفوركيان.. من الجامعة إلى غرفة التحقيق
ومن أكثر الحالات وضوحًا بعد اندلاع حرب غزة حالة الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان، وهى فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية، وكانت أستاذة فى الجامعة العبرية بالقدس ومتخصصة فى القانون وعلم الجريمة والعمل الاجتماعى.
بعد تصريحاتها ومواقفها المنتقدة للحرب، أوقفتها الجامعة عن التدريس فى مارس 2024، ثم أعادتها إلى عملها بعد لقاء مع إدارة الجامعة وتوضيح مواقفها، وفي 18 أبريل من العام نفسه اعتقلتها الشرطة من منزلها للاشتباه فى التحريض، بعد تصريحات أدلت بها فى مقابلة صوتية.
وفي اليوم التالى أمرت المحكمة بالإفراج عنها، ثم رفضت محكمة القدس المركزية استئناف الشرطة الراغبة فى استمرار احتجازها، ولم تجد أساسًا لاعتبارها خطرًا يستوجب بقاءها رهن الاحتجاز.
وتكشف قضيتها انتقال المواجهة من حدود الجدل الأكاديمى إلى التحقيق الجنائى، وهو ما جعلها واحدة من أبرز قضايا حرية التعبير الأكاديمى داخل إسرائيل بعد أكتوبر 2023.
يشعياهو ليبوفيتش.. جائزة إسرائيل تتحول إلى معركة سياسية
في عام 1993 تحولت جائزة إسرائيل إلى أزمة عندما اختير الفيلسوف والعالم يشعياهو ليبوفيتش للحصول على جائزة الدولة عن مجمل أعماله.
كان ليبوفيتش أحد أكثر المفكرين الإسرائيليين نقدًا للسيطرة على الأراضى الفلسطينية بعد حرب 1967، وأثارت تصريحاته الحادة ضد ممارسات الجيش والحكومة غضبًا واسعًا، وبعد الإعلان عن الجائزة، أدان مجلس الوزراء ترشيحه، وأفادت تقارير وقتها بأن رئيس الوزراء إسحاق رابين كان يعتزم مقاطعة مراسم الجائزة.
ليبوفيتش هو الذى أعلن فى النهاية رفضه للجائزة، أى أن الدولة لم تسحبها منه رسميًا، إلا أن الأزمة تكشف حجم الضغط السياسى الذى أحاط بتكريم مفكر إسرائيلى بسبب مواقفه من الاحتلال والجيش.
عشرات الجوائز تلغى.. الثقافة تدخل ساحة المواجهة
وفي 2026 اتسع الجدل من حالات فردية إلى بنية الدعم الثقافى نفسها، فقد ألغت وزارة الثقافة عشرات الجوائز المخصصة للأدب والموسيقى والفنون والرقص، وبينها جوائز أدبية معروفة.
وأثار القرار احتجاج أكثر من 500 كاتب وفنان ومبدع إسرائيلى طالبوا بمراجعة قانونية للخطوة. وأشارت PEN America إلى أن وزير الثقافة ميكى زوهار تحدث لاحقًا عن انحياز تلك الجوائز إلى اليسار وتجاهل فنانين يمثلون، بحسب تعبيره، آراء غالبية الجمهور.
وذكرت صحيفة "إسرائيل اليوم" أن الإلغاءات شملت عشرات الجوائز الثقافية، ومنها جوائز فى الأدب وأدب الأطفال والفنون البصرية والموسيقى، وهو ما فتح داخل إسرائيل نفسها نقاشًا حول العلاقة بين الدولة والتمويل والاستقلال الثقافى.