لماذا يكره الإخوان الدولة المصرية؟.. من حلم السيطرة على مؤسسات الوطن إلى استهداف رجالها وتشويه صورتها.. كيف تحولت هزيمة الجماعة الإرهابية في الحكم إلى حرب على البلد ومحاولات مستمرة لهز ثقة المصريين في دولتهم؟

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 08:00 م
لماذا يكره الإخوان الدولة المصرية؟.. من حلم السيطرة على مؤسسات الوطن إلى استهداف رجالها وتشويه صورتها.. كيف تحولت هزيمة الجماعة الإرهابية في الحكم إلى حرب على البلد ومحاولات مستمرة لهز ثقة المصريين في دولتهم؟ عنف الإخوان

كتبت إسراء بدر

الدولة التي رفضت أن تسقط في قبضة الإخوان أصبحت هدفا دائما في مرمى الجماعة الإرهابية، هكذا تكشف سنوات المواجهة عن وجه آخر للتنظيم، فحين عجز عن إخضاع مؤسسات الدولة لمشروعه، بدأ في التعامل معها باعتبارها خصما، وحين فقد السيطرة على مقاعد الحكم، تحولت بعض أجنحته إلى استهداف رجالها، بينما تولت أبواقه الإعلامية والإلكترونية مهمة أخرى لا تقل خطورة تتمثل في تشويه مؤسسات الدولة، صناعة المظلومية، وتغذية الشك في كل ما يرتبط بها.

القصة لم تبدأ بالرصاص، وإنما بدأت بفكرة أخطر، أن تصبح مؤسسات الدولة مساحة نفوذ للتنظيم، وأن يكون الولاء للمشروع مقدما على الانتماء إلى مؤسسات الوطن، وعندما اصطدم هذا التصور بقضاء رفض الخضوع، وشرطة واجهت الفوضى، وإعلام كشف الوقائع، بدأت محاولات التشويه والتحريض، ثم خرجت من رحم هذا المناخ أجنحة مسلحة مثل "حسم" و"لواء الثورة" لتنتقل المواجهة من حملات التشويه إلى استهداف رجال الدولة.

وهكذا لم تعد معركة الجماعة الإرهابية مجرد محاولة للعودة إلى السلطة، وإنما تحولت إلى حرب متعددة الأدوات على الدولة المصرية نفسها، سلاح في مواجهة رجالها، وشائعات في مواجهة مؤسساتها، ومظلومية مصنعة في مواجهة وعي مواطنيها. فحين عجز التنظيم عن امتلاك الدولة، حاول ضرب صورتها، وحين فشل في إخضاع مؤسساتها، سعى إلى إسقاط الثقة فيها، لتبقى المعركة الحقيقية ممتدة من مواجهة الإرهاب على الأرض إلى مواجهة الرواية التي تحاول الجماعة الإرهابية فرضها في عقول المصريين.

 

القضاء.. المؤسسة التي رفضت الخضوع

أحد أبرز فصول الصدام ظهر في مواجهة الجماعة الإرهابية مع السلطة القضائية خلال فترة حكم محمد مرسي، حيث تصاعدت الخلافات بصورة حادة حول استقلال القضاء وحدود تدخل السلطة السياسية في عمل المؤسسات.

وفي عام 2013 برز مشروع لخفض سن تقاعد القضاة من 70 إلى 60 عاما، وهو ما كان يمكن أن يؤدي إلى خروج نحو 3500 قاض من الخدمة، وأثار احتجاجات واسعة واتهامات بأن الهدف هو إعادة تشكيل المؤسسة القضائية بما يتوافق مع توجهات السلطة القائمة آنذاك.

ولم يكن هذا الخلاف واقعة منفردة، وإنما جاء في سياق أوسع من التوتر بين الجماعة الإرهابية وعدد من مؤسسات الدولة، فالإخوان حاولوا الهيمنة على مؤسسات الدولة وطريقة تعاملهم مع القضاء ومؤسسات أخرى ساهمت في تعميق حالة الرفض السياسي والشعبي ضدهم.

المعنى الأهم هنا أن القضاء لم يكن بالنسبة إلى الجماعة الإرهابية مجرد مؤسسة تختلف معها في الرأي، وإنما أصبح عقبة أمام مشروع أراد توسيع نفوذه داخل الدولة. ومع تصاعد المواجهة، ظهرت لغة سياسية وإعلامية أكثر حدة تجاه القضاة، بالتزامن مع تحركات كانت تستهدف إعادة ترتيب المؤسسة، وهو ما جعل ملف القضاء واحدا من أكثر الملفات التي كشفت طبيعة الأزمة بين التنظيم ومؤسسات الدولة.

 

أخونة الدولة.. عندما يصبح النفوذ أهم من المؤسسة

خلال فترة حكم الجماعة الإرهابية تصاعد الحديث عن "أخونة الدولة"، في ظل محاولات إحلال شخصيات محسوبة على الإخوان الإرهابية أو حلفائهم في مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة بما عزز المخاوف من توسيع النفوذ التنظيمي داخل أجهزة الدولة.

المشكلة في هذا المسار لم تكن فقط في أسماء يجري تعيينها أو إقالتها، وإنما في الفكرة التي تقف خلفه وهي هل تصبح مؤسسات الدولة ملكا للقوى التي تصل إلى الحكم، أم تظل مؤسسات وطنية مستقلة عن التنظيمات والأحزاب؟ وعندما تكون الإجابة العملية هي محاولة إعادة ترتيب المؤسسات وفقا لموازين الولاء السياسي، يصبح الخلاف مع المؤسسة نفسها أمرا حتميا عندما ترفض تنفيذ هذا التصور.

وهنا بدأت ملامح الأزمة الحقيقية في الظهور فالتنظيم الذي يرى نفسه صاحب مشروع شامل لا يتعامل بسهولة مع مؤسسة مستقلة ترفض أن تصبح جزءا من مشروعه، ولذلك تحولت مؤسسات الدولة تدريجيا من ساحات يفترض أن تعمل بالقانون إلى أطراف في معركة سياسية، ثم أصبحت بعد سقوط الجماعة الإرهابية أهدافا في خطاب التحريض والتشويه.

 

بعد سقوط الحكم.. من السيطرة إلى الانتقام

سقوط الإخوان الإرهابية من الحكم في 2013 لم ينه الصراع، وإنما غير أدواته، فالجماعة التي كانت تمتلك أدوات السلطة أصبحت خارجها، بينما بقيت مؤسسات الدولة التي اصطدمت بها قائمة، الأمر الذي دفع الخطاب الإخواني إلى إعادة تقديم المشهد كله من خلال رواية "المظلومية"، وتحويل الخروج من السلطة إلى قصة استهداف مستمر للجماعة الإرهابية وأنصارها.

ومع تصاعد الاحتقان، لم تكتف بعض الأجنحة بالخطاب السياسي والإعلامي، وإنما انتقلت إلى العنف المسلح، وهنا ظهر التحول الأخطر فبدلا من محاولة إعادة بناء وجود سياسي أو مراجعة أسباب السقوط، بدأت تنظيمات مسلحة تتبنى استهداف مسؤولين وأفراد ومؤسسات مرتبطة بالدولة، في محاولة لإرباك مؤسساتها وفرض كلفة أمنية وسياسية مستمرة.

هذا التحول يكشف الفارق بين خصومة سياسية يمكن أن تنتهي بتغير موازين القوى، وبين تنظيم يرى في الدولة نفسها خصما يجب إنهاكه، فالمواجهة لم تعد على من يحكم فقط، وإنما على قدرة الدولة على حماية مؤسساتها ورجالها وفرض القانون.

 

حسم ولواء الثورة.. حين تحول التحريض إلى رصاص

في هذا السياق برزت جماعات مسلحة مثل "حسم" و"لواء الثورة" كأحد أخطر مظاهر الانتقال من خطاب الجماعة الإرهابية إلى العنف المنظم، وقد تأسست "حسم" الإرهابية عام 2015 بهدف إسقاط الحكومة المصرية، ونفذت أو أعلنت مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مسؤولين أمنيين وأهدافا مرتبطة بالدولة، كما أعلنت مسؤوليتها عن محاولة اغتيال مفتي الجمهورية السابق علي جمعة واستهداف ضابط بالأمن الوطني، كما قامت بتفجير معهد الأورام الجريمة التي كشفت عن الوجه الدموي للجماعة الإرهابية.

أما "لواء الثورة"، فأعلنت مسؤوليتها عن اغتيال العميد عادل رجائي عام 2016، كما أعلنت مسؤوليتها عن هجوم استهدف مركز تدريب للشرطة في طنطا عام 2017. وفي عام 2018 صنفت الولايات المتحدة التنظيم كمنظمة إرهابية، ثم صنفت "حسم" في 2021، إلى جانب قياديين بها هما يحيى موسى وعلاء السماحي، مشيرة إلى ارتباط بعض قادتها بجماعة الإخوان الإرهابية.

 

الحرب النفسية.. عندما تصبح الشائعة سلاحا

لكن المواجهة لم تتوقف عند السلاح، لأن هناك جبهة أخرى ظلت مفتوحة على مدار السنوات، تتمثل في محاولة ضرب ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وفي هذه الجبهة تصبح الشائعة والصورة المضللة والمقطع المجتزأ أدوات لإنتاج حالة دائمة من الشك، بحيث لا يعود الهدف إقناع المواطن برواية محددة، وإنما دفعه إلى الاعتقاد بأن كل ما يصدر عن الدولة قابل للتشكيك.

وتعمل هذه الآلية من خلال إعادة تدوير الوقائع القديمة باعتبارها أحداثا جديدة، واقتطاع تصريحات من سياقها، واستخدام صور أو مقاطع لا علاقة لها بالحدث المتداول، ثم دفعها عبر حسابات ومنصات متعددة. ومع تكرار النشر، تتحول المعلومة غير الموثقة إلى حقيقة في وعي قطاع من المتلقين لمجرد أنها ظهرت أمامهم عشرات المرات.

وهنا تكمن خطورة الحرب النفسية لأنها لا تحتاج إلى السيطرة على الشارع بقدر ما تحتاج إلى إرباك وعيه، فالمؤسسة التي يتم التشكيك في كل قراراتها تفقد جزءا من قدرتها على التأثير، والبيان الذي يتم التعامل معه باعتباره كذبا قبل قراءته يصبح عاجزا عن الوصول إلى المواطن، بينما تتحول الرواية المعادية إلى البديل الجاهز.

المظلومية.. المصنع الذي يعيد إنتاج الخصومة

وسط هذه المعركة، لعبت رواية المظلومية دورا محوريا في إعادة إنتاج خطاب الجماعة الإرهابية فبدلا من الاعتراف بمسؤولية التنظيم عن قراراته وأخطائه، يجري اختزال الأحداث في رواية واحدة تجعل الجماعة دائما ضحية، وتجعل الدولة دائما الجاني، مهما اختلفت الوقائع أو الظروف.

ومع الوقت تتحول المظلومية من خطاب للتعبئة إلى أداة لتبرير التصعيد فإذا كانت الدولة في الرواية الدعائية مسؤولة عن كل ما حدث، فإن أي مواجهة معها تصبح قابلة للتبرير، وأي إجراء قانوني يتحول إلى دليل جديد على الاستهداف، وأي مواجهة أمنية تصبح وقودا لرواية جديدة من روايات الاضطهاد.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة تبدأ بالتشويه، ثم التحريض، ثم المواجهة، ثم استخدام نتائج المواجهة في إنتاج تشويه جديد وهي دائرة تجعل الصراع مستمرا حتى عندما تتراجع قدرة التنظيمات المسلحة على تنفيذ عملياتها، لأن الرواية الدعائية تظل قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر المنصات الإلكترونية والإعلامية.

الدولة المصرية أكبر من أي تنظيم

في نهاية المطاف فإن الرسالة الأوضح التي تكشفها السنوات الماضية أن الدولة لا تصبح ملكا لجماعة بمجرد وصولها إلى الحكم، ومؤسسات الوطن لا تتحول إلى خصوم لمجرد أنها رفضت الخضوع لكن الجماعة الإرهابية حين عجزت عن إخضاع الدولة لمشروعها نقلت معركتها من محاولة السيطرة عليها إلى محاولة ضرب صورتها وهيبتها وثقة المصريين فيها.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة