صورة الجلاد في العصور الوسطى، كرجل ضخم يرتدي قناعاً أسود، هي مجرد خرافة، حيث لم يرتدِ الجلادون أقنعة حتى القرن السابع عشر وكانت وجوههم مكشوفة للجميع، أن حياتهم اتسمت بمزيج معقد من النبذ الاجتماعي والعزلة الإجبارية، إلى جانب الرفاهية المادية والمعرفة التشريحية المذهلة، وتُقدم اليوميات الشخصية الدقيقة التي تركها الجلاد الألماني "فرانز شميدت" من القرن السادس عشر، وثيقة تاريخية استثنائية تفكك هذه الصورة النمطية السائدة في السينما عن الجلاد الوحشي الذي يعيش فقط لتعذيب ضحاياه وبث الرعب في القلوب، وفقا لما نشره موقع" livescience".
البعد الإنساني خلف قناع العنف
في ظهيرة أحد أيام شهر مايو من عام 1573، وقف شاب ألماني يبلغ من العمر 19 عاماً يُدعى فرانز شميدت في فناء منزله بولاية بافاريا، ممسكاً بسيفه لقطع رأس كلب ضال كاختبار أخير لممارسة مهنة الجلاد رسمياً.
وجاءت هذه الخطوة كمرحلة متقدمة من تدريبه بعد أن أمضى فترات طويلة يتدرب فيها على قطع رؤوس ثمار القرع الجامدة لإتقان الضربة بسيف واحد.
ونعرف تفاصيل هذا المشهد المروع لأن شميدت دوّن مذكرات دقيقة عن حياته، رسمت صورة ثرية وكشفت عن جانب إنساني غير متوقع، فقد كان رجلاً يأخذ عمله ومسؤولياته القانونية على محمل الجد، بل كان يشعر بالتعاطف الصادق والحزن تجاه ضحاياه، مما ينفي صفة السادية والوحشية المطلقة عن أصحاب هذه المهنة.
ظهور المهنة
يوضح المؤرخ جويل هارينغتون من جامعة فاندربيلت أن الممارسات الجنائية في أوروبا القديمة كانت تفتقر للتنظيم وتشبه إلى حد ما أجواء "الغرب الأمريكي المتوحش" حيث كان معظم المجرمين يفلتون من العقاب، وعندما كانت السلطات تنجح في القبض على الجناة، كانت تحرص على تحويل عقابهم إلى مشهد عام وعبرة علنية أمام الجمهور لإبراز قوة القانون وتخويف الآخرين، ومن هنا تبلورت الحاجة لتوظيف جلادين رسميين علنيين.
ولم تكن هذه الوظيفة خياراً شخصياً يسعى إليه الأفراد بدافع الرغبة، بل كانت وظيفة مفروضة قسراً، فمعظم المجتمعات كانت تنظر إلى هذا العمل بوصفه عملاً غير مرغوب فيه يكسوه العار الاجتماعي.
سلالات الإعدام والروابط العائلية الإلزامية
في بعض الحالات النادرة، كان يُستعان بالجزارين ليصبحوا جلادين، أو يُعرض على المدانين بالجرائم هذه الوظيفة كبديل مباشر عن تنفيذ حكم إعدامهم، لكن في الغالب، كان الجلادون يدخلون هذه المهنة مجبرين عن طريق الروابط العائلية، فمعظمهم كانوا رجالاً كان آباؤهم جلادين من قبلهم.
وحتى كاتب اليوميات فرانز شميدت نفسه كان من نسل جلاد، إذ تولى والده الوظيفة على مضض شديد عندما عُيّن فجأةً من قبل أحد الأمراء ليكون جلاداً ملكياً.
وبمرور الوقت، أدى انتقال هذه السلطة والمسؤولية تلقائياً من الأب إلى الابن إلى خلق ما عُرف باسم "سلالات الإعدام" طويلة الأمد التي انتشرت في جميع أنحاء أوروبا خلال العصور الوسطى، نتيجة حبس هذه العائلات في دوامة عمل مغلقة لعدم توفر أي فرص عمل أخرى لهم في المجتمع .
العزل الاجتماعي والنفي إلى أطراف المدن
عاش الأشخاص الذين تدور مهنهم حول الموت تحت وطأة نبذ اجتماعي قاسى، حيث هُمّش الجلادون وعائلاتهم واُجبروا على العيش حرفياً على الأطراف الجغرافية للمدن.
ولم يكن عامة الناس يرحبون بدخول الجلادين إلى منازلهم، كما حُرم الكثير منهم من دخول الكنائس، وكان الزواج يُعقد مجبراً داخل منزل الجلاد نفسه، بل إن بعض المدارس كانت ترفض تماماً قبول أبناء الجلادين للدراسة.
وأدى هذا العزل الاجتماعي الصارم إلى اضطرار الجلادين وعائلاتهم إلى الاختلاط بالفئات الأخرى التي أُجبرت على الانخراط في عوالم الهامش، مثل البغايا والمصابين بالجذام والمجرمين، مما زاد من شكوك العامة ونظرتهم السلبية تجاههم.
احترافية عالية وتفوق علمي غير متوقع
لكن ما يتناقض تماماً مع هذه المكانة الاجتماعية المتدنية هو الاحترافية الشديدة والخبرة العالية التي كان يُتوقع من الجلادين إظهارها في عملهم، فخلافاً للاعتقاد الشائع بأن مهنتهم لا تتطلب سوى القوة الغاشمة، أوضحت الباحثة هانيل كليميتيلا-مكهيل أن الفشل في التنفيذ السلس كان يعرض الجلاد لاتهامات بالقسوة المفرطة وليس فقط بعدم الكفاءة.
وفي بعض المناطق، كان يُسمح للجلاد بثلاث ضربات فقط لقطع الرأس، وإذا أخفق وتسبب في مشهد مروع، كان يواجه خطر هجوم المتفرجين الغاضبين عليه، فضلاً عن عقوبات السلطات التي تشمل حجب الأجر أو السجن أو الفصل.
هذا الحافز القوي دفع الجلادين لامتلاك فهم عميق بتشريح جسم الإنسان،والمثير للدهشة أنهم لم يكونوا جهلة، بل تميزوا بمعدلات إلمام عالية جداً بالقراءة والكتابة مقارنة بأفراد طبقتهم الاجتماعية.
من الإعدام إلى مداواة المرضى
أدت هذه المعرفة التشريحية إلى مفارقة غريبة وجذابة في تاريخ العصور الوسطى، حيث مارس بعض الجلادين مهنة الطب.
وكان الناس الذين يرفضون أي صلة اجتماعية بالجلاد في العلن، يذهبون مضطرين إلى منزله في الخفاء لطلب العلاج والشفاء.
وعلى سبيل المثال، تشير السجلات إلى أن فرانز شميدت نفسه قد عالج عدداً من المرضى يفوق بكثير عدد من نفذ فيهم حكم الإعدام.
وقد اعترف شميدت في مذكراته بأن الطب كان سيكون مهنته المفضلة والاختيار الأول لحياته لو لم تُجبر عائلته على دخول عالم الإعدام.
وتثبت هذه الحقائق أن الجلادين لم يكونوا وحوشاً ساديين مجهولي الهوية، بل كانوا يرون أنفسهم كمسؤولين رسميين عن إنفاذ القانون في زمن صعب.
امتيازات مادية
لكي تعوض السلطات هؤلاء المهنيين عن عزلتهم، منحتهم امتيازات مادية قيمة، فإلى جانب السكن المجاني والإعفاء التام من الضرائب، استفادوا من نظام يُدعى "الهافاجي" يمنحهم الحق في أخذ طعام وشراب مجاني من بائعي الأسواق.
وبفضل كفاءة شميدت المهنية، حظي باحترام كبير وتولى منصب الجلاد الرسمي لمدينة بامبرغ، مما درّ عليه راتباً سخياً مكّنه من عيش حياة رغيدة في منزل واسع. ومع ذلك، ظل شميدت يرفض توريث وصمة العار لأبنائه.
وبعد تقاعده عند سن السبعين، ناشد سلطات بافاريا لإعفاء أطفاله من هذا الإرث المؤلم، وتكللت جهوده بالنجاح في النهاية، حيث حُرِّر أبناؤه رسمياً ومُنِحوا الحق في اختيار مهنهم الخاصة بحرية، لتنتهي قصة الجلاد الصادق بنهاية سعيدة غيرت مسار عائلته إلى الأبد.

الجلاد فى العصور الوسطى