قد تبدأ الواقعة في ثوانٍ معدودة.. مشاجرة مفاجئة، شخص يعتدي على آخر، أو خطر يهدد حياة إنسان أو أحد أفراد أسرته، فيتصرف الطرف الآخر بشكل سريع لوقف الاعتداء، لكن بعد انتهاء الموقف، قد تتغير الصورة تمامًا، ويجد من كان يحاول حماية نفسه أمام جهات التحقيق باعتباره متهمًا.
هنا يظهر مفهوم الدفاع الشرعي عن النفس، الذي منحه القانون في حالات محددة لمن يواجه خطرًا غير مشروع، لكنه في الوقت نفسه لم يترك هذا الحق بلا قيود، حتى لا يتحول الدفاع إلى انتقام، أو تتحول لحظة الخطر إلى مبرر لاستخدام القوة دون حدود.
البداية من وجود خطر حقيقي
لا يكفي أن يشعر الشخص بالغضب أو الخوف حتى يتمسك بحالة الدفاع الشرعي، وإنما يجب أن تكون هناك واقعة اعتداء أو خطر غير مشروع يهدد الشخص أو غيره.
وتنظر الجهات المختصة إلى طبيعة الخطر ومدى جديته، وما إذا كان قائمًا بالفعل وقت استخدام القوة، لأن الدفاع الشرعي يرتبط بوجود خطر يستدعي التدخل لرده، وليس بمجرد توقع اعتداء قد يحدث في المستقبل.
هل يجوز أن ترد الاعتداء بالقوة؟
القانون يجيز في حالات الدفاع الشرعي استخدام القوة اللازمة لوقف الاعتداء، لكن الهدف الأساسي من هذا التصرف يجب أن يكون دفع الخطر وليس معاقبة المعتدي.
وبالتالي، فإن تقدير التصرف لا ينفصل عن ظروف الواقعة، ومدى خطورة الاعتداء، وطبيعة القوة التي استخدمها الشخص في مواجهته.
لحظة انتهاء الخطر.. نقطة فاصلة
من أهم النقاط التي تحدد ما إذا كان التصرف يدخل في نطاق الدفاع الشرعي أم لا، توقيت استخدام القوة.
فإذا انتهى الاعتداء وزال الخطر، فإن الاستمرار في ضرب المعتدي أو ملاحقته بقصد الانتقام قد يخرج الواقعة من إطار الدفاع الشرعي، خاصة إذا لم يعد هناك خطر يستوجب التدخل.
وهنا تفرق الجهات المختصة بين شخص استخدم القوة لإيقاف اعتداء قائم، وشخص استمر في الاعتداء بعد انتهاء سبب الخطر.
الخوف وحده لا يصنع دفاعًا شرعيًا
قد يشعر الإنسان بالخوف أثناء تعرضه لموقف تهديد، إلا أن الخوف المجرد لا يعني تلقائيًا قيام حالة الدفاع الشرعي.
ويتم بحث الواقعة في ضوء ملابساتها كاملة، لمعرفة طبيعة الاعتداء ومدى قرب الخطر وإمكانية دفعه، إلى جانب الطريقة التي تعامل بها الشخص مع الموقف.
وماذا عن الدفاع عن الأسرة؟
لا يقتصر الأمر على حماية الإنسان لنفسه، إذ قد يجد الشخص نفسه أمام اعتداء يستهدف أحد أفراد أسرته أو شخصًا آخر، وهنا يتم بحث مدى توافر الشروط القانونية للدفاع عن الغير وفقًا لظروف الواقعة.
والقاعدة الأساسية تظل واحدة: وجود خطر غير مشروع، وأن يكون التصرف مرتبطًا بدفع هذا الخطر وفي الحدود التي تفرضها الضرورة.
هل يمتد الدفاع الشرعي إلى الممتلكات؟
قد يرتبط الدفاع الشرعي كذلك بحماية المال أو الممتلكات في الحالات التي يحددها القانون، إلا أن التعامل مع الاعتداء على المال لا يعني أن لصاحب المال مطلق الحرية في استخدام القوة.
وتظل طبيعة الاعتداء وظروفه ومدى جسامته وطريقة التصدي له من الأمور التي تدخل في تقدير الجهات المختصة عند فحص الواقعة.
من الضحية إلى المتهم.. متى تتغير الصورة؟
التحول من شخص يدافع عن نفسه إلى متهم لا يرتبط بمجرد استخدام القوة، وإنما بما إذا كان هذا الاستخدام قد توافرت له الشروط القانونية أم تجاوزها.
لذلك، لا يتم النظر إلى الواقعة من زاوية واحدة، بل تخضع تفاصيلها للفحص، بداية من كيفية نشوب الاعتداء، ومن بدأه، ومدى استمرار الخطر، وطبيعة رد الفعل، وما إذا كان الهدف من التصرف هو دفع الاعتداء أم الانتقام بعد انتهائه.
التحقيقات تحسم التفاصيل والمحكمة تفصل في النهاية
تتولى جهات التحقيق فحص ملابسات الواقعة والاستماع إلى أطرافها والشهود، والاطلاع على ما يتوافر من أدلة وتقارير فنية، لتحديد حقيقة ما حدث ومدى توافر حالة الدفاع الشرعي.
وفي النهاية، يظل تقدير توافر شروط الدفاع الشرعي من اختصاص جهات التحقيق والمحكمة المختصة، التي تفصل في كل واقعة وفق ظروفها وأدلتها وملابساتها، ولا يمكن اعتبار مجرد ادعاء الدفاع عن النفس سببًا تلقائيًا للإعفاء من المسؤولية.