فى 29 مارس 2015 أى منذ أكثر من 11 عاما، طرحت مصر فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة، تكون درعا وسيفا، وتحفظ وتصون الأمن القومى العربى، ولاقت الفكرة موافقة عدد من الدول العربية، وقرر مجلس جامعة الدول العربية، الموافقة على الفكرة، وحمل القرار 628، وتقرر إعداد بروتوكول مكتوب، يتضمن 12 مادة، يحدد تعريفا كاملا ويرسم سيناريو وافيا لمهام القوة، مصر كانت تدرك حجم المخاطر مبكرا، وكانت قارئة جيدة للمستقبل، وما يحاك للمنطقة من مخططات شبيهة بتسونامى، لإغراق الدول وإسقاطها فى وحل الفوضى، الواحدة تلو الأخرى.
حينها حذر الرئيس عبدالفتاح السيسى، من أن الجميع فى قلب دائرة الخطر، ولا توجد دولة واحدة بمنأى عن هذا الخطر، لذلك يستوجب أن تكون للعرب قوة عسكرية قادرة على الدفاع والردع، لكن للأسف، وكالعادة العربية التى لا تنقطع أبدا، ومستمرة استمرار الدهر، دُفنت الفكرة.
حينها كانت مصر تستشرف المستقبل وترى المخاطر، واشتعلت النيران فى المنطقة، واشتد لهيبها فى أكتوبر 2023 عندما قررت إسرائيل إبادة غزة، ومنذ ذاك التاريخ بدأت شرار النار تنتقل من دولة إلى أخرى ويهتز الأمن القومى العربى بعنف، حتى وصلنا إلى ما هو عليه الآن، من أوضاع أخطر مما يعتقده أو يتخيله أصحاب القريحة الفذة فى الدراسات السياسية والاستراتيجية، وأن الأحداث أصابت العقول بالشلل.
من هنا، وجب التأكيد على أن هناك دولا تتعامل مع الأزمات عندما تقع، بينما هناك دول تحاول منعها قبل أن تولد، وبين النموذجين تقف مصر فى منطقة شديدة التعقيد، وبما أنها تتمتع بعمق معرفى وحضارى، ضارب بجذوره فى أعماق التاريخ، أكسبها تراكم معرفى وخبرة وحنكة على مدار آلاف السنين، لذلك فإن قراءة المستقبل بالنسبة لها، ليس ترفا سياسيا، وإنما مسألة أمن قومى، فمصر تتمتع بموقع جغرافى فريد، إلا أن أنها محاطة بسلسلة من بؤر الصراع، ليبيا غربا، السودان جنوبا، وغزة وشرق المتوسط شرقا وشمال شرق، بينما تمتد دوائر الخطر الأبعد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقى ومنطقة الساحل.
هذا الموقع هو أحد مفاتيح فهم السلوك المصرى خارجيا؛ وأن سياستها الخارجية تمثل مدرسة دبلوماسية فريدة، وأن قراءة الاتجاهات تمثل فقه الضرورة، لذلك تكتسب التحذيرات المصرية، أهمية قصوى، وتتحقق على الأرض حرفيا بعد سنوات، وكأنها كانت ترى النتيجة قبل أن يرى الآخرون مقدماتها.
وهنا تظهر قدرة مصر وعبقرية مدرستها الدبلوماسية المتجذرة فى أعماق التاريخ، ليست من فضيلة قراءة المخاطر تأسيسا على امتلاك المعلومات، فقط، وإنما من امتلاك شبكة مصالح تجعلها ترى الترابط بين الملفات قبل غيرها؛ فتنظر إلى ليبيا ليست بمعزل عن السودان والساحل، وتنظر إلى السودان ليس بمعزل عن ملف البحر الأحمر والنيل؛ والقرن الأفريقى ليس منطقة بعيدة، لأنه يرتبط بأمن البحر الأحمر وسد النهضة والممرات البحرية، وغزة ليست ملفا فلسطينيا فقط، لأنها ترتبط بسيناء وأمن الحدود ومستقبل الدولة الفلسطينية.
التاريخ يؤكد أن مصر دولة لا يمكن تجاوزها بسهولة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، لديها قناة السويس، والجيش الأكبر فى المنطقة، وحدود مع أكثر مناطق المنطقة اضطرابا، وعلاقات تاريخية مع واشنطن وموسكو وعواصم الخليج وأوروبا، قائمة على الصدق والشرف، فضلا عن موقعها المركزى فى القضية الفلسطينية والنظام العربى.
مصر دولة ترى المخاطر عن بعد، ليس من باب التنجيم، وإنما كونها دولة تعلمت، بحكم الجغرافيا والتاريخ والتجربة، أن تنظر إلى ما وراء الخبر، ولذلك حين تحذر القاهرة من تفكك دولة عربية، أو من تهجير الفلسطينيين، أو من عسكرة البحر الأحمر، أو من انفلات القرن الأفريقى، أو تفجر الوضع فى أية ساحة ساخنة، فهى لا تنظر فقط إلى ما يحدث اليوم، وإنما إلى ما يمكن أن يحدث بعد 5 سنوات إذا لم يتوقف المسار.
ويظل التاريخ وحده هو الحكم النهائى؛ وفى منطقة دفعت ثمنا هائلا لأنها اكتشفت أخطارها بعد وقوعها، ربما تكون أعظم قيمة لمصر أنها تحاول دائما أن ترى النار قبل أن تصل إلى البيت؛ وهذه هى معادلة الاستشراف المصرية، القائمة على أنها ليست صاحبة نبوءة، وإنما صاحبة خبرة جعلتها تعرف أن الكارثة لا تبدأ يوم وقوعها، بل تبدأ يوم يفشل الآخرون فى رؤية مقدماتها.