مصطفى السيد

حصة الرسم.. استثمار فى النفس وحارس هويتنا الثقافية

الأحد، 13 سبتمبر 2026 09:52 ص


مع بداية كل عام دراسي، أتذكر دائما حصة الرسم الأسبوعية، تلك الحصة التي كانت بالنسبة لي ليست مجرد وقت مخصص لنشاط فني داخل المدرسة. وزادني فخرا أنني، بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما، وجدت بعض لوحاتي معلقة في مدرستي الثانوية، شاهدة على وجودي وذكرياتي، وكأنها رسالة تقول إن ما نصنعه في الصغر يظل حاضرا فينا حتى بعد مرور السنوات.

كانت حصة الرسم يوما مختلفا عن باقي أيام الأسبوع؛ فهي ليست دقائق قليلة، لكنها كانت بمثابة فسحة حقيقية وسط زحام الدراسة والواجبات والالتزام والصمت داخل الفصول. لم تكن مجرد حصة دراسية، بل كانت مساحة للخيال والتأمل وعشق النظر إلى أدوات الرسم، وإلى تلك الغرفة التي كانت تختلف في شكلها وروحها عن بقية الفصول.

وكانت تستهويني تلك الأماكن المميزة في المدرسة، مثل غرفة الرسم وغرفة الموسيقى والمكتبة، فهي مساحات صغيرة، لكنها كانت تفتح آفاقا أخرى. هناك تعلمنا الفن، وتأثر سلوكنا دون أن ندرك، وترسخت بداخلنا معاني الرقي والنظام وحب الجمال.

لم أكن أعلم وقتها أهمية هذه الأنشطة، ولا حجم الأثر الذي يمكن أن تتركه في شخصية الإنسان عندما يكبر. لم أكن أعرف أن لحظات التأمل أمام لوحة، أو الانشغال بتناسق الألوان والخطوط، يمكن أن تتحول مع الوقت إلى طريقة في النظر إلى الحياة نفسها، وخلق فلسفة حياتية مختلفة ومميزة.

فحب حصة الرسم تحول إلى شغف لا ينتهي بالجمال والإبداع، وأصبح جزءا أساسيا من شخصية الإنسان وفلسفته في الحياة. ومن هنا ندرك أن حصة الرسم واحدة من أهم مكونات الثقافة، ومهذبا راقيا للسلوك بصورة غير مباشرة؛ فالفن يمنح الإنسان مساحة للهدوء والتدبر والتأمل، ويجعله أكثر انحيازا للجمال في محيطه.

فحين نربي أطفالنا على حب الجمال والنظام، يمكن أن نصنع شبابا يحافظ على نظافة محيطه ومدينته، ويحترم المكان العام، ويرى في الشارع والحديقة والمبنى جزءا من جمال مجتمعه. وقد يبدو هذا الأمر بعيدا عن حصة الرسم، لكنه في الحقيقة أحد آثار التربية الجمالية التي يمكن أن توفر على المجتمع كثيرا من الجهد والإنفاق في مواجهة الإهمال والتشوه البصري.

أما أثر الفن على الروح، فهو أعمق؛ لأنه يفتح أمام الإنسان مساحات للتفكير والحوار، ويبعده عن التشدد في الرأي والتطرف في الفكر. فالإنسان الذي يتعلم التعبير عن مشاعره وأفكاره من خلال الألوان والخطوط والموسيقى والفنون، يتعلم أيضا أن الاختلاف يمكن أن يكون مساحة للحوار، وأن القوة ليست دائما في العنف، وإنما قد تكون في الكلمة والصورة والفكرة والفن.

وهنا تظهر أهمية القوة الناعمة التي يصنعها الفن، قوة قادرة على التعبير والتأثير وفتح مساحات للتفاهم، مغلفة بالسلام النفسي، بعيدا عن الغلظة والعنف والرفض المستمر للآخر.

لذلك، فإن حصة الرسم ليست نشاطا ثانويا داخل المدرسة، وليست مجرد مساحة لاكتشاف الموهوبين فقط، وإنما هي جزء أصيل من بناء الإنسان.

حصة الرسم هي استثمار في النفس وحارس لهويتنا الفنية والثقافية فالحضارة لا نحافظ عليها بالكلمات وحدها، وإنما بغرس تقدير الفن والجمال في الأجيال الجديدة، حتى يكبر الطفل وهو يشعر أن ما حوله يستحق أن يحافظ عليه، وأن هويته تستحق أن يعرفها ويفخر بها ويطورها.

وإذا كنا نبحث عن مجتمع أكثر رقيا وهدوءا وقدرة على الحوار، فعلينا ألا ننظر إلى حصص الفن باعتبارها وقتا إضافيا يمكن الاستغناء عنه، بل باعتبارها جزءا من الاستثمار الحقيقي في الإنسان.

فربما لا نتذكر بعد عشرين عاما كل ما تعلمناه في كتب الدراسة، لكننا قد نتذكر لوحة رسمناها ذات يوم، أو لونا أحببناه، أو غرفة فن شعرنا فيها لأول مرة أن لنا عالما خاصا من الخيال.

وهذا وحده كاف لنعرف أن حصة الرسم لم تكن يوما مجرد حصة.. بل كانت درسا في الحياة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة