ماذا لو لم تتحرك الدولة فى ملف الزراعة؟.. استصلاح الأراضي والتحسين الوراثي للماشية وتجميع الألبان خطوات عززت الإنتاج على كل المستويات.. حلقات صنعت فارقًا في غذاء المصريين.. كيف وصل أثرها إلى مائدة المواطنين؟

الأحد، 13 سبتمبر 2026 03:30 م
ماذا لو لم تتحرك الدولة فى ملف الزراعة؟.. استصلاح الأراضي والتحسين الوراثي للماشية وتجميع الألبان خطوات عززت الإنتاج على كل المستويات.. حلقات صنعت فارقًا في غذاء المصريين.. كيف وصل أثرها إلى مائدة المواطنين؟ الأراضي الزراعية

كتبت أسماء نصار

لم تعد معركة توفير الغذاء للمصريين مرتبطة فقط بزيادة الإنتاج داخل الحقول والمزارع، وإنما أصبحت سباقًا متكاملًا لزيادة الرقعة المنتجة، ورفع كفاءة الحيوان، وتقليل الفاقد، وتحسين جودة المنتجات، بما يضمن استمرار تدفق الغذاء إلى الأسواق في ظل الزيادة السكانية وارتفاع معدلات الطلب.

ومن هنا تبرز أهمية المشروعات التي نفذتها الدولة خلال السنوات الماضية في قطاعات استصلاح الأراضي والثروة الحيوانية والألبان، والتي لا يمكن قياس نتائجها فقط بعدد الأفدنة التي دخلت الخدمة أو رؤوس الماشية التي استفادت من برامج التطوير، وإنما بما انعكس على المواطن في صورة غذاء أكثر توافرًا، وزيادة الإنتاج المحلي، ودعم الأسواق، وتقليل الاعتماد على الخارج.

لكن لفهم قيمة هذه المشروعات بصورة أكبر، يمكن طرح السؤال المعاكس ماذا كان سيحدث لو لم يتم تنفيذها؟

أراضٍ جديدة تدخل الإنتاج.. ماذا لو توقفت مشروعات الاستصلاح؟

تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في مصر نحو 10.5 مليون فدان، بينما تصل المساحة المحصولية إلى نحو 17.5 مليون فدان نتيجة تعدد العروات الزراعية، وهو ما يعكس حجم الضغط على الموارد الزراعية القائمة لتوفير احتياجات السكان المتزايدة.

وفي هذا السياق، يمثل استصلاح الأراضي الزراعية وإضافة مساحات جديدة إلى الرقعة المنتجة أحد المحاور المهمة لزيادة الإنتاج المحلي، خاصة من المحاصيل الاستراتيجية التي ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي، وعلى رأسها القمح والمحاصيل السكرية وغيرها من الزراعات.

فكل فدان جديد يدخل دائرة الإنتاج لا يمثل مجرد مساحة إضافية، وإنما يضيف قدرة إنتاجية جديدة إلى السوق، ويتيح زراعة محاصيل تسهم في تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

أما في سيناريو عدم استصلاح أراضٍ جديدة، فكانت الضغوط ستزداد على الأراضي القديمة، مع محدودية القدرة على زيادة الإنتاج من الرقعة القائمة وحدها، بينما يستمر الطلب الغذائي في الارتفاع.

وكان البديل الطبيعي في هذه الحالة هو زيادة الاعتماد على الواردات لتغطية جانب أكبر من الاحتياجات، وهو ما يجعل السوق المحلية أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف النقل وسعر الصرف.

وبالتالي، فإن المواطن يستفيد من استصلاح الأراضي ليس فقط عندما يشتري منتجًا محليًا، وإنما أيضًا عندما تتوافر أمام الدولة قاعدة إنتاجية أوسع تساعدها على مواجهة الزيادة في الطلب وتقليل مخاطر الاعتماد الكامل على الخارج.

القمح والسكر.. الأرض الجديدة تعني إنتاجًا إضافيًا

وتكتسب زيادة الرقعة الزراعية أهمية خاصة مع المحاصيل التي تدخل بصورة مباشرة في غذاء المصريين، وفي مقدمتها القمح وقصب وبنجر السكر.

فالقمح يمثل أحد أهم مكونات الأمن الغذائي، وكل زيادة في الإنتاج المحلي تعني تقليل جزء من الاحتياجات التي يتم تدبيرها من الخارج، بينما يرتبط إنتاج السكر أيضًا بتوفير سلعة أساسية تدخل في الاستهلاك اليومي والصناعات الغذائية.

وفي المقابل، فإن عدم التوسع في المساحات المنتجة كان سيعني الاعتماد بصورة أكبر على رفع الإنتاجية داخل الأراضي القائمة أو زيادة الاستيراد، مع ما يترتب على الخيار الثاني من أعباء إضافية مرتبطة بالأسواق العالمية.

ومن هنا، فإن مشروعات الاستصلاح لا تنفصل عن حياة المواطن، فالأرض التي تدخل الإنتاج اليوم هي في النهاية محصول يصل إلى السوق، وسلعة تدخل المنزل، وجزء من الاحتياجات الغذائية التي يتم توفيرها من الإنتاج المحلي.

تحسين السلالات.. إنتاج أكبر من الحيوان نفسه

ولا تتوقف معركة زيادة الغذاء عند التوسع في الأراضي، فالثروة الحيوانية تمثل قطاعًا رئيسيًا في منظومة الأمن الغذائي، ولذلك اتجهت الدولة إلى تنفيذ برامج لتحسين السلالات ورفع الكفاءة الإنتاجية للحيوانات.

والفكرة الأساسية هنا لا تقوم فقط على زيادة أعداد الحيوانات، وإنما على رفع إنتاجية الرأس الواحدة، سواء من اللحوم أو الألبان، بما يسمح بزيادة الإنتاج مع تحسين كفاءة استخدام الأعلاف والمياه والرعاية.

وتظهر أهمية هذه البرامج بصورة أكبر عند طرح السؤال ماذا لو لم يتم تنفيذ مشروعات التحسين الوراثي؟

في هذه الحالة، كان تحقيق زيادة كبيرة في الإنتاج سيتطلب بدرجة أكبر زيادة أعداد الحيوانات، وهو ما يعني احتياجات إضافية من الأعلاف والمياه والرعاية البيطرية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التربية والإنتاج.

أما تحسين السلالات، فيستهدف الوصول إلى حيوان أكثر كفاءة وإنتاجية، وهو ما يعود بالنفع على المربي من خلال تحسين العائد، وعلى السوق من خلال زيادة المعروض، وعلى المواطن من خلال دعم توافر اللحوم والألبان.

11.5 مليار جنيه لإحياء البتلو.. دعم الإنتاج من داخل المزرعة

وفي إطار دعم الثروة الحيوانية، وصلت مخصصات مشروع إحياء البتلو إلى نحو 11.5 مليار جنيه، واستفاد المشروع من تمويل ساهم في توفير احتياجات المربين ودعم زيادة أعداد رؤوس الماشية المنتجة، مع وصول المستفيدين إلى نحو 543 ألف رأس ماشية وفق الأرقام التي أعلنتها وزارة الزراعة.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من أن المشروع لا يستهدف مجرد زيادة أعداد الحيوانات، وإنما دعم صغار المربين وتحويل التربية إلى نشاط إنتاجي أكثر كفاءة.

ولو لم يتم دعم هذه المنظومة، لواجه صغار المربين صعوبات أكبر في توفير التمويل اللازم، وهو ما كان يمكن أن ينعكس على قدرتهم على الاحتفاظ بالثروة الحيوانية وتنميتها، وبالتالي على حجم المعروض المحلي من اللحوم.

وبالنسبة للمواطن، فإن دعم المربي في الحلقة الأولى من الإنتاج يمثل في النهاية دعمًا للسوق في الحلقة الأخيرة؛ فزيادة القدرة الإنتاجية المحلية تعني قاعدة أكبر لتوفير اللحوم بدلًا من الاعتماد على الاستيراد وحده.

7 ملايين طن ألبان.. ماذا لو ظلت المنظومة دون تطوير؟

وفي قطاع الألبان، تنتج مصر نحو 7 ملايين طن من الألبان، وهو رقم يعكس حجم هذا القطاع وأهميته بالنسبة للغذاء والصناعات المرتبطة به.

لكن إنتاج اللبن وحده لا يكفي، فطريقة جمعه ونقله وحفظه تمثل جزءًا أساسيًا من جودة المنتج النهائي.

وهنا ظهرت أهمية تطوير مراكز تجميع الألبان، والتي بلغ عددها نحو 305 مراكز، لتوفير منظومة أكثر تنظيمًا في التعامل مع اللبن، خاصة المنتج لدى صغار المربين.

هذه المراكز تمثل حلقة بين المزرعة والمصنع والسوق، وتساعد على تجميع اللبن والتعامل معه بصورة أفضل، بما يرفع كفاءة التداول ويحسن فرص الحفاظ على الجودة ويحد من الفاقد.

وماذا لو لم يتم تطوير منظومة تجميع الألبان؟

كان جزء من الإنتاج سيظل عرضة لمشكلات التداول غير المنظم، بما قد يؤدي إلى زيادة الفاقد أو تراجع الجودة، كما كان سيصبح وصول صغار المنتجين إلى قنوات التسويق المنظمة أكثر صعوبة.

وبالتالي، فإن المواطن يستفيد من هذه المنظومة حتى لو لم يعرف اسم مركز التجميع الذي مر به اللبن؛ لأنه في النهاية يحصل على منتج يمر بمراحل أكثر تنظيمًا قبل وصوله إلى الأسواق.

من الحقول إلى مائدة المواطنين

تكشف هذه المشروعات أن الأمن الغذائي لا يعتمد على خطوة منفردة، وإنما على سلسلة مترابطة تبدأ من الأرض وتنتهي على مائدة المواطن.

فاستصلاح الأراضي يضيف قاعدة إنتاج جديدة، وتحسين السلالات يرفع إنتاجية الثروة الحيوانية، ومشروع إحياء البتلو يدعم المربين، بينما تساعد مراكز تجميع الألبان على تنظيم أحد أهم مسارات الإنتاج الحيواني.

وفي حال غياب أي حلقة من هذه الحلقات، فإن الضغط كان سينتقل إلى حلقة أخرى، فإذا لم تزد مساحة الإنتاج، ارتفعت الحاجة إلى الاستيراد، وإذا لم تتحسن إنتاجية الحيوان، زادت الحاجة إلى أعداد أكبر من الرؤوس، وإذا لم يتم تنظيم تجميع الألبان، ارتفعت احتمالات الفاقد وتراجع الجودة.

ماذا كان سيحدث للمواطن؟

الإجابة الأكثر وضوحًا على سؤال «ماذا لو لم تنفذ هذه المشروعات؟ تظهر في ثلاثة ملفات رئيسية الإنتاج، والأسعار، والاستيراد.

فانخفاض القدرة على زيادة الإنتاج المحلي كان سيعني ضغطًا أكبر على المعروض، بينما كان الاعتماد على الاستيراد سيصبح أكبر لتغطية الفجوات، وهو ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تغيرات خارجية.

وفي المقابل، فإن زيادة الإنتاج المحلي تمنح الدولة والمواطن قدرًا أكبر من الأمان، حتى وإن لم تؤدِ وحدها إلى انخفاض أسعار كل السلع بصورة مباشرة، لأنها توسع قاعدة المعروض وتدعم قدرة السوق على مواجهة الطلب.

كما أن هذه المشروعات لم تستهدف المواطن كمستهلك فقط، وإنما كمشارك في المنظومة الاقتصادية أيضًا، من خلال دعم المزارعين والمربين وخلق أنشطة مرتبطة بالإنتاج الزراعي والحيواني والتصنيع والتسويق.

الأمن الغذائي.. الاستثمار الذي يظهر وقت الأزمات

وتتجاوز أهمية هذه المشروعات نتائجها اليومية إلى قدرتها على التعامل مع الأزمات والمتغيرات العالمية.

فالأزمات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الاعتماد الكبير على الخارج في الغذاء يمكن أن يتحول إلى تحدٍ حقيقي عندما ترتفع الأسعار العالمية أو تتأثر سلاسل الإمداد.

ولهذا فإن زيادة الإنتاج المحلي وتوسيع قاعدة الأراضي الزراعية ورفع كفاءة الثروة الحيوانية وتحسين تداول الألبان ليست مشروعات منفصلة، وإنما جزء من بناء قدرة إنتاجية تساعد الدولة على مواجهة المستقبل.

وفي النهاية، فإن السؤال «ماذا لو لم يتم تنفيذ هذه المشروعات؟ يكشف جانبًا آخر من الصورة، فالمواطن قد لا يرى بشكل مباشر الأرض التي تم استصلاحها، أو برنامج التحسين الوراثي، أو مركز تجميع الألبان، لكنه يرى النتيجة في السوق.

كل فدان جديد يعني قدرة إنتاجية إضافية، وكل حيوان أكثر إنتاجية يعني لحومًا وألبانًا أكثر، وكل مركز تجميع متطور يعني منتجًا أكثر تنظيمًا وجودة.

وهكذا يتحول الاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية من أرقام ومشروعات على الورق إلى منظومة تمس احتياجات المواطن الأساسية، وتدعم قدرة الدولة على توفير الغذاء محليًا، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الخارج.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة