تتحول فنزويلا إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع الجيوسياسي على الطاقة والنفوذ في أمريكا اللاتينية، مع تحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تشكيل قطاع النفط في البلاد وتعزيز حضور واشنطن داخل دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، في خطوة تتجاوز الحسابات الاقتصادية لتلامس مباشرة مصالح الصين وروسيا ونفوذهما المتراكم في المنطقة.
وتضع الإدارة الأمريكية النفط الفنزويلي في قلب استراتيجية أوسع لإعادة رسم خريطة الطاقة في نصف الكرة الغربي، مستفيدة من ضخامة الاحتياطيات التي تقدر بأكثر من 65 مليار برميل. وفي سبتمبر، أعلنت واشنطن اتفاقًا وصفه ترامب بأنه «أكبر صفقة نفطية في التاريخ»، يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على هذه الاحتياطيات من خلال شراكة مع شركة «نورث أمريكان بلو إنرجي بارتنرز» الخاصة.
65 مليار برميل في قلب المعركة
ولا تقتصر الصفقة على الاحتياطيات النفطية، بل تشمل نحو 17 حقلًا نفطيًا، من بينها حقول كانت مرتبطة في السابق بشركات ذات نفوذ صيني وروسي، ما يمنح التحرك الأمريكي بعدًا جيوسياسيًا واضحًا.
وتنظر واشنطن إلى فنزويلا باعتبارها نقطة استراتيجية يمكن من خلالها تقليص اعتماد المنطقة على القوى المنافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا. فالسيطرة على جزء كبير من قطاع الطاقة الفنزويلي تعني بالنسبة للولايات المتحدة تعزيز قدرتها على الوصول إلى مصادر نفط ضخمة تقع في محيطها الجغرافي، إلى جانب الحد من قدرة بكين وموسكو على استخدام الاستثمارات والطاقة كأدوات نفوذ سياسي واقتصادي.
ويربط البيت الأبيض التحرك الأمريكي بإحياء ما يعرف بـ«عقيدة مونرو»، التي تقوم على اعتبار أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مجالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية للأمن والمصالح الأمريكية، ومن هذا المنظور، لا تبدو فنزويلا مجرد دولة غنية بالنفط، وإنما ساحة رئيسية لاختبار قدرة واشنطن على استعادة نفوذها في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية توسعًا ملحوظًا للدورين الصيني والروسي.
واشنطن تعود إلى قطاع الطاقة
وتدعم الولايات المتحدة خطتها النفطية بتحركات استثمارية أوسع، إذ أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية اتفاقات مع شركات كبرى، من بينها «شيفرون» و«إيني» و«جنرال إلكتريك فيرنوفا»، بهدف زيادة إنتاج النفط وتطوير البنية التحتية للطاقة وتحديث شبكة الكهرباء في فنزويلا.
وتحاول واشنطن من خلال هذه الخطوات الجمع بين الاستثمار الاقتصادي والأهداف الاستراتيجية. فإعادة تشغيل القطاع النفطي الفنزويلي، الذي تعرض لسنوات من التراجع ونقص الاستثمارات والمشكلات التشغيلية، يمكن أن تفتح الباب أمام زيادة الإنتاج وتوفير كميات إضافية من الخام للأسواق، لكنها في الوقت نفسه تمنح الشركات الأمريكية موطئ قدم طويل الأمد داخل واحد من أكبر مخازن الطاقة في العالم.
ومع ذلك، فإن إعادة بناء الصناعة النفطية الفنزويلية لن تكون مهمة سهلة أو سريعة. فالقطاع يحتاج إلى استثمارات ضخمة وتحديث للبنية التحتية وإعادة تأهيل للمنشآت ووقت طويل لاستعادة مستويات إنتاج مرتفعة. ولذلك تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الاتفاقات الجديدة على تحويل الاحتياطيات الهائلة إلى إنتاج فعلي في فترة زمنية قصيرة.
الصين وروسيا أمام اختبار جديد
في المقابل، يمثل التوسع الأمريكي المحتمل في فنزويلا تحديًا لنفوذ الصين وروسيا، اللتين نجحتا خلال السنوات الماضية في بناء علاقات اقتصادية وسياسية قوية مع كاراكاس.
وتعد الصين من أبرز الشركاء الاقتصاديين لفنزويلا، كما ارتبطت مصالحها بالقطاع النفطي من خلال الاستثمارات والعقود وتبادل الطاقة. أما روسيا، فقد عززت حضورها في فنزويلا عبر التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، إضافة إلى ارتباط شركات روسية بقطاع النفط الفنزويلي.
وبالتالي، فإن انتقال حقول كانت مرتبطة سابقًا بشركات صينية أو روسية إلى ترتيبات يغلب عليها الحضور الأمريكي قد يعيد توزيع النفوذ داخل قطاع الطاقة الفنزويلي، ويضع بكين وموسكو أمام واقع جديد في واحدة من أهم دول أمريكا اللاتينية.
ولا يتعلق الأمر بالنفط فقط، إذ تتجه واشنطن إلى توسيع نطاق اهتمامها بالموارد الطبيعية الفنزويلية ليشمل الثروات المعدنية، وفي مقدمتها الذهب. وتسعى الإدارة الأمريكية إلى الوصول إلى مزيد من هذه الموارد ضمن استراتيجية أوسع لتأمين سلاسل الإمداد وتقليل اعتماد الولايات المتحدة على الصين في المواد الخام الاستراتيجية.
النفط يتحول إلى ورقة جيوسياسية
وتكشف التحركات الأمريكية أن النفط الفنزويلي لم يعد مجرد ملف اقتصادي أو مصدر محتمل للإيرادات، بل أصبح ورقة رئيسية في معركة النفوذ داخل أمريكا اللاتينية.
فبالنسبة لواشنطن، يمكن أن يمثل القطاع النفطي الفنزويلي مصدرًا مهمًا للطاقة والاستثمار، وفي الوقت نفسه أداة لتعزيز الوجود الأمريكي في منطقة تعتبرها الإدارة جزءًا أساسيًا من أمنها الاستراتيجي.
أما الصين وروسيا، فإن الحفاظ على موطئ قدم داخل فنزويلا يعني بالنسبة لهما حماية مصالح اقتصادية وسياسية مهمة، ومنع الولايات المتحدة من احتكار النفوذ في دولة تقع في قلب منطقة استراتيجية.
لكن الخطة الأمريكية تواجه كذلك انتقادات وتساؤلات تتعلق بقانونيتها واستدامتها، وسط مخاوف من أن يتحول النفط الفنزويلي إلى أداة جديدة للصراع الجيوسياسي بدلًا من أن يكون محركًا لإعادة بناء الاقتصاد المحلي.
وفي النهاية، تبدو فنزويلا أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الطاقة مع السياسة والأمن والاستثمار والثروات المعدنية. فواشنطن تسعى إلى إعادة تثبيت نفوذها في أمريكا اللاتينية، بينما تحاول بكين وموسكو الحفاظ على مكاسبهما التي راكماها خلال السنوات الماضية، لتتحول حقول النفط الفنزويلية إلى واحدة من أبرز ساحات المنافسة على الموارد والنفوذ في العالم.