ربما من يقرأ العنوان للوهلة الأولى يعتبر أنه شيء من المجاملة التي قد تصدر عن مُحب تجاه نجمه المفضل، أو توصيف لا يخلو من المبالغة التي يلجأ إليها الجمهور حين يضع نجمه على عتبة السماء. لكن الحديث عن خالد النبوي، في تقديري، لا يحتاج إلى كل هذا؛ بقدر ما يحتاج إلى التأمل والبحث والتدقيق في مسيرة نجم استطاع، على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، أن يحافظ على مكانته، وأن يظل حاضرًا بين نجوم الفن السابع، منذ بداياته في مطلع التسعينيات وحتى اليوم.
فمنذ نشأة فن التمثيل بشكله الحديث والمعاصر في مصر، في منتصف القرن التاسع عشر، ظل هناك فنانون قلائل تركوا بصمة خاصة في فن التشخيص، واستطاعوا أن يبتكروا لأنفسهم مساحات ومستويات مختلفة في الأداء، حتى أصبح لكل منهم مدرسته الخاصة وأسلوبه الذي يصعب أن يختلط بغيره. وفي أجيال سابقة، يمكن أن نتذكر محمود مرسي ومحمود المليجي، ومن بعدهما أحمد زكي؛ فهؤلاء لم يلجأوا إلى تكرار الأدوار، أو استثمار نجاح شخصية بعينها في إعادة إنتاجها مرة أخرى، وإنما ظل كل دور بالنسبة إليهم فرصة لاكتشاف مساحة جديدة في الممثل نفسه.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى خالد النبوي؛ فصاحب «المهاجر» لا تكاد تجد له دورًا يشبه آخر، ولا شخصية درامية يمكن أن تضعها بسهولة إلى جوار شخصية أخرى من أعماله التي قدمها مسبقًا. وكأن خالد النبوي، في كل مرة يدخل فيها إلى عمل جديد، لا يحاول فقط أن يقدم شخصًا آخر، وإنما يحاول أيضًا أن يبتعد خطوة عن خالد النبوي نفسه الذي عرفناه في العمل السابق، ويقترب خطوة من مناطق لم يقدمها من قبل، ومن شخصيات جديدة، وكأنه في كل مرة لا يتحدى أحدًا إلا نفسه.
فمن «رام» في «المهاجر»، إلى ولي العهد في «المصير»، مرورًا بداود باشا في «حديث الصباح والمساء»، وطومان باي في «ممالك النار»، وصولًا إلى بليغ أبو الهنا في «راجعين يا هوى»، والإمام الشافعي في «رسالة الإمام»، وأخيرًا سبيل في «أهل الكهف»؛ كان كل دور من هذه الأدوار مساحة جديدة للتجريب، وخطوة ينطلق منها نحو تحقيق فلسفته الخاصة في التمثيل.
والطريف أن خالد النبوي، على الرغم من عمله في بداية مسيرته مع نجوم كبار، مثل الأستاذ الكبير نور الشريف، لم يقع في فخ التقليد، ولا حتى في فخ التأثر المباشر. بالتأكيد استفاد من تلك التجارب، وهو ما يمكن أن نلمسه في اختياراته فيما بعد، لكنه في النهاية لم يشبه أحدًا ممن سبقوه، ولم يجعل من أي تجربة ناجحة قالبًا يعيد إنتاج نفسه داخله.
حتى الأدوار التي شكلت طفرة في مسيرته، وحققت له نقلة نوعية في عالم السينما، مثل شخصية علي الحلواني في «الديلر»، لم يحاول أن يعيد تقديمها بشكل منفصل، أو أن يقترب مرة أخرى من عالمها، رغم أن الشخصية نفسها أصبحت، بما لها من لهجة وحركة ومفردات، ملهمة لعدد من نجوم الجيل اللاحق.
ففي «الديلر» كان علي الحلواني يردد: «أي راجل هيقرب من البيت ده هيزعل عشان الست دي هتبقى أم ابني»، وهي الجملة التي تكررت لاحقًا، بمعانٍ وصيغ مختلفة، على ألسنة فنانين آخرين، كما استعادت بعض الشخصيات شيئًا من لهجته وحركته ومفرداته. هكذا ترك خالد النبوي شخصية علي الحلواني خلفه، بينما سار آخرون في المساحة التي فتحها.
وهنا تكمن المفارقة؛ أن الدور الذي كان يمكن أن يتحول إلى قيد، اختار صاحبه أن يتركه خلفه. فلم يحاول خالد النبوي أن يصبح «علي الحلواني» مرة أخرى، وإنما ترك الشخصية تعيش وحدها، كأنها علامة وضعها في الطريق، ثم مضى يبحث عن طريق آخر.
شيء آخر لافت في نهج خالد النبوي التمثيلي، هو أنه لا يرتبط بمنهج واحد، ولا يقف عند مدرسة فنية بعينها، وإنما يبدو منفتحًا على مختلف الاتجاهات والتيارات الإبداعية، وكأن التجريب بالنسبة إليه لا يبدأ من الشخصية فقط، وإنما يمتد إلى الطريقة التي يقترب بها منها.
ورغم أنه كان في أغلب أدواره أقرب إلى نهج التقمص وفقًا لمنهج ستانسلافسكي، الذي يقوم على اندماج الممثل في الشخصية والبحث في دوافعها وظروفها الداخلية، حتى تبدو الشخصية وكأنها تنمو من داخل الممثل لا من خارجه، فإنه لم يقف عند حدود هذا النهج، ولم يجعل منه قانونًا ثابتًا في تعامله مع الشخصيات.
فنجده في بعض تجاربه، يقترب من مساحة يمكن أن نلمس فيها أثر «التغريب» البريشتي؛ فلا يذوب تمامًا داخل الشخصية، وإنما يحتفظ بمسافة منها، تجعله قادرًا على مراقبتها بقدر ما يعيشها، وعلى تقديمها للمتفرج دون أن يدفعه إلى الاستسلام الكامل لانفعالاتها. وكأن النبوي هنا لا يكتفي بأن يكون داخل الشخصية، وإنما يظل واقفًا على مسافة منها، يراها ويعيد تشكيلها في الوقت نفسه، فيصبح الأداء عنده قائمًا على الموازنة بين أن يعيش الشخصية وأن يترك للمتفرج مساحة ليراها ويفكر فيها.
وبين الاندماج والمسافة، وبين أن يسكن الممثل الشخصية أو أن يترك لنفسه مساحة ينظر منها إليها، يتحرك خالد النبوي في تجاربه المختلفة. لذلك يصعب أن تضعه نهائيًا تحت راية مدرسة واحدة، أو أن تقول إن هذا هو المنهج الذي اختاره لنفسه. وربما تكون هذه المساحة تحديدًا هي ما يعبّر عن خالد النبوي أكثر من أي تصنيف؛ ممثل لا يتعامل مع المنهج باعتباره قيدًا، وإنما باعتباره أداة أخرى في صندوق تجاربه، ينتقل بينها بقدر ما تتطلب الشخصية، وبقدر ما يفتح له كل دور بابًا جديدًا إلى عالم لم يدخله من قبل.
في النهاية، يبقى القول إن خالد النبوي، الذي أتم اليوم عقده السادس من عمره، لا يزال يحتفظ بوهج الشباب وألق البدايات؛ وكأن السنوات، بدلًا من أن تدفعه إلى الاستقرار في منطقة آمنة، منحته مزيدًا من الرغبة في البحث والمغامرة والاقتراب من شخصيات وعوالم جديدة. فهو فنان لا ينظر إلى نفسه باعتباره ممثلًا يؤدي أدوارًا فحسب، وإنما باعتباره إحدى قوى مصر الناعمة، ويحرص على أن يظل حاضرًا في المشهد بما يضيفه، لا بما يكرره. يراهن على أن يكون لكل اختيار أثره، وأن تفتح أدواره، بما تحمله من تنوع، مساحات للتفكير في التاريخ والمجتمع والهوية.
وربما لهذا كله، يظل خالد النبوي، بعد ستين عامًا من العمر وأكثر من ثلاثين عامًا من التجربة، واحدًا من الفنانين الذين لا تكمن أهميتهم فقط في عدد الأدوار التي قدموها، وإنما في قدرتهم على أن يجعلوا كل دور بداية جديدة. فكلما ظننا أننا عرفناه، ذهب إلى منطقة أخرى، ليؤكد مرة أخرى أنه لا يشبه أحدًا.. حتى نفسه.