أعلنت شركة OpenAI تحقيق تقدم وصفته بأنه أحد أكبر الاختراقات في مجال الذكاء الاصطناعي والرياضيات، بعدما قالت إن نموذجًا جديدًا غير معلن عنه تمكن من حل مسألة Navier-Stokes، وهي واحدة من أصعب المسائل الرياضية التي ظلت دون حل منذ عام 2000، إلا أن الإعلان سرعان ما تحول إلى جدل، بعدما ألمح عالم رياضيات إلى احتمال استفادة النموذج من بيانات مرتبطة بأبحاثه.
قالت OpenAI إن النموذج الجديد أكثر قدرة في الرياضيات من نموذج GPT-6 Astra، واستعانت الشركة بما يصل إلى 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي عملوا معًا لمدة 88 ساعة، واستخدموا مليارات الرموز للوصول إلى النتيجة.
ما هي مسألة Navier-Stokes؟
تعود معادلات Navier-Stokes إلى القرن التاسع عشر، وقد وضعها العالمان كلود-لويس نافير وجورج غابرييل ستوكس لوصف حركة السوائل والغازات، وتدخل هذه المعادلات في مجالات متعددة، من بينها تصميم الطائرات، والتنبؤ بالطقس، ودراسة تدفق الدم.
وتتمحور المسألة الرياضية حول معرفة ما إذا كانت الحلول الملساء لمعادلات حركة السوائل ثلاثية الأبعاد تظل ملساء دائمًا، أم يمكن أن تصل إلى حالة انهيار أو تفرد خلال فترة زمنية محدودة، وقالت OpenAI إن البرهان الذي توصل إليه نموذجها يشير إلى إمكانية تطور سائل بدأ في حالة ملساء إلى حالة تفرد خلال وقت محدود.
10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي لحل المسألة
كشفت OpenAI أن النموذج بدأ العمل على المسألة في الأول من سبتمبر، بعدما كانت الشركة تتابع المنافسة المتزايدة بين مختبرات الذكاء الاصطناعي لحل مسائل رياضية بالغة الصعوبة، وبحسب الشركة، لم تكن تتوقع أن يتمكن النموذج من حل أي من المسائل التي اختبرتها، لكن بعد نحو 50 ساعة حقق تقدمًا كبيرًا في مسألة مرتبطة بـNavier-Stokes، ما دفع الباحثين إلى تركيز المزيد من القدرة الحاسوبية عليها.
وزادت الشركة عدد وكلاء الذكاء الاصطناعي المشاركين من نحو 100 إلى 10 آلاف وكيل، وبلغ عدد الرسائل المتبادلة بينهم نحو 2.7 مليون رسالة، بينما وصل إجمالي الرموز الناتجة إلى نحو 130 مليار رمز، وقالت OpenAI إن العمل استغرق 88 ساعة، وإن النتيجة اكتملت يوم السبت، ثم جرى التحقق منها حاسوبيًا في اليوم التالي، مع إنفاق ملايين الدولارات على الموارد الحاسوبية.
جدل حول استخدام أبحاث رياضيين
ورغم أهمية الإعلان، ظهرت سريعًا تساؤلات حول كيفية وصول النموذج إلى الحل، بعدما أثار تريستان باكماستر، أستاذ الرياضيات في جامعة نيويورك، مخاوف بشأن احتمال استخدام أعماله البحثية مع عالم الرياضيات ليفنت ألبوج، الباحث في Anthropic، وأشار باكماستر إلى وجود تشابه بين الطريقة التي تحدثت بها OpenAI عن الوصول إلى النتيجة وبين عمل كان يجريه مع ألبوج باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي Codex وClaude، وأثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت جلسات العمل أو البيانات المرتبطة بأبحاثهما قد استخدمت في تدريب النموذج أو تحسينه.
OpenAI ترد على الاتهامات
ردت OpenAI على هذه المخاوف، مؤكدة أن الباحثين والوكلاء المشاركين في المشروع لم يطلعوا على أعمال باكماستر وألبوج قبل نشرها علنًا، وأنه لم يتم الوصول إلى بيانات المستخدمين المحددة لحل المسألة، لكن الشركة أشارت في الوقت نفسه إلى أنها لا تستطيع استبعاد احتمال أن تكون بيانات مجهولة الهوية ناتجة عن استخدام منتجاتها قد ساهمت في تحسين نماذجها، وإن كانت ترى أن هذا الاحتمال غير مرجح.
هل حُلّت واحدة من مسائل الألفية؟
تُعد مسألة Navier-Stokes واحدة من سبع مسائل رياضية أطلق عليها معهد كلاي للرياضيات اسم “مسائل الألفية” عام 2000، ووُضعت جائزة قدرها مليون دولار لكل مسألة يتم حلها بشكل صحيح، وحتى الآن، كانت حدسية بوانكاريه هي المسألة الوحيدة من هذه المجموعة التي تم حلها، على يد عالم الرياضيات غريغوري بيرلمان، الذي رفض لاحقًا الحصول على قيمة الجائزة.
وفي حال تأكدت صحة برهان OpenAI من جانب علماء الرياضيات، فسيكون ذلك ثاني حل لمسألة من مسائل الألفية، وأول مرة يتم فيها حل واحدة منها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، أوضحت OpenAI أنها لا تعتزم المطالبة بجائزة المليون دولار، مؤكدة أن الهدف من نشر النتيجة هو إظهار التطور الكبير الذي وصلت إليه نماذج الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي.
الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة في البحث العلمي
يمثل إعلان OpenAI مؤشرًا جديدًا على التطور المتسارع لقدرات نماذج الذكاء الاصطناعي في التعامل مع المسائل العلمية والرياضية المعقدة، بعدما انتقلت من تنفيذ المهام الحسابية والبرمجية إلى محاولة إنتاج حلول لمشكلات ظلت محل بحث لعقود.
لكن الجدل المصاحب للإنجاز يسلط الضوء أيضًا على أهمية التحقق المستقل من مثل هذه الادعاءات، والتأكد من مصادر البيانات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، قبل اعتبار أي نتيجة إنجازًا علميًا نهائيًا.