خرافات الإخوان.. كيف صاغ التنظيم عقلا جمعيا ينتظر المعجزات؟.. باحث فى شؤون الحركات المتطرفة يكشف ادعاءات الجماعة لاحترام العقل بينما غذت أتباعها بحكايات الكرامات والخوارق وانتظار التدخل الغيبى لتحقيق الانتصار

السبت، 12 سبتمبر 2026 10:00 ص
خرافات الإخوان.. كيف صاغ التنظيم عقلا جمعيا ينتظر المعجزات؟.. باحث فى شؤون الحركات المتطرفة يكشف ادعاءات الجماعة لاحترام العقل بينما غذت أتباعها بحكايات الكرامات والخوارق وانتظار التدخل الغيبى لتحقيق الانتصار جماعة الإخوان الإرهابية

كتبت: منة الله حمدى

لطالما قدمت جماعة الإخوان الإرهابية نفسها باعتبارها واحدة من أكثر الحركات الإسلامية احترامًا للعقل والمنطق، وحرصت في خطابها على انتقاد ما وصفته بـ"الخرافات الصوفية"، إلا أن مراجعة جانب من أدبياتها وحكاياتها المتداولة بين أعضائها تكشف عن مفارقة واضحة بين الخطاب المعلن والممارسات التي أسهمت، على مدار سنوات، في تشكيل عقل جمعي يتقبل الروايات الخارقة للعادة، ويربط أحيانًا بين الانتصار السياسي والتأييد الغيبي.


ويظهر هذا التناقض بصورة أكثر وضوحًا خلال الأزمات، حين لجأ بعض المنتمين إلى الجماعة إلى تفسيرات غيبية للأحداث، ومن بينها مقولة ترددت بين عناصر الإخوان عقب سقوط حكم الجماعة، مفادها أن من "ولّاه" الله سيتولاه، في إشارة إلى اعتقاد بأن وصول الجماعة إلى الحكم كان بتدبير إلهي مباشر، وبالتالي فإن الدفاع عنها والانتصار لها سيكونان أمرًا إلهيًا أيضًا.

 

ويرى الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق أبو السعد أن "هناك فارقًا بين العقل الفردي لعضو الإخوان وبين العقل الجمعي للتنظيم، فقد يكون الفرد بطبيعته مثقفًا وعقلانيًا، لكن التنظيم عندما يصنع منظومة مغلقة من الأفكار والحكايات والتأويلات، فإنه ينتج في النهاية عقلًا جمعيًا له آليات مختلفة في تفسير الواقع".

 

تربية تنظيمية على تقبل الخوارق
 

ويضيف أبو السعد، أن أحد أهم أدوات بناء الشخصية التنظيمية داخل جماعة الإخوان هو تقديم نماذج قيادية باعتبارها صاحبة تأييد خاص، سواء من خلال الأحلام أو ما يسمى بالكرامات أو الحكايات التي تنتقل شفهيًا بين الأجيال، وهو ما يجعل العضو أكثر استعدادًا لتقبل تفسير الأحداث باعتبارها نتاجًا لتدخلات غيبية".


وتظهر إحدى أبرز هذه الروايات في كتاب "الإخوان.. أحداث صنعت التاريخ" لمحمود عبد الحليم، الذي نقل قصة عن حسن البنا مؤسس الجماعة، مفادها أنه كان منشغلًا بالعمل في محل بقالة ولم يجد الوقت الكافي للاستذكار قبل أحد الامتحانات، فشكا إلى الله، ثم رأى في المنام رجلًا أعطاه الكتاب الذي سيمتحن فيه، وفتح له صفحات محددة وأرشده إلى فقرات بعينها، ليستيقظ في الصباح وقد حفظ تلك المواضع، ثم جاءت أسئلة الامتحان، وفق الرواية، مطابقة لما رآه في المنام، وانتهت النتيجة بحصوله على المركز الأول.


وبغض النظر عن تقييم الرواية من الناحية الدينية أو التاريخية، فإن تكرارها داخل البيئة التنظيمية يؤدي كما أبو السعد، إلى "ترسيخ صورة القائد الذي تحيط به العناية الإلهية، ويصبح النجاح الذي يحققه امتدادًا لهذا التأييد، وهو ما يمكن أن يتحول من مجرد قصة شخصية إلى أداة لبناء الثقة المطلقة في القيادة".

 

من الأحلام إلى "الكرامات"

واكد الباحث في شؤون الحركات والجماعات المتطرفة، أنه لا تتوقف الروايات المتداولة داخل البيئة الإخوانية عند الأحلام، وإنما تمتد إلى قصص أخرى تتحدث عن قدرات خارقة نسبت إلى حسن البنا. مضيفا، من أبرزها قصة يرددها بعض المنتمين إلى الجماعة بشأن تدريبات الإخوان استعدادًا لحرب فلسطين عام 1948، حيث تروي الحكاية أن مجموعة من المتدربين ضلت طريقها أثناء وجودها في أحد الجبال، قبل أن تسمع صوت حسن البنا يرشدها إلى الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه حتى وصلت إلى طريق السكة الحديدية.


ويزيد من القصة بيتا أن قائد المجموعة توجه بعد ذلك إلى منزل حسن البنا، فما إن فتح له الباب حتى سأله: "هل عرفتم الطريق؟"، الأمر الذي اعتبره أصحاب القصة دليلًا على قدرة استثنائية لدى مؤسس الجماعة. مضيفا أن خالد أبو شادي أشار في حديث داخل ملتقى إخواني، إلى أنه سمع القصة من أحمد سيف الإسلام حسن البنا، الذي نقلها بدوره عن أحد أصحاب الواقعة.

 

ويقول طارق أبو السعد، إن هذه النوعية من الروايات لا تكمن خطورتها في غرابتها فقط، وإنما في الوظيفة التي تؤديها داخل التنظيم؛ فحين يقتنع العضو بأن القائد يمتلك نوعًا من المعرفة أو التأييد غير المعتاد، يصبح أكثر استعدادًا لتصديق توجيهاته وتنفيذها دون مناقشة.

 

وتبرز هنا مفارقة أخرى، كما اكد" أبو السعد"، تتمثل في التساؤل عن حدود تلك القدرة المزعومة، خاصة أن تاريخ الجماعة شهد وقائع أمنية وقضايا تم خلالها ضبط أعضاء أثناء تدريبات سرية، وهو ما يطرح سؤالًا منطقيًا حول سبب عدم تحذيرهم مسبقًا إذا كانت تلك القدرات الخارقة ثابتة بالفعل.


ويرى أبو السعد أن "الاستناد إلى مثل هذه الحكايات يمثل محاولة لإضفاء هالة استثنائية على القيادة، وهي آلية معروفة في التنظيمات المغلقة التي تحتاج إلى صناعة رموز لا تخضع صورتها بسهولة للنقد أو المراجعة".

 

"إلهام من الله" داخل سجن القلعة

ومن الروايات الأخرى التي تداولتها أدبيات الإخوان قصة عن عضو بالجماعة يدعى مصطفى المغير، قال إنه أثناء التحقيق معه في سجن القلعة في أحداث عام 1965، وضع داخل خزانة وسمع، من داخلها، حديث ضابط مع أحد الإخوان عن شخص يدعى سيد شريف.


وتروي القصة أن المغير استفاد مما سمعه أثناء وجوده داخل الخزانة، ثم التقى بعد سنوات بسيد شريف داخل السجن وأخبره بما حدث، ليجيبه شريف بأنه لم يذهب إلى سجن القلعة أصلًا ولم يجر التحقيق معه هناك، ومن ثم خلص صاحب الرواية إلى أن ما سمعه كان "إلهامًا من الله".


ويؤكد أبو السعد أن "المشكلة هنا ليست في الإيمان بالغيب باعتباره جزءًا من العقيدة الدينية، وإنما في تحويل روايات غير موثقة إلى وقائع يُبنى عليها تصور تنظيمي عن طبيعة القيادة والأعضاء، ثم استخدامها لتفسير أحداث لا يجد التنظيم تفسيرًا ماديًا لها".

 

من الكرامات إلى "إخوان من الجن"

وتصل الروايات المتداولة شفهيًا داخل بعض دوائر الجماعة إلى مستوى أكثر غرابة، من خلال حكايات عن التواصل مع الجن.


ومن بين تلك الروايات ما ينسب إلى أحد المربين من الرعيل الأول للجماعة، علي نويتو، حيث تروي الحكايات الشفهية أنه كان أثناء بعض اللقاءات التنظيمية يصمت فجأة، وتتغير ملامح وجهه، ثم يتحدث وكأنه يخاطب أشخاصًا غير موجودين، قبل أن يطلب من الحاضرين ترك مساحة خالية في المجلس، مدعيًا أنها مخصصة لـ"إخوان من الجن"، بل وتذهب الرواية إلى الحديث عن وجود مسؤول أو أمير لهؤلاء الجن.

 

ويؤكد أبو السعد قائلًا: "هذه الحكايات، سواء كانت صحيحة أو مبالغًا فيها أو مجرد روايات شفوية، تكشف عن البيئة الذهنية التي يمكن أن تنتشر داخل التنظيم عندما تغيب آليات التحقق والنقد، ويصبح النقل عن القيادات أو المربين كافيًا لتحويل الرواية إلى حقيقة متداولة".
 

العقل الجمعي.. من تفسير الواقع إلى انتظار المعجزة

ويؤكد الباحث أن "التنظيمات العقائدية المغلقة لا تكتفي بتقديم أفكار سياسية لأعضائها، وإنما تعمل على بناء منظومة تفسير كاملة للواقع، تحدد لهم كيف يفكرون، وكيف يفسرون النجاح والفشل، وكيف ينظرون إلى القيادة والخصوم والأحداث".


ويضيف: "في حالة الإخوان، أنت أمام منظومة تربوية طويلة المدى، تبدأ بتعظيم الجماعة والقيادة، ثم قبول الروايات التي تمنحهما مكانة استثنائية، ثم تفسير الأزمات باعتبارها محنًا واختبارات، والبحث عن إشارات غيبية تؤكد أن النصر قادم".


ويشير أبو السعد إلى أن "الخطورة تظهر عندما تنتقل هذه العقلية من الإيمان الروحي إلى انتظار تدخل خارق يغير الواقع السياسي، لأن العضو في هذه الحالة قد يتعامل مع الهزيمة المؤقتة باعتبارها اختبارًا، ومع أي إشارة عابرة باعتبارها بشارة، وبالتالي لا يراجع أفكاره أو خياراته".


وبذلك، فإن التناقض بين إعلان الإخوان احترام العقل ومحاربة الخرافة، وبين بعض الروايات التي جرى تداولها داخل بيئتهم التنظيمية، يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة التربية الفكرية داخل الجماعة، حيث لا تبدو الخرافة مجرد حكايات هامشية، وإنما قد تتحول، عندما تتكرر وتُربط بالقيادة والانتصار والمحنة، إلى جزء من البناء النفسي للعقل الجمعي.


ويختتم طارق أبو السعد بالقول: "المواجهة الحقيقية مع هذا النوع من الفكر لا تكون فقط بنقد الرواية أو السخرية منها، وإنما بكشف الآلية التي تجعل الإنسان يتخلى عن أدوات التفكير النقدي لمصلحة رواية جاهزة تقدم له تفسيرًا مطلقًا لكل شيء، فحين يصبح القائد فوق النقد، والجماعة فوق المراجعة، والحكاية فوق الدليل، يتحول العقل التنظيمي إلى عقل مغلق، مهما كان الخطاب المعلن عن احترام العقل والمنطق".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة