أوروبا تعيد تسليح نفسها بمليارات اليوروهات.. فاتورة الدفاع تهدد دولة الرفاه وتضع ميرتس أمام غضب الناخبين.. ميلونى تحاول إعادة تعريف الإنفاق العسكرى.. وإسبانيا ترفض هدف الـ5%.. فهل يدفع الأوروبيون ثمن السباق؟

السبت، 12 سبتمبر 2026 01:00 ص
أوروبا تعيد تسليح نفسها بمليارات اليوروهات.. فاتورة الدفاع تهدد دولة الرفاه وتضع ميرتس أمام غضب الناخبين.. ميلونى تحاول إعادة تعريف الإنفاق العسكرى.. وإسبانيا ترفض هدف الـ5%.. فهل يدفع الأوروبيون ثمن السباق؟ الناتو والاتحاد الأوروبى

فاطمة شوقي

تدخل أوروبا مرحلة غير مسبوقة من إعادة بناء قدراتها الدفاعية، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية والقلق من مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن القارة، لكن الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري تفتح في الوقت نفسه جبهة داخلية أكثر تعقيدًا، تتعلق بمصدر تمويل هذه الخطط وتأثيرها على الخدمات الاجتماعية التي ظلت لعقود أحد أهم ركائز النموذج الأوروبي.

 

وتسلط الضوء على هذه المفارقة، مشيرة إلى أن دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» تقترب من تنفيذ التزامات جديدة لرفع الإنفاق على الدفاع والأمن، فيما تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى البحث عن مليارات إضافية في موازنات تعاني أصلًا من ضغوط الدين العام، وتكاليف الشيخوخة، والرعاية الصحية، والمعاشات.

 

وبينما تبدو زيادة الإنفاق الدفاعي ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى العديد من العواصم الأوروبية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل القارة لم يعد فقط: كم ستنفق أوروبا على الدفاع؟ وإنما: من سيدفع ثمن هذه الزيادة؟.

 

ألمانيا.. الدفاع يصطدم بالمعاشات والصحة

تقدم ألمانيا المثال الأكثر وضوحًا على صعوبة المعادلة. فقد سمحت برلين باستثناء الإنفاق الدفاعي الذي يتجاوز نسبة معينة من الناتج المحلي من قيود «كبح الديون» الدستورية، لكنها أبقت القيود على بقية بنود الإنفاق، ما دفع الحكومة إلى البحث عن مصادر أخرى لتوفير المساحة المالية المطلوبة.

 

وكانت النتيجة الاتجاه نحو إصلاحات تمس قطاعات التأمين الصحي والمعاشات. ووفق «مودرن دبلوماسي»، من المتوقع أن تحقق إصلاحات التأمين الصحي وفورات تقدر بنحو 19.3 مليار يورو خلال عام 2026، على أن تقترب الوفورات من 38 مليار يورو بحلول عام 2030.

 

لكن الحسابات الاقتصادية لا تنفصل عن السياسة. فقد أدى الضغط على المزايا الاجتماعية إلى زيادة حساسية الناخبين تجاه سياسات الحكومة، بالتزامن مع صعود شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا.

 

وأظهر أحد استطلاعات الرأي وصول تأييد الحزب اليميني إلى 29%، متقدمًا بفارق تسع نقاط على ائتلاف الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الاجتماعي بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

 

وتزداد خطورة هذا التطور مع ارتفاع المخاوف الاجتماعية،  إذ تشير البيانات التي أوردتها المنصة إلى أن نحو 69% من الألمان يخشون حاليًا من الوقوع في الفقر خلال مرحلة الشيخوخة. وبذلك تحولت معادلة تمويل الدفاع من مسألة مالية إلى قضية سياسية وانتخابية تهدد شعبية الحكومة.

 

إيطاليا.. هل تكفي الحيل المحاسبية؟

في إيطاليا، اختارت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني طريقًا مختلفًا. فمع ارتفاع حجم الدين العام وضيق هامش المناورة المالية، تعهدت ميلوني بعدم اقتطاع «يورو واحد» من الأولويات الحكومية القائمة لتمويل أهداف الناتو.
وبدلًا من تقليص الإنفاق الاجتماعي بشكل مباشر، اتجهت روما إلى توسيع تعريف الإنفاق الذي يمكن احتسابه ضمن المجهود الدفاعي.

 

ومن أبرز الأمثلة مشروع جسر مضيق ميسينا، الذي تبلغ تكلفته نحو 13.6 مليار يورو، حيث طرحت الحكومة إمكانية اعتباره جزءًا من البنية التحتية ذات الاستخدام العسكري، بالنظر إلى إمكانية استخدامه في نقل المعدات والقوات.

 

كما ظهرت مقترحات لاحتساب بعض مهام خفر السواحل والشرطة المالية ضمن الإنفاق الدفاعي.

 

وأشارت التقرير إلى أن هذه المقاربة قد تساعد إيطاليا على تحسين الأرقام التي تقدمها إلى الناتو، لكنها تفتح في المقابل نقاشًا حول حقيقة الأرقام المعلنة: هل تعكس نسبة الإنفاق العسكري قدرات دفاعية إضافية فعلية، أم أن جزءًا منها يعتمد على إعادة تصنيف بنود قائمة أصلًا؟.

 

إسبانيا.. لا للتخفيضات ولا لهدف الـ5%

أما إسبانيا، فتتبنى موقفًا أكثر وضوحًا في مواجهة المعادلة الجديدة. فمدريد ترفض الالتزام بهدف الـ5%، وتتمسك بإنفاق دفاعي يدور حول 2.1% من الناتج المحلي، مع التأكيد على حماية قطاعات الصحة والتعليم وعدم تحميل دولة الرفاه تكلفة إعادة التسلح.

 

ويعكس الموقف الإسباني اختلافًا جوهريًا في ترتيب الأولويات؛ فالحكومة ترى أن زيادة الإنفاق العسكري لا ينبغي أن تتم على حساب الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون.


لكاعان لهذا الخيار ثمنه داخل الناتو، إذ إن عدم التزام دولة رئيسية بأهداف الإنفاق المتفق عليها قد يشجع دولًا أخرى على التباطؤ، خصوصًا إذا وجدت أن رفع المخصصات الدفاعية سيؤدي إلى إجراءات تقشفية غير شعبية.

 

أوروبا أمام معادلة ثلاثية

وهكذا تتشكل داخل أوروبا ثلاثة نماذج مختلفة للتعامل مع فاتورة إعادة التسلح.


ألمانيا ..  اختارت تمويل جزء من احتياجاتها الدفاعية عبر إصلاحات تمس دولة الرفاه، وهو ما يعرض الحكومة لضغوط انتخابية متزايدة.


إيطاليا.. تحاول تجنب التخفيضات الاجتماعية عبر توسيع مفهوم الإنفاق الدفاعي وإدخال مشروعات وبنود يمكن أن تحمل استخدامات عسكرية.


أما إسبانيا، فتراهن على الإبقاء على مستوى إنفاق أقل من هدف الـ5%، مع حماية الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.


وتكشف هذه الخيارات عن انقسام أوروبي أعمق من مجرد اختلاف في أرقام الموازنات. فبينما تتفق الحكومات على ضرورة تعزيز القدرات العسكرية في مواجهة المخاطر الأمنية، فإنها تختلف بشدة حول كيفية تمويل هذا التحول.


وتزداد حساسية الملف مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط على المالية العامة في عدد من الدول الأوروبية.

 

فكل يورو إضافي يذهب إلى الدفاع يعني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منافسة على الموارد مع قطاعات أخرى، من الرعاية الصحية إلى المعاشات والتعليم والاستثمارات العامة.


وفي النهاية، قد تكون إعادة تسليح أوروبا ضرورة أمنية، لكن نجاحها لن يتوقف فقط على شراء الطائرات والدبابات والصواريخ، بل على قدرة الحكومات على إقناع مواطنيها بأن هذه النفقات لا تأتي على حساب مستوى معيشتهم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة