«استوصوا بالنساء خيرا».. وصية نبوية تختصر قاعدة التعامل مع المرأة في الرحمة والكرامة وحسن المعاشرة، لكن أدبيات الإخوان الإرهابية تقدم صورة أخرى، تبدأ من وضع «الأخوات» داخل التنظيم في أدوار تخدم مشروع الجماعة الإرهابية، وتمتد إلى المجتمع عبر فتاوى وآراء منشورة تضيق على المرأة في المجال العام والأسرة وحتى جسدها.
المفارقة هنا ليست مجرد خلاف فقهي حول مسألة أو رأي في قضية، وإنما في الصورة التي تتشكل عند وضع هذه المواقف جنبا إلى جنب: امرأة يحتاجها التنظيم عندما تكون أداة للحشد والتربية والاستقطاب، ثم تصبح محل وصاية عندما يتعلق الأمر بحقوقها واختياراتها وموقعها في المجتمع.
«استوصوا بالنساء خيرا».. وصية نبوية أمام خطاب الوصاية
جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء في الحديث الصحيح، في إطار التأكيد على حسن التعامل معهن، بينما تؤكد دار الإفتاء المصرية أن الشريعة كرمت المرأة وحفظت حقوقها، وأن العلاقة الزوجية تقوم على المودة والرحمة وحسن المعاشرة، لا على القهر والتسلط.
لكن مراجعة ما نشرته مجلة «الدعوة»، لسان حال جماعة الإخوان الإرهابية في فترات سابقة، تكشف نصوصا تقدم تصورات أكثر تشددا تجاه المرأة، خصوصا في الولاية العامة والعلاقة الزوجية وختان الإناث.
وهنا تبدأ المفارقة: وصية دينية تدعو إلى الإحسان، مقابل اجتهادات تجعل الوصاية هي القاعدة.
«المرأة لا تحكم».. فتوى تصطدم مع حقها في المجال العام
في عدد فبراير 1981 من مجلة «الدعوة»، ورد سؤال عن حكم تولي المرأة الولاية العامة، وجاءت الإجابة بالاستناد إلى حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، مع الاستناد إلى رأي أبي الأعلى المودودي الذي ذهب إلى أن المناصب الرئيسية في الدولة، ومنها الرئاسة والوزارة وعضوية مجلس الشورى وإدارة المصالح الحكومية، لا تفوض إلى النساء.
ولم تتوقف الإجابة عند نقل الرأي، بل تضمنت تبريرا يقوم على مقارنة قوامة الرجل داخل الأسرة بالولاية على الدولة، وصولا إلى القول إن تسيير دفة الأمور العامة للمرأة منعه الإسلام بحسب هذا الطرح.
المشكلة هنا أن هذا الرأي قُدم في صورة حكم حاسم، بينما تؤكد دار الإفتاء المصرية أن الاستدلال بحديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» لمنع المرأة من كل المناصب العامة تعميم غير صحيح، وأن تولي المرأة للمناصب العامة جائز وفقا للكفاءة والمصلحة.
«حتى أهلها».. الوصاية تدخل بيت الزوجية
وفي عدد يناير 1978 من مجلة «الدعوة»، تناولت المجلة سؤالا عن زوج يمنع زوجته من زيارة أسرتها، فجاءت الإجابة بما يفيد ضرورة امتثال الزوجة لأمر زوجها، مع إبلاغ أهلها بموقفه حتى يعذروها، وهنا تنتقل الوصاية من المجال السياسي إلى الحياة اليومية للمرأة.
فالفتوى لم تجعل القضية قائمة على رفض التعسف في منع الزوجة من أهلها، وإنما ركزت على امتثالها لأمر الزوج، وهو ما يفتح الباب أمام تصور للعلاقة الزوجية يجعل إرادة الرجل هي الأصل في مواجهة حركة المرأة وصلتها بأسرتها.
وفي المقابل، تؤكد الرؤية الدينية الرسمية أن القوامة مسؤولية ورعاية وليست تسلطا، وأن الحياة الزوجية تقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة وحسن العشرة.
«جسد المرأة» أيضا تحت الوصاية
أما الأخطر، فجاء في عدد مارس 1981 من مجلة «الدعوة» بشأن ختان الإناث، فقد نشرت المجلة رأيا يذهب إلى أن ختان الإناث واجب، وربطته بحماية «شرف المؤمنة» و«عفافها»، فى المقابل، أكدت دار الإفتاء المصرية فى بيانات وفتاوى متعددة أن ختان الإناث ليس فريضة دينية، وأنه من العادات التى ثبتت أضرارها الطبية والنفسية، وأن الدعوة إليه لا تستند إلى دليل شرعى يوجب ممارسته.
وهنا تبلغ الوصاية ذروتها: من حق المرأة في إدارة حياتها، إلى حقها في المشاركة العامة، وصولا إلى جسدها نفسه.
«الأخوات».. حين تكون المرأة أداة للتنظيم
الصورة لا تكتمل عند قراءة هذه الفتاوى منفصلة عن وضع المرأة داخل الجماعة الإرهابية نفسها، فـ«الأخوات» كان لهن حضور في التربية والدعوة والعمل الاجتماعي والحشد، وهي أدوار مهمة لاستمرار التنظيم وتوسيع دوائر تأثيره، لكن هذا الحضور لا يعني بالضرورة امتلاك المرأة لمفاتيح القرار داخل الهرم التنظيمي.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشفها التجربة: المرأة مطلوبة عندما يحتاج التنظيم إلى طاقة بشرية تعمل على نشر أفكاره، وتربية أجياله، وحشد أنصاره، لكنها تصبح محل وصاية عندما يتعلق الأمر بحقوقها واختياراتها وموقعها في المجتمع.
«تمكين المرأة».. شعار يتغير حسب الحاجة
ومع دخول الإخوان الإرهابية المجال السياسي بعد 2011، تغير الخطاب المعلن، وبرز الحديث عن مشاركة المرأة وحقوقها السياسية، بينما تحمل أدبيات سابقة مواقف أكثر تقييدا لدورها.
وهنا تبرز واحدة من أكثر مفارقات الخطاب الإخواني وضوحا: المرأة في الدعاية السياسية مواطنة لها حقوق، والمرأة في بعض الأدبيات التنظيمية امرأة تحتاج إلى وصاية، فإذا كانت الجماعة تستطيع تقديم المرأة كصوت انتخابي، وناشطة في المجتمع، وعنصر حشد وتعبئة، فإن بعض فتاواها المنشورة تكشف حدودا مختلفة تماما عندما يصبح الأمر متعلقا بالولاية أو الحياة الأسرية أو الجسد.
من «الأخوات» إلى نساء المجتمع.. الخيط واحد
عند جمع هذه الوقائع، يصبح المشهد أكثر وضوحا، داخل التنظيم توجد أدوار محددة للمرأة تخدم المشروع، وفي المجتمع ظهرت فتاوى تضيق عليها في مساحات أساسية من حياتها.
الرسالة النبوية واضحة في الدعوة إلى حسن التعامل معها، والقرآن يقول: «وعاشروهن بالمعروف»، بينما تبقى الفتاوى والاجتهادات البشرية قابلة للنقاش والمراجعة، ولا يجوز تحويل رأي تنظيمي أو اجتهاد فقهي إلى حقيقة دينية مطلقة.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشفها هذه النصوص: كلما احتاج الإخوان إلى المرأة ظهرت باعتبارها عنصرا مهما في المشروع، وكلما طالبت بمساحة مستقلة من الحقوق والقرار ظهرت أمامها جدران الوصاية.
وبين «الأخوات» داخل التنظيم، والمرأة في المجتمع، تتكرر الرسالة نفسها: الجماعة تريد من المرأة دورا يخدم مشروعها لا مساحة تخرج بها من تحت عباءتها.