من «اسأل جوجل» إلى «اسأل الذكاء الاصطناعي».. كيف تتفاقم أزمة الصحافة؟.. المؤسسات تتحمل تكلفة إنتاج المعلومة والتحقق منها.. والقارئ يحصل على خلاصتها دون زيارتها.. فمن سيمول إنتاج الخبر الأصلي؟

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 11:00 م
من «اسأل جوجل» إلى «اسأل الذكاء الاصطناعي».. كيف تتفاقم أزمة الصحافة؟.. المؤسسات تتحمل تكلفة إنتاج المعلومة والتحقق منها.. والقارئ يحصل على خلاصتها دون زيارتها.. فمن سيمول إنتاج الخبر الأصلي؟ صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

رامى محيى الدين

** النقرة في خطر.. مستخدمو جوجل يضغطون على نتائج البحث في 8% من الزيارات عند ظهور ملخصات AI مقابل 15% دونها

** 1% فقط ينقرون على المصادر داخل ملخصات الذكاء الاصطناعي.. والإجابة تصل للمستخدم قبل زيارة الموقع الأصلي

** 65.6 مليون مستخدم للتصفح وتنزيل المحتوى في مصر خلال 24 ساعة.. و55 مليونًا يستخدمون محركات البحث

** عصام كامل: شركات الذكاء الاصطناعي تستفيد من عرق غرف الأخبار مجانًا.. وعلى الناشرين التفاوض لحماية المحتوى

** الدكتورة إلهام يونس: الذكاء الاصطناعي وضع الصحافة أمام مأزق جديد
 

 

لسنوات طويلة، كان السؤال الذي يطارد صناعة الصحافة هو: هل يقتل الإنترنت الصحيفة الورقية؟ انتقل القارئ من بائع الصحف إلى شاشة الكمبيوتر، ثم إلى الهاتف المحمول، وأصبح الموقع الإلكتروني وشبكات التواصل بوابته الأسرع لمعرفة ما يحدث.

لكن في 2026، لم يعد الإنترنت هو المنافس الوحيد، بل تغير السؤال نفسه: ماذا يحدث للصحافة عندما لا يحتاج القارئ إلى فتح صحيفة، وربما حتى لا يحتاج إلى زيارة موقع إخباري، ويكتفي بأن يسأل ChatGPT أو Gemini أو غيرهما من أدوات الذكاء الاصطناعي: «ماذا حدث اليوم؟».

في ثوانٍ، يستطيع روبوت الذكاء الاصطناعي أن يلخص أحداث اليوم، ويشرح خلفية أزمة سياسية أو اقتصادية، ويجمع معلومات من موضوعات متعددة، ثم يسمح للمستخدم بطرح سؤال ثانٍ وثالث للحصول على ما يريده تحديدًا.

وهكذا تدخل الصحافة مرحلة مختلفة؛ فلم تعد المعركة فقط بين الورق والشاشة، وإنما أصبحت معركة حول سؤال أكثر خطورة: من يملك بوابة الوصول إلى المعلومة والقارئ؟.

 

الجمهور يبتعد عن أبواب المؤسسات الصحفية

الأرقام تكشف حجم التحول. ففي تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026، وجد معهد رويترز لدراسة الصحافة أنه للمرة الأولى، وفي المتوسط عبر 48 سوقًا شملها التقرير، أصبحت شبكات التواصل ومنصات الفيديو الوسيلة الأكثر استخدامًا للوصول إلى الأخبار، بنسبة 54%، متقدمة على مواقع وتطبيقات المؤسسات الإخبارية التي سجلت 51%، وعلى التلفزيون الذي وصل إلى 52%.

ومنذ عام 2020، تراجع استخدام مواقع وتطبيقات المؤسسات الإخبارية 12 نقطة مئوية، كما تراجع التلفزيون 13 نقطة، بينما أصبحت المنصات الخارجية تلعب دورًا أكبر في العلاقة بين المؤسسة الصحفية وجمهورها.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجمهور لم يعد يستهلك محتوى المؤسسات الصحفية؛ فقد يصل إليه عبر منصة أو فيديو أو وسيط آخر، لكن المؤسسة لم تعد دائمًا صاحبة البوابة التي يدخل منها القارئ إلى الخبر.

 

من «اسأل جوجل» إلى «اسأل الذكاء الاصطناعي»

داخل هذا المشهد، ظهر وسيط أكثر تعقيدًا، فعندما انتقل القارئ من الصحيفة المطبوعة إلى البحث عبر جوجل، كان لا يزال في الغالب يضغط على رابط يقوده إلى الموقع الذي نشر المعلومة، فتستفيد المؤسسة من الزيارة والإعلان وربما الاشتراك.

أما أدوات الذكاء الاصطناعي فتقدم نموذجًا مختلفًا: اسأل.. تحصل على الإجابة مباشرة.

ويكشف Reuters Institute أن نسبة من يستخدمون روبوتات الذكاء الاصطناعي المستقلة مثل ChatGPT وGemini وPerplexity للحصول على الأخبار أسبوعيًا ارتفعت عالميًا من 7% في 2025 إلى 10% في 2026، وترتفع إلى 16% بين من تقل أعمارهم عن 35 عامًا.

ورغم ذلك، لا يزال من المبكر إعلان أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلًا للصحافة؛ إذ يقول 1% فقط إنه يمثل مصدرهم الرئيسي للأخبار، لكن دلالة الأرقام تكمن في اتجاه الحركة وطريقة الاستخدام.

فمن بين مستخدمي روبوتات الذكاء الاصطناعي للأخبار، يستخدم 42% خاصية طرح الأسئلة المتتابعة، ويحصل 35% من خلالها على أحدث الأخبار، ويستخدمها 34% في تلخيص الأخبار، و30% لتسهيل فهمها، فيما يلجأ 33% إليها لتقييم مدى موثوقية مصدر إخباري، أي أن القارئ لا يطلب فقط «خبرًا»، وإنما يبدأ في إجراء حوار مع الآلة حول الخبر.

انفو 1
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

عندما تختفي «النقرة»

هنا تظهر مشكلة قد تكون أخطر اقتصاديًا من انتقال القارئ من الورق إلى الإنترنت، فالمؤسسات الصحفية أنفقت سنوات في بناء مواقعها وتحسين ظهورها على محركات البحث لجذب الجمهور، لكن ماذا يحدث إذا حصل المستخدم على الإجابة في صفحة البحث نفسها؟

دراسة أجراها مركز Pew Research Center على سلوك التصفح لعينة من البالغين الأمريكيين خلال مارس 2025 وجدت أن مستخدم Google ضغط على نتيجة بحث تقليدية في 8% من الزيارات التي ظهر خلالها ملخص مولد بالذكاء الاصطناعي، مقابل 15% من الزيارات التي لم يظهر فيها ملخص AI.

أما الضغط على الروابط التي يستشهد بها ملخص الذكاء الاصطناعي نفسه فكان أكثر ندرة؛ إذ حدث في 1% فقط من الزيارات التي تضمنت هذه الملخصات، كما انتهت جلسة التصفح بعد صفحة البحث في 26% من الحالات التي ظهر فيها ملخص AI، مقابل 16% عندما لم يظهر.

وهذه بيانات أمريكية ولا يجوز تعميم نسبها مباشرة على مصر أو العالم، لكنها تكشف آلية جديدة قد تواجه ناشري الأخبار في أسواق متعددة: المستخدم يحصل على الإجابة دون أن يصل إلى المنتج الأصلي.

وهنا يصبح السؤال اقتصاديًا بقدر ما هو صحفيًا: إذا دفعت المؤسسة تكلفة إنتاج الخبر والتحقيق فيه والتحقق منه، ثم حصل القارئ على خلاصته دون زيارة المؤسسة.. فمن سيمول إنتاج الخبر الأصلي؟

فالآلة تستطيع تلخيص تحقيق صحفي، لكنها لم ترسل الصحفي إلى موقع الحدث، ولم تتحدث إلى المصادر، ولم تطلب وثيقة، ولم تتحمل مسؤولية مهنية وقانونية عن نشر المعلومة الأصلية.

انفو 2
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

من يملك المحتوى؟.. وهل يجب أن تدفع شركات الذكاء الاصطناعي للصحافة؟

من هنا ظهر سؤال جديد لم يكن مطروحًا بهذه القوة في عصر محركات البحث التقليدية: إذا كانت شركات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى المحتوى الصحفي لتدريب نماذجها أو تحسين إجاباتها وتقديم معلومات حديثة وموثوقة للمستخدمين، فهل يجب أن يحصل منتجو هذا المحتوى على مقابل؟

السؤال لم يعد نظريًا، فقد بدأت بالفعل تتشكل علاقات تجارية بين شركات الذكاء الاصطناعي ومؤسسات إعلامية كبرى، تقوم على منح الشركات التقنية حق الوصول إلى أجزاء من المحتوى الصحفي واستخدامه، مقابل اتفاقات ترخيص وشراكات تجارية.

في مايو 2024، أعلنت OpenAI اتفاقًا عالميًا متعدد السنوات مع News Corp يسمح لها بالوصول إلى محتوى حالي وأرشيفي من مجموعة واسعة من إصدارات المجموعة، من بينها The Wall Street Journal وBarron's وMarketWatch وNew York Post وThe Times وThe Sunday Times وغيرها، مع السماح باستخدام هذا المحتوى في منتجات الشركة والإجابة عن أسئلة المستخدمين.

وقبلها بشهر، أعلنت Financial Times اتفاق ترخيص وشراكة مع OpenAI، يتيح ظهور ملخصات ومقتطفات منسوبة إلى الصحيفة وروابط إلى موادها داخل إجابات ChatGPT، إلى جانب الاستفادة من محتوى الصحيفة في تحسين نماذج الذكاء الاصطناعي.

وسلكت صحيفة Le Monde الفرنسية مسارًا مشابهًا، إذ أعلنت في مارس 2024 اتفاقًا متعدد السنوات مع OpenAI يشمل الاستفادة من محتواها في تدريب النماذج وخدمات الإجابة مثل ChatGPT، وقالت الصحيفة إن الاتفاق يوفر لها مصدرًا إضافيًا مهمًا للإيرادات.

هذه الاتفاقات تطرح نموذجًا مختلفًا عن العلاقة التي حكمت الإنترنت لسنوات. ففي النموذج التقليدي كان محرك البحث يفهرس المادة، ثم يرسل المستخدم إلى موقع الناشر، بينما قد تعتمد المعادلة الجديدة على حصول شركة الذكاء الاصطناعي نفسها على ترخيص لاستخدام المحتوى، ثم تقديم الإجابة للمستخدم مع الإسناد أو الرابط.

لكن الاتفاقات الثنائية لا تحل المشكلة بالكامل، فهي أسهل بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى القادرة على التفاوض مباشرة مع شركات التكنولوجيا، بينما يظل السؤال أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى آلاف الصحف والمواقع الصغيرة والمتوسطة التي تنتج محتوى أصليًا، لكنها لا تملك الحجم أو القوة التفاوضية نفسها.

 

من الترخيص إلى «الدفع مقابل الزحف».. هل تولد سوق جديدة للمحتوى؟

في يوليو 2025، ظهرت محاولة لتحويل الفكرة من اتفاقات تعقدها المؤسسات الكبرى منفردة إلى نموذج يمكن تطبيقه تقنيًا على نطاق أوسع.

شركة Cloudflare، التي توفر خدمات بنية تحتية وحماية لمواقع الإنترنت، أطلقت بصورة تجريبية نظامًا أطلقت عليه Pay Per Crawl أو «الدفع مقابل الزحف»، يسمح لأصحاب المواقع بتحديد ما إذا كانوا يريدون السماح لروبوتات شركات الذكاء الاصطناعي بالوصول إلى محتواهم مجانًا، أو منعها، أو مطالبتها بالدفع مقابل الوصول.

وبحسب النظام، يستطيع صاحب الموقع تحديد السعر الذي يطلبه مقابل وصول روبوت الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى، بينما تستطيع الشركة المشغلة للروبوت قبول السعر والدفع مقابل عملية الوصول.

 

الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل تغييرًا كبيرًا في اقتصاد الإنترنت

فلسنوات، قامت العلاقة بين الناشر ومحرك البحث على تبادل شبه واضح: يسمح الناشر لمحرك البحث بقراءة صفحاته وفهرستها، ويحصل في المقابل على فرصة ظهور المحتوى أمام المستخدمين ووصول زيارات إلى موقعه.

أما إذا أصبح الروبوت يقرأ مئات أو آلاف الصفحات لكي يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي تقديم إجابة كاملة للمستخدم، دون أن يحتاج المستخدم نفسه إلى زيارة هذه الصفحات، فإن «الزيارة» التي كانت تمثل المقابل الاقتصادي غير المباشر للناشر قد تصبح أقل قيمة.

وهنا يظهر احتمال نشوء سوق جديدة لا يبيع فيها الناشر الإعلان أو الاشتراك للقارئ فقط، وإنما يبيع أيضًا حق الوصول إلى المحتوى للآلة.

وقد تتخذ هذه السوق أكثر من صورة: اتفاق ترخيص سنوي بين مؤسسة إعلامية وشركة ذكاء اصطناعي، أو مقابل مالي للوصول إلى أرشيف المؤسسة، أو دفع مقابل استخدام المحتوى في الإجابات، أو حتى نموذج آلي يتم فيه احتساب مقابل كل عملية زحف إلى المادة الصحفية.

ولا يعني ظهور هذه النماذج أن مستقبل العلاقة حُسم بالفعل؛ فالسوق لا تزال في مرحلة مبكرة، ولا يوجد حتى الآن نموذج عالمي موحد يحدد قيمة الخبر أو التحقيق بالنسبة إلى شركات الذكاء الاصطناعي، أو كيفية توزيع المقابل بين المؤسسات الكبرى والصغيرة.

كما أن القضية لم تُحسم قانونيًا. ففي مقابل المؤسسات التي اختارت التفاوض والترخيص، اختارت مؤسسات أخرى اللجوء إلى القضاء، وعلى رأسها The New York Times، التي دخلت في نزاع قضائي مع OpenAI وMicrosoft حول استخدام محتواها المحمي بحقوق النشر في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبذلك تسير العلاقة بين الصحافة والذكاء الاصطناعي حتى الآن في مسارين متوازيين: مسار التفاوض والترخيص والدفع، ومسار النزاعات حول حقوق الملكية وحدود استخدام المحتوى دون إذن، والنتيجة النهائية لهذه المواجهة قد تحدد جانبًا مهمًا من اقتصاد الصحافة في السنوات المقبلة.

فإذا أصبح المحتوى الصحفي الموثوق عنصرًا له سعر داخل صناعة الذكاء الاصطناعي، فقد تتحول التكنولوجيا التي تهدد جزءًا من زيارات المؤسسات إلى مصدر إيرادات جديد لبعضها.

أما إذا أصبح من الممكن استخراج قيمة المحتوى وإعادة تقديمها للمستخدم من دون عائد كافٍ لمنتجه الأصلي، فإن الأزمة لن تكون فقط في تراجع توزيع الصحيفة أو انخفاض زيارات الموقع، وإنما في قدرة المؤسسات نفسها على الاستمرار في تمويل إنتاج المعلومات التي تعتمد عليها المنصات والروبوتات.

وهنا تعود الدائرة إلى السؤال الأول: إذا اختفى المنتج الأصلي أو تراجعت قدرته على تمويل الصحفي والمراسل والتحقيق.. فمن أين ستحصل الآلة غدًا على المعلومات الموثوقة التي تلخصها اليوم؟

 

الورق يتراجع.. لكنه لم يمت اقتصاديًا

أمام كل هذا، تبدو الصحافة الورقية الحلقة الأضعف، لكن الأرقام لا تدعم إعلان وفاتها حتى الآن.

فتقرير World Press Trends Outlook 2025-2026 الصادر عن الاتحاد العالمي لناشري الأخبار WAN-IFRA، والمبني على استطلاع شارك فيه 172 من كبار المسؤولين والقيادات الإعلامية في 66 دولة عبر خمس قارات، يرصد صناعة تبحث عن نموذج جديد للإيرادات بدل الاعتماد على مصدر واحد.

وبحسب بيانات التقرير، مثلت إيرادات الطباعة، من التوزيع والإعلانات المطبوعة، 43.6% من متوسط إيرادات المؤسسات المشاركة في الدراسة، مقابل 31% للمصادر الرقمية و25.4% لمصادر أخرى، مثل الفعاليات والخدمات والشراكات والأنشطة التجارية المختلفة.

لكن خلف الرقم الأول تحذير واضح؛ إذ كانت حصة الطباعة 56.2% في 2021، قبل أن تنخفض إلى 43.6% في 2025، إذن، الورق لا يزال يدر إيرادات، لكنه يفقد تدريجيًا موقعه المهيمن.

ولذلك لا يبدو مستقبل صناعة الأخبار مجرد انتقال كامل من «الورق» إلى «الديجيتال»، وإنما انتقال إلى نموذج تتوزع فيه الإيرادات بين الطباعة والمنتجات الرقمية ومصادر أخرى، وقد تنضم إليها مستقبلًا عوائد ترخيص المحتوى لمنصات الذكاء الاصطناعي.

انفو 4
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

مصر.. الورق في مواجهة ملايين الشاشات

في مصر، تزداد الصورة تعقيدًا، فلا تتوافر بيانات رسمية منشورة ومحدثة لعام 2026 يمكن الاعتماد عليها لتحديد إجمالي توزيع الصحف الورقية حاليًا، وهو نقص مهم في البيانات يجب أخذه في الاعتبار عند محاولة قياس حجم التراجع بدقة، لكن بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ترسم بوضوح البيئة الرقمية التي تتحرك داخلها الصحافة المصرية.

ففي مؤشرات لاستخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة نشرها الجهاز في أبريل 2026، بلغ عدد مستخدمي تصفح الإنترنت وتنزيل المحتوى 65.6 مليون مستخدم، وتشمل هذه الفئة بحسب تعريف الجهاز تصفح المواقع الإخبارية والتعليمية وغيرها.

وفي اليوم نفسه، استخدم 55 مليون شخص محركات البحث، بينما بلغ عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي 54.3 مليون مستخدم.

والأهم أن حجم استخدام محركات البحث ارتفع 13% مقارنة باليوم نفسه من 2025، فيما ارتفع استخدام تصفح الإنترنت وتنزيل المحتوى 12%، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي 5%.

الأرقام لا تعني أن 65.6 مليون شخص قرأوا أخبارًا في ذلك اليوم؛ لأن تصنيف التصفح أوسع من المواقع الإخبارية. لكنها تؤكد أن الصحيفة المصرية تعمل اليوم داخل سوق أصبحت فيه الشاشة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لعشرات الملايين، وهنا تكتسب عبارة «من اسأل جوجل إلى اسأل الذكاء الاصطناعي» معناها الحقيقي.

فالمرحلة الأولى من التحول أخذت القارئ من النسخة المطبوعة إلى الموقع ومحرك البحث وشبكات التواصل، أما المرحلة الجديدة فقد تنقل جزءًا من الجمهور إلى أدوات تقدم الإجابة نفسها دون أن يفتح المستخدم موقع الصحيفة أصلًا.

انفو 7
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

الأزمة وصلت إلى طاولة تنظيم الإعلام في مصر

التحول لم يعد مجرد نقاش نظري داخل غرف الأخبار المصرية، ففي أكتوبر 2025، عقدت لجنة تطوير الصحافة الورقية والرقمية، المنبثقة عن اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أول اجتماعاتها برئاسة الكاتب الصحفي حمدي رزق.

ووضعت اللجنة ضمن أولوياتها تطوير المحتوى الصحفي بما يواكب التحول الرقمي، ودعم المؤسسات القومية والخاصة في تبني سياسات إنتاجية وتحريرية جديدة تستجيب لتغير أنماط استهلاك الجمهور، إلى جانب البحث عن نماذج عمل تساعد على استدامة الصحافة الورقية والرقمية.

وفي الشهر نفسه، بدأت لجنة أخرى تابعة للمجلس عملها تحت اسم «لجنة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي» برئاسة الكاتب الصحفي خالد صلاح، لبحث توظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تطوير الإعلام المصري.

وفي ديسمبر 2025، ناقشت اللجنة توصياتها النهائية، التي تضمنت تطوير البنية التكنولوجية للمؤسسات الإعلامية، وتعزيز استخدام أدوات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتوزيعه، إلى جانب تدريب الكوادر ووضع ضوابط مهنية وأخلاقية لاستخدام هذه التقنيات.

ووجود لجنتين في مشروع تطوير الإعلام المصري، إحداهما للصحافة الورقية والرقمية والأخرى للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يعكس طبيعة المرحلة التي تواجه الصناعة: كيف تحافظ على الصحافة، وفي الوقت نفسه تعيد بناء أدوات إنتاجها وتوزيعها؟

لكن ظهور سوق عالمية ناشئة لترخيص المحتوى يضيف سؤالًا آخر أمام المؤسسات المصرية: هل يظل النقاش محصورًا في كيفية استخدام الصحافة للذكاء الاصطناعي، أم يمتد إلى كيفية حصول الصحافة المصرية على مقابل عندما يصبح محتواها نفسه موردًا تستخدمه أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

قال الكاتب الصحفي عصام كامل، عضو لجنة تطوير الإعلام ورئيس تحرير «فيتو»، في تصريحات خاصة لليوم السابع إن تقييم واقع الصحافة الورقية في مصر لا يمكن أن يتم بمعزل عن الظروف المحيطة بها، موضحًا أن الحكم على أي منتج ثقافي أو صحفي يتطلب النظر إلى مساحة الحرية المتاحة له، والمناخ السياسي، والبنية القانونية، إلى جانب الظروف الاقتصادية والمهنية المرتبطة بصناعته.

وأضاف، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن وظيفة الصحافة الورقية يجب أن تتغير، بعدما لم يعد نقل الخبر هو وظيفتها الأساسية في ظل تفوق الوسائط الرقمية في سرعة تقديم الأخبار، مشيرًا إلى أن فرصة الصحافة المطبوعة تكمن في التركيز على التحليل والفنون الصحفية التي يمكن أن تحقق من خلالها التفرد، مثل الحوارات والتحقيقات والموضوعات التي يجري إعدادها بعمق ومهنية.

 

التوزيع جزء من أزمة الصحافة الورقية

وأوضح كامل أن أزمة الصحافة الورقية لا ترتبط بالمحتوى وحده، وإنما تمتد إلى منظومة التوزيع، مشيرًا إلى أن شبكات توزيع الصحف شهدت تطورًا كبيرًا في عدد من دول العالم، بينما لا تزال منظومة التوزيع في مصر تعتمد بصورة كبيرة على الأساليب التقليدية، مثل الباعة والأكشاك و«فرشات» الصحف في الشوارع.

وأشار إلى ضرورة تقييم مدى تطور منظومة التوزيع في مصر وقدرتها على مواكبة الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن أزمة الصحافة الورقية ترتبط بمجموعة متشابكة من العوامل، تشمل المحتوى، والمناخ القانوني والسياسي، والطباعة، والتوزيع، ومدى توافر منافذ توزيع حديثة.

 

الذكاء الاصطناعي أثر بالفعل على المواقع الإخبارية

وحول تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على المواقع الإخبارية، أكد كامل أن الحديث لم يعد عن تأثير متوقع في المستقبل، وإنما عن تأثير حدث بالفعل، ويمكن ملاحظته في التراجعات التي تشهدها المواقع الإلكترونية.

وقال إن روبوتات الذكاء الاصطناعي تصل إلى المحتوى المنشور في المواقع الإخبارية المختلفة، وتجمع المعلومات التي أنتجتها غرف الأخبار ثم تعيد تقديمها للمستخدم، معتبرًا أن هذه الممارسات تثير إشكالية أساسية تتعلق بحقوق المؤسسات الصحفية في المحتوى الذي أنفقت أموالًا ووقتًا وجهدًا لإنتاجه.

وأضاف: «روبوتات الذكاء الاصطناعي تأخذ المعلومات من المواقع المختلفة، ومن بينها الأهرام وفيتو واليوم السابع وغيرها، ثم تقدمها مجانًا للمستخدم»، معتبرًا أن ذلك يمثل استفادة من «عرق وجهد فرق العمل في غرف الأخبار» دون مقابل.

 

كيان مصري للتفاوض مع المنصات وشركات الذكاء الاصطناعي

وكشف عضو لجنة تطوير الإعلام أن هذا الملف كان من بين الموضوعات التي جرى طرحها ومناقشتها داخل اللجنة، لافتًا إلى أهمية وجود كيان يمثل الدولة المصرية والمؤسسات الإعلامية في التفاوض مع المنصات الرقمية الكبرى ومحركات البحث وشركات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن هذا الكيان يمكنه التفاوض بشأن شروط وصول المنصات وروبوتات الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى الصحفي المصري، بحيث تكون هناك قواعد واضحة تحمي حقوق المؤسسات المنتجة للمحتوى.

وأشار إلى أن المؤسسات الصحفية تمتلك من الناحية التقنية إمكانية تقييد وصول روبوتات الذكاء الاصطناعي إلى موادها، وبالتالي فإن العلاقة المستقبلية يجب أن تقوم على أحد مسارين: إما منع هذه الأدوات من الوصول إلى المحتوى واستخدامه، أو التوصل إلى آلية تحصل المؤسسات الصحفية من خلالها على مقابل نظير الاستفادة من إنتاجها.

 

منع الوصول إلى المحتوى أو الدفع مقابله

وأكد كامل ضرورة فتح حوار مع شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، على غرار الحوار المطلوب مع المنصات الرقمية ومحركات البحث، مضيفًا: «إما أن نمنع روبوتات الذكاء الاصطناعي من الدخول والحصول على موادنا، أو أن تدفع الشركات مقابل ذلك».

وتطرق إلى العلاقة بين المواقع الإخبارية ومحركات البحث، معتبرًا أن العوائد وحركة الزيارات التي تحصل عليها المؤسسات المصرية لا تتناسب مع حجم السوق والمحتوى الذي تنتجه، وهو ملف قال إنه كان أيضًا ضمن الملفات المطروحة في إطار تطوير الإعلام.

انفو 8
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

من SEO إلى تحسين المحتوى لمحركات الذكاء الاصطناعي

ولفت كامل إلى أن المؤسسات الصحفية تواجه حاليًا تحولًا جديدًا يتجاوز قواعد تحسين المحتوى لمحركات البحث «SEO»، مع تزايد اعتماد الجمهور على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات.

وأوضح أن أحد الحلول المرحلية يتمثل في تطوير الأنظمة وأساليب كتابة وتقديم المحتوى بما يجعل المواد الصحفية أكثر توافقًا مع آليات البحث والاسترجاع التي تستخدمها أدوات الذكاء الاصطناعي، مع العمل على ظهور المؤسسة ومحتواها ومصادرها ضمن النتائج التي تقدمها هذه الأدوات، بما يتيح للمستخدم الانتقال إلى الموقع الأصلي إذا أراد الحصول على مزيد من التفاصيل.

 

المحتوى الجيد قادر على إبقاء الصحافة الورقية حية

وفيما يتعلق بمستقبل الصحافة المطبوعة، أكد كامل أنه من المؤمنين بإمكانية الإبقاء على الصحافة الورقية حية، معتبرًا أن العامل الحاسم في هذه المعركة هو المحتوى.

وأوضح أن وجود كاتب أو محلل كبير يمتلك جمهورًا، أو تقديم صحافة استقصائية قوية وحوارات حصرية ومحتوى غير متاح على المنصات الإلكترونية، يمكن أن يعيد للصحيفة الورقية قيمتها ويمنح القارئ سببًا حقيقيًا لشرائها.

وأضاف أن الصحف تستطيع أيضًا تقديم أشكال حصرية من المحتوى الثقافي والصحفي، مثل نشر أعمال لكبار الروائيين أو مواد لا تتاح في نسختها الإلكترونية، مؤكدًا أن «المحتوى يفوز في أي معركة» إذا كان متفردًا وقادرًا على تقديم قيمة لا يجدها القارئ في مكان آخر.

واختتم كامل تصريحاته بالتأكيد على أن هناك العديد من الأدوات التي يمكن من خلالها إعادة إحياء الصحافة الورقية، لكن نجاحها يظل مرتبطًا بالمناخ السياسي، ومساحة الحريات، وطبيعة الفنون الصحفية التي يمكن تقديمها، إلى جانب القدرة على إنتاج محتوى جيد ومتفرد.

 

عصام كامل عضو لجنة تطوير الإعلام ورئيس تحرير فيتو
عصام كامل عضو لجنة تطوير الإعلام ورئيس تحرير فيتو

 

الذكاء الاصطناعي.. منافس أم وسيط يلتهم الزيارات؟

لكن هل يعني ذلك أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت منافسًا مباشرًا للصحفي والمؤسسة الصحفية؟ يرى الدكتور عمرو صبحي، خبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، أن توصيف العلاقة باعتبارها منافسة مباشرة يحتاج إلى قدر من الدقة، لأن هذه الأدوات لا تنتج الخبر من العدم، وإنما تعتمد في الأساس على المحتوى الذي ينتجه البشر.

وقال صبحي، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن أدوات الذكاء الاصطناعي «ليست منافسًا للمحتوى الصحفي من حيث القدرة على التكوين والإبداع، بل هي في جوهرها أدوات استهلاك وتلخيص»، موضحًا أن الصحفي هو من يذهب إلى الميدان ويجري المقابلات ويرصد الأحداث ويصنع المادة الأصلية التي تعتمد عليها تلك الأنظمة.

ويرى أن المشكلة الحقيقية لا تتمثل في اختفاء الحاجة إلى الصحفي، وإنما في ظهور وسيط جديد بينه وبين القارئ؛ فبدلًا من دخول المستخدم إلى الموقع للحصول على المعلومة، يمكن أن تقدم له أداة الذكاء الاصطناعي خلاصة المحتوى مباشرة، وهو ما قد يحرم الناشر من جزء من حركة الزيارات التي يعتمد عليها في تحقيق الإيرادات الإعلانية.وبحسب صبحي، فإن الذكاء الاصطناعي من دون المحتوى الأصلي الذي تنتجه المؤسسات الصحفية سيصبح «قشرة فارغة» تفتقر إلى البيانات، وهو ما يجعل مستقبل العلاقة بين الطرفين مرتبطًا ليس فقط بمن ينتج المعلومة، ولكن أيضًا بمن يحصل على العائد الاقتصادي الناتج عن استخدامها.

 

هل يجب أن تدفع شركات الذكاء الاصطناعي للصحافة؟

إذا كانت الصحافة هي التي تتحمل تكلفة الوصول إلى المعلومة والتحقق منها وإنتاجها، بينما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الاستفادة من هذا المحتوى في تقديم الإجابات للمستخدم، يظهر سؤال اقتصادي وقانوني جديد: من يحصل على قيمة الخبر في النهاية؟

ويعتبر الدكتور عمرو صبحي أن دفع شركات الذكاء الاصطناعي مقابل استخدام المحتوى الصحفي ليس مجرد خيار اقتصادي، وإنما قضية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية وقيمة البيانات التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

وقال صبحي: «من المنطقي والعدل، بل ومن الضروري قانونيًا، أن تدفع شركات الذكاء الاصطناعي للمؤسسات الصحفية مقابل استخدام أخبارها وتحقيقاتها»، موضحًا أن المحتوى الصحفي يمثل أصلًا جرى إنتاجه باستثمارات بشرية ومالية، ومن ثم لا ينبغي التعامل معه باعتباره مادة مجانية متاحة لشركات التكنولوجيا.

ووصف استخدام شركات التكنولوجيا للمحتوى الصحفي في تدريب النماذج أو تقديم ملخصات إخبارية دون تعويض الناشرين بأنه شكل من أشكال «الابتزاز الرقمي»، معتبرًا أن المشكلة تكشف أيضًا الحاجة إلى تطوير القواعد القانونية المنظمة للملكية الفكرية بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي.

 

من الإعلانات إلى بيع حقوق البيانات

لكن هذه الأزمة قد تحمل في داخلها نموذجًا اقتصاديًا جديدًا للصحافة.. ويرى صبحي أننا نشهد بالفعل بداية الانتقال من نموذج «الإعلام الممول بالإعلانات» إلى التعامل مع «البيانات كأصل رقمي»، بحيث لا تقتصر قيمة الخبر على عدد القراء الذين يشاهدونه داخل الموقع، وإنما تمتد إلى قيمة استخدامه بواسطة أنظمة ومنصات أخرى.

وأشار إلى أن مؤسسات صحفية دولية بدأت بالفعل في إبرام اتفاقيات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي تتيح الوصول إلى أرشيفاتها ومحتواها، معتبرًا أن هذه التطورات تعني أن المحتوى الصحفي لم يعد مجرد نص يظهر على الشاشة، وإنما أصبح «وقودًا رقميًا» يمكن بيع حقوق استخدامه.

وبذلك قد تجد الصحافة أمامها مصدر دخل لم يكن موجودًا بالشكل نفسه قبل سنوات: فبدلًا من أن تعتمد المؤسسة فقط على بيع الإعلان إلى جوار الخبر، يمكن أن تحصل أيضًا على مقابل من الشركات التي تحتاج إلى هذا الخبر لتغذية منتجاتها الذكية.

 

كيف تنجو الصحافة المصرية من عصر «الإجابة الجاهزة»؟

أما بالنسبة للمؤسسات الصحفية المصرية، فيرى الدكتور عمرو صبحي أن المواجهة لا ينبغي أن تقوم على محاولة منع التكنولوجيا أو تجاهلها، وإنما على إنتاج ما يصعب على الآلة تقديمه بمفردها.

ويضع صبحي الصحافة العميقة والتحقيقات الاستقصائية في مقدمة هذه الأدوات، موضحًا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع تلخيص الخبر وإعادة صياغته، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الصحفي في بناء شبكة المصادر أو النزول إلى الميدان وإجراء التحقيقات وكشف معلومات جديدة.

ويأتي العنصر الثاني، بحسب صبحي، في «الثقة والعلامة التجارية»، خاصة مع قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على إنتاج معلومات غير دقيقة فيما يعرف بـ«الهلاوس»، فضلًا عن انتشار المحتوى المزيف؛ وهو ما يمكن أن يمنح المؤسسات الصحفية ذات المصداقية قيمة أكبر باعتبارها مرجعًا يمكن للقارئ العودة إليه للتحقق من المعلومات.

كما دعا المؤسسات الصحفية المصرية إلى تنويع مصادر إيراداتها وعدم الاعتماد بصورة كاملة على الإعلانات، من خلال دراسة نماذج الاشتراكات والمحتوى الحصري والتحليلات والبيانات المتخصصة، بالتوازي مع حماية حقوقها عند استخدام محتواها بواسطة شركات الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة استخدام المؤسسات الصحفية للذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار نفسها، سواء في خفض بعض تكاليف الإنتاج أو تطوير أشكال تقديم المحتوى وتحويل النصوص إلى صيغ صوتية ومرئية وتفاعلية، بحيث تصبح التكنولوجيا أداة داخل المؤسسة بدلًا من أن تتحول فقط إلى منافس خارجها.

ويبقى الرهان الأهم، وفق صبحي، على «السياق المحلي»، لأن معرفة تفاصيل المجتمع المصري وفهم سياقه الاجتماعي والثقافي والسياسي وبناء العلاقات مع المصادر على الأرض تظل عناصر تمنح الصحافة المحلية قيمة لا يوفرها مجرد تلخيص آلي للمعلومات.

ويلخص صبحي رؤيته بأن الذكاء الاصطناعي ليس «نهاية الصحافة»، وإنما اختبار حقيقي لقدرتها على إثبات قيمتها، معتبرًا أن المؤسسات التي تكتفي بنقل الأخبار ستكون الأكثر تعرضًا للضغط، بينما تزداد فرص المؤسسات التي تقدم «التحليل والثقة والعمق».

واختتم بقوله إن الصحفي المصري ظل على مدار سنوات بابًا للثقة وراء الأخبار في مصر والوطن العربي، مؤكدًا أن التكنولوجيا لا تعني اختفاء المهنة بقدر ما تفرض على العاملين فيها تطوير أدواتهم والتكيف مع التحولات الجديدة.

الدكتور عمرو صبحى خبير أمن المعلومات
الدكتور عمرو صبحى خبير أمن المعلومات

 

إلهام يونس: ChatGPT وGemini غيرا عادات الجمهور وأثرا على زيارات المواقع وإيراداتها

قالت الدكتورة إلهام يونس، أستاذ الإعلام الرقمي ووكيل كلية الإعلام بالأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام بالشروق، إن الصحافة الورقية في مصر تمر بأزمة حقيقية، يأتي في مقدمة أسبابها تراجع الإمكانيات والضغوط المادية التي تواجه المؤسسات الصحفية، بالتزامن مع التحول المتسارع نحو الإنتاج والاستهلاك الرقمي للمحتوى.

وأضافت، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن الصحافة الورقية لم تعد منصة جاذبة للمعلنين كما كانت في السابق، وهو ما انعكس على حجم الإعلانات وإيرادات المؤسسات الصحفية، بالتوازي مع انخفاض معدلات التوزيع والمبيعات، معتبرة أن هذه المؤشرات تكشف بوضوح حجم الأزمة التي تواجه الصحافة المطبوعة.

 

الدكتورة إلهام يونس أستاذ الإعلام الرقمي
الدكتورة إلهام يونس أستاذ الإعلام الرقمي

الهاتف المحمول غيّر عادات الجمهور

وأوضحت يونس أن ثقافة الجمهور المصري وعاداته في استهلاك الأخبار شهدت تحولًا كبيرًا، إذ أصبح الوصول إلى المحتوى الإخباري عبر المواقع الإلكترونية والبوابات والمنصات الرقمية أكثر سهولة، خاصة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية.

وأشارت إلى أن الاعتماد على الهاتف المحمول في متابعة المحتوى لم يعد مقتصرًا على الشباب، وإنما امتد إلى قطاعات وفئات عمرية مختلفة من الجمهور، وهو ما انعكس سلبًا على الصحافة الورقية من حيث الإعلانات والتوزيع والمبيعات.

وأضافت أن الأزمة ترتبط كذلك بارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع وتأثرها بأسعار العملات، إلى جانب تراجع الإعلانات وتغير «السلوك الاتصالي» للجمهور وانتقاله بصورة متزايدة إلى المواقع والمنصات الرقمية.

 

ChatGPT وGemini يغيران طريقة الوصول إلى الأخبار

وأكدت أستاذ الإعلام الرقمي أن أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها ChatGPT وGemini، أضافت متغيرًا جديدًا إلى المشهد، بعدما أصبحت بالنسبة إلى نسبة كبيرة من الجمهور وسيلة مباشرة وسريعة للحصول على الأخبار والمعلومات.

وضربت مثالًا بالمستخدم الذي يريد معرفة آخر التطورات في ملف دولي مثل إيران، إذ أصبح بإمكانه سؤال إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي والحصول خلال لحظات على ملخص للتطورات والأحداث والمفاوضات، بدلًا من البحث عن صحيفة أو الدخول إلى عدد من المواقع الإخبارية.

وقالت إن البحث عن صحيفة بعينها أو حتى موقع إخباري محدد لم يعد هدفًا لدى شريحة من الجمهور كما كان في السابق، بعدما تغيرت عادات استهلاك الأخبار، وهو ما أضاف تحديًا جديدًا إلى التحديات التي تواجه الصحافة الورقية والإلكترونية على السواء.

 

من سيمول إنتاج الخبر؟

وحول الإشكالية المتعلقة بتحمل المؤسسة الصحفية تكلفة إنتاج الخبر والتحقيق والتحقق من المعلومات، بينما يحصل المستخدم على خلاصتها من محركات البحث أو روبوتات الذكاء الاصطناعي دون زيارة المصدر الأصلي، قالت يونس إن القضية تفتح سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل صناعة الأخبار نفسها ومن سيتحمل تكلفة إنتاجها.

وحذرت من اتجاه بعض غرف الأخبار إلى الاعتماد بصورة متزايدة على نقل الأخبار الجاهزة من قنوات أو منصات أخرى ووكالات ومؤسسات إعلامية أجنبية بدلًا من إنتاجها من مصادرها الأصلية.

وأكدت أن هذا الاتجاه يمثل إحدى أزمات مصداقية المحتوى الإخباري، خاصة أن النشر عبر مؤسسة إعلامية دولية أو منصة كبرى لا يعني بالضرورة صحة المعلومة بنسبة 100%، وهو ما يجعل عمليات التحقق والتدقيق ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.

 

الذكاء الاصطناعي أثر على «ترافيك» المواقع وإيراداتها

وأكدت يونس أن تأثير منصات الذكاء الاصطناعي على المواقع الإخبارية لم يعد مجرد احتمال، وإنما أصبح واقعًا انعكس على عدد الزيارات «Traffic» وعلى الإيرادات.

وأوضحت أن المستخدم يستطيع تحديد الموضوع الذي يريد معرفة تفاصيله وطلبه مباشرة من أدوات مثل ChatGPT، التي تقدم له خلاصة للمعلومات، ما يقلل في بعض الحالات حاجته إلى زيارة الموقع الإخباري أو شراء الصحيفة الورقية.

 

المؤسسات الصحفية مطالبة بتغيير شكل المنتج

ورأت يونس أن مواجهة هذا التحول تتطلب حضورًا رقميًا قويًا للمؤسسات الصحفية، وليس مجرد نقل المحتوى الورقي إلى الإنترنت، وإنما تطوير المنتج نفسه والاستفادة من مختلف أدوات الإعلام الرقمي.

وأشارت إلى أهمية إنتاج القصص الصحفية المصورة، والفيديوجراف والإنفوجراف، وتطوير أساليب تقديم التحقيقات والموضوعات الصحفية والإخراج الرقمي بصورة أكثر جذبًا للجمهور، بالتوازي مع تعزيز الاعتماد على المصادر الأصلية وتقليل الاتكالية على المصادر الأجنبية في استقاء الأخبار.

وأكدت أن المؤسسات الصحفية الكبرى بحاجة إلى التعامل بجدية مع التحول الرقمي وتطوير بنيتها وأدواتها بما يتناسب مع التغيرات التي يشهدها سوق الإعلام.

 

لست مع إلغاء الورقي.. ولكن مع تقليله

وقالت يونس إنها لا تؤيد إلغاء الصحافة الورقية بشكل كامل، لكنها ترى ضرورة تقليل الاعتماد عليها بصورة كبيرة بما يحد من الخسائر التي تتحملها المؤسسات نتيجة تكاليف الطباعة والتوزيع والنقل.

وأضافت أن «مستقبل الصحافة الورقية في مصر ليس مبشرًا»، في ظل استمرار انتقال الجمهور والمعلنين وصناعة المحتوى بصورة متسارعة إلى البيئة الرقمية.

 

طلاب الإعلام يعزفون عن أقسام الصحافة

وكشفت يونس عن تحدٍ آخر يمتد إلى كليات الإعلام نفسها، مشيرة إلى وجود عزوف لدى بعض الطلاب عن الالتحاق بأقسام الصحافة، في ظل محدودية فرص العمل والتدريب بعد التخرج، وطول الفترة التي قد يحتاجها الصحفي الشاب للحصول على فرصة مهنية مستقرة.

وأشارت إلى أن بعض الصحفيين يظلون لسنوات في مراحل التدريب والعمل دون الوصول إلى أوضاع مهنية مستقرة أو الالتحاق رسميًا بنقابة الصحفيين، معتبرة أن دعم الصحافة والصحفيين أصبح مطلبًا أساسيًا للحفاظ على مستقبل المهنة.

 

وظائف جديدة للصحفي في عصر المنصات

وأوضحت أن التحول الرقمي يفتح، في المقابل، مجالات عمل جديدة أمام خريجي الإعلام والصحفيين، إذ لم يعد المسار المهني مقتصرًا على العمل التقليدي داخل الصحف، وإنما امتد إلى المنصات الرقمية والتحرير الإلكتروني والتسويق وصناعة الفيديو والصحافة المرئية والتقارير الصوتية والبودكاست وغيرها من القوالب.

وأكدت أهمية الدمج بين المهارات الصحفية التي يمتلكها خريجو الإعلام والأدوات الرقمية الحديثة، بما يسمح لهم بالاستفادة من فرص الإنترنت في إنتاج محتوى إعلامي جذاب ويفتح أمامهم مسارات مهنية جديدة.

واختتمت يونس بأن الصحافة الورقية، وفق تقديرها، تسير على المدى البعيد في اتجاه التراجع وربما الاختفاء، في الوقت الذي أصبح فيه التحول الرقمي الوجهة الأساسية لصناعة المحتوى الإعلامي، كما أصبح أحد أهم المسارات المتاحة أمام طلاب وخريجي الإعلام للعمل في مجالات تجمع بين الصحافة والفيديو والصوت والتسويق والإعلان وصناعة المحتوى.

 

الأزمة ليست أزمة ورق فقط

هنا يصبح اختزال الأزمة في سؤال «هل تختفي الصحيفة المطبوعة؟» غير كافٍ، فالموقع الإلكتروني نفسه أصبح معرضًا للمشكلة التي واجهها الورق.

في الماضي كانت المعادلة: الورق في مواجهة الإنترنت، أما الآن فقد تصبح: المؤسسة الصحفية في مواجهة المنصة التي تقف بينها وبين جمهورها، فالصحيفة التي تنتظر حتى صباح اليوم التالي لتنشر الأخبار نفسها التي عرفها القارئ على هاتفه مساء اليوم السابق تدخل معركة سرعة شبه محسومة، لكن إذا حملت النسخة تحقيقًا أو معلومة أصلية أو وثيقة أو تحليلًا أو تفسيرًا لما وراء الحدث، فإنها تقدم منتجًا مختلفًا.

الأمر نفسه ينطبق على الموقع الإلكتروني، فإذا كان دوره إعادة صياغة معلومات يستطيع روبوت الذكاء الاصطناعي تلخيصها في ثوانٍ، تصبح المنافسة صعبة، أما إذا كان الموقع هو الذي اكتشف المعلومة أصلًا، فهنا تتغير المعادلة.

وهكذا قد يصبح التحقيق الصحفي والصحافة التفسيرية والمعلومات الحصرية أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي، لا أقل.

 

الذكاء الاصطناعي سريع.. لكن هل يثق الجمهور في إجاباته؟

هناك عامل آخر قد يمنح المؤسسات الصحفية فرصة للمنافسة: الثقة، فبحسب Reuters Institute، يقول 20% فقط عالميًا إنهم يثقون في إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالأخبار معظم الوقت، مقابل 37% للثقة في الأخبار عمومًا، وهذه المفارقة مهمة.

فالذكاء الاصطناعي يمنح المستخدم السرعة والاختصار وإمكانية طرح الأسئلة، لكنه لم يحصل حتى الآن على مستوى الثقة الذي تتمتع به الأخبار عمومًا، كما أن استخدامه للأخبار ما زال مكملًا أكثر منه بديلًا؛ فـ1% فقط يعتبرونه مصدرهم الرئيسي للأخبار.

وقد تكون هنا مساحة الصحافة المهنية: صحفي معروف، مؤسسة معروفة، مصدر يمكن الرجوع إليه، دليل يمكن فحصه، ومسؤولية عن الخطأ.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع ويشرح ما أصبح متاحًا له، لكن القيمة الأساسية للصحافة تظهر عندما يكتشف الصحفي معلومة لم تكن متاحة أصلًا.

انفو 6
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

هل تنقذ الآلة جزءًا مما تهدده؟

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد منافس للصحافة، بل يمكن أن يصبح أداة داخل غرفة الأخبار نفسها.

فالصحفي يستطيع استخدامه في تفريغ المقابلات، والبحث داخل آلاف الصفحات من الوثائق، والترجمة، والتلخيص، وتحليل مجموعات كبيرة من البيانات، بينما يوجه وقته إلى المهام التي تتطلب مصادر بشرية وحكمًا تحريريًا وتحقيقًا ميدانيًا.

وفي مصر، تتجه المناقشات الرسمية نفسها إلى هذا المسار؛ فتوصيات لجنة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لم تدعُ إلى مقاومة التكنولوجيا، وإنما إلى زيادة الاستفادة منها في إنتاج وتوزيع المحتوى، بالتوازي مع التدريب ووضع الضوابط المهنية والأخلاقية.

وهنا قد تكون المعركة الحقيقية ليست «الصحفي ضد الآلة»، وإنما بين مؤسسة تعرف كيف تستخدم الآلة مع الحفاظ على قيمة الصحافة، وأخرى تستخدم التكنولوجيا لإنتاج مزيد من المحتوى الذي تستطيع الآلة نفسها إنتاجه.

 

ماذا يبقى للصحيفة؟

إذا كان الهاتف أسرع في نقل الخبر، وشبكات التواصل أسرع في نشره، والفيديو أكثر جذبًا لبعض الجمهور، والذكاء الاصطناعي قادرًا على تلخيصه والإجابة عن الأسئلة المتعلقة به، فما الذي يبقى للصحيفة؟

ربما تكون الإجابة: ما وراء الخبر نفسه.

التحقيق الذي يكشف ما لم يكن معروفًا، والمصدر الذي لا تستطيع الآلة مقابلته من تلقاء نفسها، والوثيقة التي يحصل عليها الصحفي، والتحليل المتخصص، والسياق، والتحقق.

ومن هنا لا تصبح قيمة الصحفي في أنه يعرف معلومة يستطيع القارئ العثور عليها خلال ثوانٍ، وإنما في قدرته على الوصول إلى معلومة لم يكن القارئ ولا الآلة يعرفانها من قبل.

 

النهاية ليست للورق.. بل للنموذج القديم

بعد أكثر من عقدين من الحديث عن «موت الصحافة الورقية»، ما زالت الطباعة موجودة وتدر جزءًا مهمًا من إيرادات مؤسسات إعلامية حول العالم، لكنها لم تعد قادرة وحدها على ضمان مستقبل الصحافة، وفي المقابل، لم يعد التحول الرقمي في حد ذاته ضمانًا للنجاة.

فالموقع الذي اعتقد أنه انتصر عندما انتقل القارئ من الورق إلى جوجل، أصبح الآن أمام تحدٍ جديد: ماذا لو أعطى جوجل نفسه الإجابة؟ وماذا لو انتقل السؤال بعد ذلك من محرك البحث إلى ChatGPT أو Gemini أو غيرهما؟

وفي الوقت نفسه، قد تفتح التكنولوجيا نفسها بابًا لنموذج اقتصادي جديد، إذا أصبحت الأخبار والتحقيقات والأرشيفات الصحفية أصولًا رقمية تدفع شركات الذكاء الاصطناعي مقابل الوصول إليها واستخدامها، بدل النظر إليها باعتبارها مادة مجانية متاحة بلا مقابل.

لكن نجاح هذا النموذج سيعتمد على سؤال لم يُحسم بعد: هل تستطيع صناعة الصحافة، بما فيها المؤسسات الصغيرة والأسواق غير الناطقة بالإنجليزية، الحصول على نصيب عادل من القيمة التي يولدها محتواها داخل اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟، لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح: متى تختفي الصحيفة الورقية؟

بل: ما الذي سيدفع القارئ ـ أو المنصة أو شركة الذكاء الاصطناعي ـ ثمنه عندما يستطيع المستخدم الحصول على إجابة وملخص لأي شيء تقريبًا خلال ثوانٍ؟

الإجابة قد تكمن في الشيء الذي لا تستطيع الآلة تلخيصه قبل أن ينتجه أحد: المعلومة الأصلية.

الخبر الحصري، والتحقيق، والوثيقة، والمصدر، والتحقق، والتحليل المتخصص، والثقة التي يبنيها الصحفي والمؤسسة مع الجمهور.

قد يتراجع الورق، وقد تتغير الشاشة، وقد يتحول جوجل من قائمة روابط إلى محرك إجابات، وقد تصبح روبوتات الذكاء الاصطناعي بوابة جديدة للوصول إلى الأخبار، لكن في نقطة ما من هذه السلسلة، لا بد أن يكون هناك من اكتشف المعلومة أولًا.

ومن هنا، فإن معركة الصحافة المقبلة ليست فقط حول الورق أو الموقع أو الذكاء الاصطناعي.

إنها معركة حول ثلاثة أسئلة:

من ينتج الخبر؟.. ومن يملك القارئ؟.. ومن يحصل على العائد؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة