"أنا مريم أبو حجر أم من غزة، أكتب إليكم وقلبي مثقل بالألم والخوف، فقدت طفلي خالد، واليوم أخشى أن أفقد توأمه جوري، الذي يصارع المرض كل يوم، ولا أملك أمام معاناته سوى الدعاء والمناشدة".
معاناة مريم أبو حجر
بهذه الكلمات المليئة بالوجع، تبدأ مريم أبو حجر رواية واحدة من أصعب التجارب التي يمكن أن تعيشها أم، بعدما تحولت رحلة حملها إلى معاناة طويلة، انتهت بولادة مبكرة لتوأميها جوري وخالد، ثم وجدت نفسها في مواجهة مرض قاسٍ يهدد حياة طفلتها، في وقت تفتقر فيه غزة إلى الإمكانيات الطبية اللازمة لعلاج الحالات الحرجة.
منذ بداية حملها، لم تكن رحلة مريم سهلة، فقد واجهت العديد من المشكلات الصحية التي أثقلت جسدها وأثارت مخاوفها على جنينَيها، بينما كانت الإمكانيات الطبية المتاحة محدودة، ولم تتمكن من الحصول على التشخيص والعلاج بالشكل الذي كانت تحتاج إليه حالتها.

الطفلة جوري
ومع مرور الوقت، تدهورت حالتها الصحية، حتى انتهى الأمر بولادة مبكرة للغاية لتوأميها جوري وخالد في الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل، وكان التوأمان أصغر من أن يبدآ حياتهما خارج رحم أمهما، واحتاجا منذ اللحظة الأولى إلى رعاية طبية مكثفة ودقيقة، لكن معاناة الأسرة لم تتوقف عند الولادة، بل كانت تلك اللحظة بداية فصل جديد من الألم.
تقول مريم إن معاناة طفليها بدأت منذ اللحظة الأولى، وعاشت أياما وليالي طويلة بين الخوف والانتظار، تراقب حالتهما الصحية وتتعلق بأي أمل في أن ينجوا من مضاعفات الولادة المبكرة، لكن المرض كان أقسى من قدرة الأسرة على الاحتمال.
فقدان خالد
دخل خالد في صراع مع أنيميا حادة وتكسّر في الدم، إلى جانب نزيف مستمر، دون الوصول إلى تشخيص واضح لحالته يمكن أن يفتح أمامه بابا للعلاج. حاولت أمه أن تتمسك بالأمل، وأن تصمد أمام خوفها، لكن حالته واصلت التدهور حتى رحل طفلها الصغير، ورحل خالد، تاركا خلفه قلب أم مكسورا، وذكرى طفل لم يمهلها القدر فرصة لأن تراه يكبر أمام عينيها.
تقول مريم إنها لم تستطع حتى الآن تجاوز فقدان طفلها، وألم رحيله ما زال حاضرا في كل تفاصيل حياتها، لكن وجع الفقد لم يمنحها فرصة للحزن طويلا، لأن طفلها الآخر، جوري، لا يزال يصارع المرض، ويواجه المعاناة نفسها التي أودت بحياة شقيقه.
مرض جوري
اليوم، تعيش جوري ظروفا صحية شديدة الصعوبة، فهي تعاني من الأنيميا وتكسر الدم، وتعاني ضعفا شديدا، كما أنها لا تحقق الزيادة المطلوبة في الوزن، الأمر الذي يجعل حالتها الصحية شديدة الخطورة ويضعها في حاجة ملحة إلى رعاية طبية متخصصة لا تتوافر بالإمكانات الكافية داخل غزة.
تعيش مريم الآن بين ذكريين متناقضتين؛ ذكرى طفل فقدته ولا تستطيع استعادته، وطفلة تتمسك بها بكل ما أوتيت من قوة، لكنها تخشى في كل لحظة أن تكرر جوري مأساة شقيقها خالد.
تقول الأم المكلومة: "أنا أم فقدت طفلها، ولا أحتمل أن أفقد الآخر"، ليست مناشدة مريم بحثا عن علاج عادي، وإنما صرخة أم تخشى أن تخسر طفلها الثاني بعد أن ودعت شقيقه، حيث تطلب فقط فرصة لجوري، فرصة للوصول إلى مكان تتوافر فيه الإمكانيات الطبية اللازمة، وإجراء الفحوص والتشخيص والعلاج الذي قد ينقذ حياتها.
وتناشد مريم الجهات المعنية وأصحاب القرار وكل من يستطيع المساعدة، العمل على تأمين تحويلة طبية عاجلة لطفلتها، والسماح لها بالسفر لتلقي العلاج خارج غزة، قبل أن تتدهور حالتها إلى نقطة يصعب معها إنقاذها.
وتؤكد أن الوقت بالنسبة إليها لم يعد مجرد وقت، فكل يوم يمر يعني مزيدا من القلق والخوف على طفلتها. وبينما تحمل في قلبها صورة خالد الذي رحل، تتمسك بجوري وتدعو ألا تضطر إلى حمل ألم جديد لا تستطيع احتماله.
مريم لا تطلب سوى أن تحصل طفلتها على حقها في العلاج، وأن تمنحها الظروف فرصة للحياة، وبينما تستمر جوري في مقاومة المرض، تظل أمها واقفة إلى جوارها، تحمل خوفها في قلبها، وتكرر مناشدتها: "أنقذوا جوري.. لا أريد أن أفقد طفلي الثاني".