في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات والبيانات الرسمية داخل العواصم الأوروبية للتنديد بالانتهاكات وجرائم الحرب في قطاع غزة ولبنان، تكشف الكواليس العسكرية والأمنية عن واقع مغاير تماماً، حيث تهرول حكومات القارة العجوز خلف أبواب الصناعات العسكرية الإسرائيلية، مبرمة صفقات تسليح وتكنولوجيا سيبرانية بمليارات الدولارات، في تناقض صارخ يضع استقلالية أوروبا وسيادتها المزعومة على المحك.
ونشرت صحيفة بولتيكو، تقريرًا استقصائيا كشف النقاب عن حجم هذا الفخ الدفاعي، مؤكداً أن مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الذاتية اصطدمت بتبعية خانقة ومتزايدة للشركات الإسرائيلية، لا سيما في مجالات الحرب الإلكترونية، وأجهزة الاستشعار، والصواريخ الاعتراضية، وأنظمة التجسس والمراقبة.
"درع أخيل".. البداية من أثينا
وتجسد المثال لهذا التغلعل الدفاعى، في الزيارة التي قام بها وفد عسكري يوناني رفيع المستوى إلى تل أبيب لتوقيع اتفاقية دفاعية ضخمة عرفت باسم "درع أخيل" بقيمة تصل إلى 3 مليارات يورو، وتهدف الصفقة لتزويد أثينا بمنظومات اعتراضية وتقنيات متقدمة لمواجهة الصواريخ والمسيرات.
ووفقًا للصحيفة، فأنه ورغم أن القواعد الأوروبية الصارمة تفرض طرح مناقصات تنافسية وشفافة، إلا أن التحقيقات كشفت أن العديد من هذه العقود العسكرية تم إسنادها لشركات إسرائيلية "بالأمر المباشر" ودون منافسة، وهو ما يعمق الارتهان التكنولوجي لتل أبيب، حيث تصبح الدول المشترية عاجزة عن صيانة أو تحديث تلك الأنظمة بمفردها، ما دفع وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس للتصريح بمخاوف بلاده قائلاً: "التحول إلى رهائن لأي طرف أمر مرفوض تماماً".
صفقات سرية وتجاوز للقانون الأوروبي
و لم يقتصر الاعتماد الأوروبي على اليونان، فقائمة المستفيدين والمتعاقدين تتسع لتشمل هولندا، التي منحت شركة "إلبيت سيستمز" عقداً بقيمة 25 مليون يورو لإدارة ساحات المعارك بالأمر المباشر، والدنمارك بصفقة رادارات وإشارات إلكترونية، فضلاً عن ألمانيا التي وقّعت مذكرة لتطوير "قبة إلكترونية" سيبرانية، وقبرص وإيطاليا التي أصدرت تشريعات تعامل البرمجيات الدفاعية الإسرائيلية معاملة المنتجات الوطنية والأوروبية داخل المناقصات الرسمية.
وتتركز القوة التصديرية لتل أبيب في ثلاثة كيانات كبرى مدعومة وموجهة بالكامل من المؤسسة العسكرية: (صناعات الفضاء الإسرائيلية IAI، وأنظمة رافائيل، وإلبيت سيستمز، وتعتمد بشكل أساسي على خريجي وحدات الاستخبارات والأمن السيبراني، الذين ينقلون التكنولوجيا المختبرة عسكرياً مباشرة إلى الأسواق الاستثمارية والتجارية.
أسلحة مجربة على الفلسطينيين.. وغضب داخل البرلمان الأوروبي
هذا الاندفاع الأوروبي نحو التسلح الإسرائيلي فجر موجة غضب عارمة بين البرلمانيين والسياسيين في بروكسل، حيث حذر برلمانيون من أن أوروبا تستبدل تبعيتها التاريخية لواشنطن بتبعية أشد خطورة لتل أبيب، في وقت تسوق فيه الأخيرة تقنياتها بكونها "مجربة عملياً"، في إشارة واضحة لاستخدامها الميداني ضد المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال.
وفي هذا السياق، شنت عضوة البرلمان الأوروبي اليسارية الفنلندية، لي أندرسون، هجوماً لاذعاً على حكومات التكتل، قائلة: "لا يمكننا الادعاء بالبحث عن السيادة بينما نستبدل تبعية بأخرى.. كيف ننخرط في صفقات سلاح مع كيان أثبتت كل الهيئات والمحاكم الدولية أنه يخرق القانون الإنساني والدولي بلا أدنى اعتبار؟".
من جانبها، حذرت النائبة الألمانية هانا نيومان من خطورة التبعية، مؤكدة أن ارتهان القرار العسكري والتقني الأوروبي لإسرائيل سيشل قدرة القارة على اتخاذ أي موقف سياسي حاسم أو فرض عقوبات على انتهاكات تل أبيب الخارجية.
ازدواجية المعايير والضمير المستتر
وكشف التقرير الصحفى بوضوح عن الانفصام السياسي الأوروبي، ففي إسبانيا على سبيل المثال، بينما أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز مقاطعة شراء الأسلحة من إسرائيل وحظر الصفقات اعتراضاً على الإبادة الجماعية في غزة، لجأت الإدارة الإقليمية في العاصمة مدريد إلى طلب دعم الأمن السيبراني الإسرائيلي لتأمين المنشآت الحيوية.
وتحدث النائب الألماني نيكلاس هيربست، الذي برر الاندفاع نحو الشركات الإسرائيلية رغم جرائم الحرب قائلاً بوقاحة سياسية غير مواربة: "المسألة في النهاية تتعلق بما نريد شراءه.. هل نريد شراء ضمير مرتاح أم نريد شراء منتجات دفاعية؟".