شهدت أساليب الدعاية والاستقطاب التي تستخدمها الجماعات المحسوبة على جماعات الإرهاب، وفي مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية، تحولا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، مع انتقال جانب كبير من نشاطها من التحركات التقليدية على الأرض إلى الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأصبحت المنصات الرقمية ساحة رئيسية لمحاولات التأثير على الرأي العام، عبر توظيف تقنيات حديثة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى المضلل وهندسة التريند، مع التركيز بصورة خاصة على الفئات الأصغر سنا والأكثر استخداما لشبكات التواصل.
التزييف العميق يعيد صناعة الأحداث
برز استخدام تقنيات التزييف العميق باعتباره أحد أخطر أدوات التضليل الرقمي، بعدما تجاوزت عمليات الفبركة مجرد نشر نصوص أو صور غير دقيقة إلى إنتاج مقاطع صوتية ومرئية تبدو في ظاهرها حقيقية.
وتستهدف هذه المواد تقديم وقائع غير صحيحة باعتبارها أحداثا جارية، من خلال تركيب أصوات أو صور لشخصيات عامة ومسؤولين، أو إنتاج مشاهد وهمية مرتبطة بأحداث أمنية، بما يخلق حالة من الالتباس لدى المتلقي ويصعب عملية التحقق من حقيقة المحتوى المتداول.
كما تعتمد شبكات التضليل على إعادة نشر مقاطع قديمة وإخراجها من سياقها الزمني وربطها بأحداث حديثة، في محاولة لصناعة انطباع بوجود أزمات أو اضطرابات لم تقع في التوقيت الذي يتم الترويج فيه للمقطع.
الشائعات الاقتصادية والخدمية في دائرة الاستهداف
لم تتوقف محاولات التضليل عند القضايا السياسية والأمنية، وإنما امتدت إلى الملفات الاقتصادية والخدمية، من خلال نشر ادعاءات وشائعات تستهدف التأثير على سلوك المواطنين وزعزعة الثقة في المؤسسات الرسمية.
وتشمل هذه الممارسات تداول معلومات غير دقيقة بشأن القطاع المصرفي والتحويلات المالية للمصريين في الخارج، إلى جانب الترويج لشائعات حول نقص السلع أو اضطراب الأسواق، بما قد يدفع بعض المواطنين إلى اتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير صحيحة.
وتكتسب الشائعات الاقتصادية خطورة خاصة، لأنها تستهدف قطاعا واسعا من الجمهور وترتبط بصورة مباشرة بالحياة اليومية، ما يجعل سرعة انتشارها عبر المنصات الرقمية عاملا رئيسيا في تضخيم تأثيرها.
استهداف جيل زد بمحتوى مختلف
وفي مواجهة جيل جديد من مستخدمي الإنترنت، تغيرت أيضا أدوات الاستقطاب، حيث لم يعد الخطاب التقليدي القائم على البيانات المطولة أو اللقاءات المباشرة هو الوسيلة الرئيسية، وإنما اتجهت شبكات الدعاية إلى المحتوى القصير والسريع والقائم على الصورة والفيديو.
وتستغل الحسابات الوهمية والمنصات غير الموثوقة هذا النوع من المحتوى للوصول إلى الشباب من خلال رسائل عاطفية وقضايا اجتماعية وإنسانية، ثم الانتقال تدريجيا من التفاعل مع هذه القضايا إلى تمرير رسائل سياسية وأفكار موجهة.
ويعتمد هذا الأسلوب على إعادة تقديم أفكار وأدبيات قديمة في صورة رقمية حديثة، تتناسب مع طبيعة المنصات الجديدة وسرعة استهلاك المحتوى، بما يزيد من فرص انتشاره ووصوله إلى شرائح عمرية أصغر.
وتكشف هذه التطورات أن المواجهة لم تعد مرتبطة فقط بمنع المحتوى المخالف، وإنما أصبحت معركة وعي تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المستخدمين والمؤسسات على التحقق من المعلومات، ومراجعة مصادر الصور والفيديوهات والتسجيلات، وعدم التعامل مع المحتوى المتداول باعتباره حقيقة لمجرد انتشاره على نطاق واسع.
كما يمثل الوعي بأساليب الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي، إلى جانب سرعة الرد بالمعلومات الموثقة، أحد أهم أدوات مواجهة حملات التضليل التي تستهدف التأثير على الرأي العام وإثارة الخوف والارتباك وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.