داخل جماعة الإخوان الإرهابية، لا يبدو الانضمام مجرد قرار بالانتساب إلى كيان سياسي أو دعوي يمكن إنهاؤه بإعلان الاستقالة، فالتنظيم بنى على مدار عقود شبكة من الروابط الفكرية والتنظيمية والاجتماعية تجعل علاقة العضو بالجماعة أكثر تعقيدا من مجرد بطاقة عضوية. ولهذا فإن لحظة الخروج لا تعني دائما نهاية العلاقة، وإنما قد تتحول إلى بداية صراع جديد بين العضو السابق والتنظيم الذي كان جزءا منه.
وتكشف شهادات قيادات سابقة أن الانتقال من موقع «الأخ» إلى موقع «المنشق» صاحبه اتهام وتشويه ومحاولات لإسقاط شهادة الخارج من الجماعة، وكأن المشكلة لم تعد في الأفكار التي يطرحها، وإنما في أنه قرر كسر قاعدة الصمت ومغادرة الصف.
الخرباوي.. من «الأخ» إلى الشاهد على التنظيم
يقدم ثروت الخرباوي واحدة من أبرز الشهادات في هذا السياق فقد انضم إلى الإخوان وظل داخل التنظيم سنوات، قبل أن ينفصل عنه عام 2002، ثم يحول تجربته الداخلية إلى كتب تتناول بنية الجماعة الإرهابية وآليات اتخاذ القرار فيها.
ووصف الخرباوي خروجه بأنه لم يكن مجرد قرار تنظيمي، وإنما جاء بعد تراكم خلافات وتناقضات اكتشفها خلال سنوات وجوده داخل الجماعة. كما تحدث عن تعرضه بعد ذلك لحملات تشويه واتهامات بسبب كتاباته عن التنظيم.
وهنا تظهر المفارقة: الرجل الذي كان يتحدث من داخل الصف أصبح بعد خروجه موضع هجوم بسبب ما قاله عن الصف نفسه.
عندما يصبح المنشق هو المشكلة
قال الخرباوي إنه تعرض بعد بدء الكتابة عن الجماعة الإرهابية لحملات شديدة للتشويه وتعقب مقالاته واتهامات وصفها بغير الصحيحة، كما تحدث عن رسالة تحذير تلقاها من شخصية إخوانية رفيعة المستوى طالبه فيها بتخفيف هجومه.
وبصرف النظر عن تقييم كل رواية فردية، فإن هذه الشهادة تفتح بابا مهما لفهم ظاهرة الانشقاق: لماذا يصبح العضو السابق، بمجرد خروجه، خصما يجب إسقاط مصداقيته؟ الإجابة ترتبط بطبيعة الشهادة نفسها فالمنشق لا ينتقد الجماعة من خارجها، وإنما يمتلك معرفة بما يجري داخلها، ولذلك يصبح كلامه أكثر إحراجا للتنظيم عندما يتناول تفاصيله الداخلية.
«سر المعبد».. حين يتحول الخارج إلى مصدر للداخل
لم يكتف الخرباوي بالحديث عن تجربته في مقابلات صحفية وتليفزيونية، وإنما أصدر كتابه «سر المعبد»، الذي يقدم فيه روايته عن السنوات التي قضاها داخل الجماعة، ويتناول طريقة اتخاذ القرار والبنية التنظيمية وعلاقة القيادة بالأعضاء. وهذا الكتاب جاء بعد كتابه الأول «قلب الإخوان» الذي تناول فيه خروجه من الجماعة وأسلوب اتخاذ القرار فيها.
الخروج يكشف قوة «البيعة»
من أكثر المفاهيم التي تفسر صعوبة الانفصال عن التنظيم مفهوم «البيعة»، فالبيعة في الأدبيات التنظيمية ليست مجرد إعلان تأييد سياسي، وإنما ترتبط بفكرة الالتزام والسمع والطاعة. وفي «سر المعبد» تناول البيعة باعتبارها إحدى الأدوات التي ترتبط بالانضباط الداخلي ومركزية القرار داخل الجماعة.
ومن هنا تصبح مغادرة التنظيم أكثر من مجرد اختلاف مع قيادة فالعضو الذي تعود على النظر إلى الجماعة باعتبارها إطارا تنظيميا له التزامات خاصة، عندما يقرر الانسحاب فإنه يقطع علاقة بنيت على سنوات من التربية والروابط والتكليف.
«الخيانة».. السلاح الأخطر ضد الخارج
أحد أخطر الأساليب التي تكشفها شهادات المنشقين هو تحويل الخلاف الفكري أو التنظيمي إلى اتهام في الولاء، فبدلا من مناقشة ما يقوله العضو السابق، يمكن أن يتحول النقاش إلى التشكيك في دوافعه: لماذا خرج؟ من يقف وراءه؟ هل تغيرت مواقفه؟ وهل أصبح يعمل ضد الجماعة؟ وهنا ينتقل الصراع من الفكرة إلى الشخص.
وتصبح هذه الآلية أكثر تأثيرا داخل تنظيم كانت علاقاته قائمة على الثقة والبيعة والالتزام لأن نزع الثقة من الخارج يمكن أن يكون وسيلة لإسقاط شهادته قبل مناقشة مضمونها.
من «الاختلاف» إلى «الخروج»
الفرق بين الاختلاف والخروج يكشف طبيعة التنظيم ففي الحياة السياسية الطبيعية، يمكن لعضو أن يختلف مع قيادة حزبه، ثم يعلن استقالته أو ينتقل إلى حزب آخر، دون أن تتحول المسألة بالضرورة إلى معركة حول شخصه أو دينه أو أخلاقه.
أما داخل التنظيمات المغلقة، فإن الانفصال يمكن أن ينظر إليه باعتباره كسرا للولاء الجماعي، وهنا يصبح العضو السابق أمام معادلة صعبة: إما أن يبقى داخل الصف، أو يتحول إلى شخص يمكن للتنظيم أن يشكك في روايته.
الخرباوي ليس الحالة الوحيدة
التاريخ الإخواني شهد خروج أسماء وقيادات مختلفة لأسباب متباينة، بعضها فكري وبعضها تنظيمي وبعضها مرتبط بالخلاف مع القيادة، لكن أهمية الخرباوي تحديدا تأتي من أنه لم يكتف بالخروج، بل جعل تجربته موضوعا للكتابة والتحليل، وحول سنوات وجوده داخل التنظيم إلى شهادة منشورة يمكن مقارنتها بأدبيات الجماعة نفسها. كما أن كتاب «سر المعبد» اعتمد على تجربة المؤلف ومواد ووثائق ورسائل وكتابات مرتبطة بتاريخ الجماعة الإرهابية.
لماذا يخشى التنظيم شهادة الخارج؟
لأن العضو السابق يمتلك ثلاث ميزات لا يمتلكها المراقب من الخارج: كان موجودا.. عرف الأشخاص.. وعاش القواعد.
ولهذا تصبح شهادته قادرة على طرح أسئلة لا يستطيعها الباحث الخارجي وحده: كيف كان القرار يصدر؟ كيف كانت العلاقة بين المستويات التنظيمية؟ ما الذي كان يقال داخل الاجتماعات؟ وكيف كان يتم التعامل مع الاعتراض؟
وبالتالي فإن خروج العضو لا يسحب منه فقط عضويته بل قد يمنحه، المسافة التي تمكنه من رؤية التنظيم من الخارج للمرة الأولى.