كلما تغيرت البيئة المحيطة بجماعة الإخوان الإرهابية، تغيرت معها مفردات خطابها، لكن تغيير المصطلح لا يعني بالضرورة تغيير الفكرة التي يقف خلفه، فمن «الدعوة» و«الإصلاح» إلى «التمكين» و«الأستاذية»، ثم مفردات «الديمقراطية» و«الحريات» و«الدولة المدنية» في مراحل لاحقة، ظل الخطاب قادرا على إعادة ترتيب قاموسه بما يناسب الجمهور واللحظة السياسية.
الكلمة تتغير.. والهدف يبقى
في أدبيات حسن البنا، لم تكن الجماعة الإرهابية تقدم نفسها باعتبارها حزبا سياسيا بالمعنى التقليدي، وإنما باعتبارها مشروعا أوسع يبدأ من إصلاح الفرد ويمتد إلى الأسرة والمجتمع والدولة، ولهذا ظهرت مفردات مثل «الفرد المسلم» و«البيت المسلم» و«المجتمع المسلم»، إلى جانب «التمكين» و«أستاذية العالم»، باعتبارها حلقات في تصور متكامل للتغيير.
المشكلة لا تكمن في الكلمة منفردة، وإنما في وضعها داخل منظومة كاملة، فحين يتحول «الإصلاح» من قيمة عامة إلى مشروع لإعادة تشكيل المجتمع وفقا لرؤية تنظيمية محددة، تصبح الكلمة واجهة لغاية أكبر.
«الإصلاح».. المصطلح الأكثر مرونة
الإصلاح كلمة تستطيع الجماعة تقديمها بأكثر من معنى، ولهذا ظلت حاضرة في خطابها عبر مراحل مختلفة، فهي تصلح للخطاب الدعوي والاجتماعي، كما تصلح للخطاب السياسي، وتسمح للجماعة بتقديم نفسها باعتبارها طرفا يسعى إلى معالجة مشكلات المجتمع، من دون الكشف منذ البداية عن كامل تصورها السياسي، وهنا يصبح تغيير القاموس وسيلة للتواصل مع شرائح مختلفة، فالجمهور العام يسمع «الإصلاح»، بينما يقرأ العضو داخل الأدبيات التنظيمية مفاهيم أكثر تفصيلا عن بناء الفرد والأسرة والمجتمع والتمكين.
من «التمكين» إلى «الديمقراطية»
مع دخول الجماعة الإرهابية المجال السياسي بصورة أكثر وضوحا، تغيرت مساحة المفردات المستخدمة في الخطاب العام، وظهرت بقوة كلمات مثل «الديمقراطية»، «المشاركة السياسية»، «الحريات»، «التعددية» و«الدولة المدنية»، وهي مصطلحات تتناسب مع الخطاب السياسي الحديث وتسمح للجماعة بتقديم نفسها باعتبارها فاعلا سياسيا يمكنه العمل داخل النظام الديمقراطي.
«الدولة المدنية».. كلمة واحدة بأكثر من قراءة
من أكثر المصطلحات التي أثارت جدلا في خطاب الإخوان «الدولة المدنية»، ففي الخطاب السياسي، تبدو العبارة مألوفة ومطمئنة، لكنها لا تحمل بالضرورة المعنى نفسه عند وضعها بجوار أدبيات الجماعة الإرهابية المتعلقة بمرجعية الشريعة وطبيعة المجتمع والدولة، وهنا تظهر مشكلة المصطلحات الفضفاضة: الكلمة يمكن أن تبدو واحدة أمام الجمهور، بينما تحمل داخل كل منظومة فكرية دلالات مختلفة.
القاموس الجديد لا يلغي القاموس القديم
الأهم أن المفردات الحديثة لم تمح القديمة، فالبيعة لم تختف من البناء التنظيمي، والسمع والطاعة ظلا من المفاهيم المركزية في الأدبيات التنظيمية، كما بقيت فكرة التدرج في بناء المجتمع حاضرة في قراءة المشروع الإخواني، وبذلك يمكن أن يعيش قاموسان في الوقت نفسه: قاموس موجه إلى الجمهور، وقاموس تنظيمي داخلي، فالأول يتحدث عن الحريات والمشاركة والإصلاح، والثاني يتحدث عن الالتزام والبيعة والتربية والتمكين.
«تحديث اللغة».. آلية لاستقطاب جمهور جديد
هذه النقطة تصبح أكثر أهمية عند النظر إلى الأجيال الأصغر، فالشاب الذي لا يتفاعل مع كلمات مثل «الأستاذية» أو «التمكين» قد يكون أكثر قابلية للتفاعل مع كلمات مثل «العدالة» و«الحرية» و«حقوق الإنسان» و«التغيير»، وهنا لا يحتاج الخطاب إلى التخلي عن كل أفكاره القديمة يكفي أن يعيد تقديمها في مفردات أقرب إلى قاموس الجيل الجديد، فاللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الفكرة، وإنما أداة لاختيار الجمهور الذي يمكن أن يتقبلها.
من المنبر إلى الشاشة.. المنصة تغيرت أيضا
ومع انتقال جزء كبير من الخطاب السياسي والدعوي إلى مواقع التواصل، لم يعد ممكنا استخدام اللغة التنظيمية القديمة بالصورة نفسها أمام جمهور واسع، فالشاشة تحتاج إلى رسالة قصيرة، ومصطلح سهل، وصورة مؤثرة، وقصة شخصية، ولهذا يصبح تحديث القاموس جزءا من تحديث أدوات الوصول إلى الجمهور: الفكرة القديمة يمكن أن تدخل من بوابة جديدة إذا تغيرت اللغة التي تقدم بها.
تغيير المصطلح لا يساوي تغيير المشروع
لا يمكن الحكم على أي جماعة من خلال كلمة منفردة، كما لا يصح اعتبار استخدام مصطلح حديث دليلا تلقائيا على تبني كل مضامينه، لكن المقارنة بين مراحل الخطاب المختلفة تكشف أن الإخوان امتلكوا قدرة واضحة على إعادة صياغة خطابهم بحسب السياق، من لغة الدعوة والتربية والتمكين إلى لغة السياسة والحريات والمشاركة، وهنا تكمن خطورة قراءة الخطاب من سطحه فقط لأن الكلمة الجديدة قد تكون مجرد غلاف جديد لفكرة أقدم، فحين يتغير القاموس، لا يكفي أن نسأل: ماذا قالت الجماعة؟ الأدق أن نسأل: ماذا قالت في هذه المرحلة، وماذا كانت تقول عن الفكرة نفسها في أدبياتها السابقة؟، بين الإجابتين تظهر المسافة بين تغيير اللغة وتغيير الفكر، وبين تحديث الخطاب وتغيير المشروع.