في عصر يمتد فيه الشارع ليكون مجرد شاشة، لم نعد ننظر في المرآة لنرى ذواتنا، بل لنبحث عن أشباهنا في العالم الافتراضي.
لقد تحولت الملامح من بصمة تشهد على أصالة صاحبها، إلى مجرد صلصال تشكله أنامل الجراحين ورغبات المتابعين.
بين ضغطة زر على "إنستجرام" ولمسة إبرة في العيادة، ضاعت التفاصيل الإنسانية الرقيقة، وصار الجمال المعياري سِجناً اختيارياً تُساق إليه الأرواح قبل الأجساد.
نحن لا نجرُم الرغبة في التجميل، لكننا نتساءل عن سر هذا الهوس الذي يحول الجمال من "فطرة" تُكتشف، إلى "صنعة" تُكتسب وتُكرر.
لقد أصبحت الوجوه تشبه بعضها حد الذهول، وكأنها خرجت من خط إنتاج واحد، حتى بات التميز في عصرنا يعاقَب بالنسيان، والغربة تُلاحق من قرر الاحتفاظ بالخطوط التي رسمها الزمن على وجهه.
إنه طغيان الصورة على الجوهر، حيث يُقاس الاستحقاق بعدد "اللايكات"، وتُوزن القيمة بمدى مطابقة الملامح لمعايير الفلتر المصنوع.
يبدو الأمر وكأننا نركض خلف سراب لا يرتوي؛ فكلما عدّلنا عيباً مفترضاً، ابتكرت لنا الشاشات عيباً جديداً يطالب بالتعديل.
والمفارقة المؤلمة أننا في رحلة البحث عن "الكمال المطلق"، نفقد "الجمال الصادق"، نكسر قوالبنا الطبيعية لننزوي داخل قوالب جاهزة، فتتحول الوجوه إلى أقنعة صامتة تتشابه في الانحناءات، وتغيب عنها الحرارة الإنسانية وتعبيرات الفرح والحزن التي تجعل من كل إنسان حكاية فريدة لا تُكرر.
إن المحاولة المستمرة لإخضاع الجسد لمعايير المنصات الرقمية ليست سوى هروب من تصالح ذواتنا مع أنفسنا.
لقد نسينا أن الأناقة الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن الملامح ليست مجرد مساحة للتجميل، بل هي ذاكرة العمر ونبض المشاعر.
فهل نطرد هذا الخوف المترسب في أعماقنا، ونخلع أقنعة الشاشات لنبصر الجمال كامناً في اختلافنا، أم سنظل نطارد ظل جماعي يفر منا كلما اقتربنا منه؟