رضا فرحات

شي جين بينج في القاهرة.. شراكة تتجاوز حدود السياسة

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 06:00 م


بعد عشر سنوات، يعود الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، لكن العالم الذي يعود إليه ليس هو العالم الذي غادره، خلال عقد واحد تغيرت خرائط النفوذ، وتشابكت أزمات المنطقة، وأصبحت العلاقات بين الدول تقاس ليس فقط بما يجمعها من تاريخ، وإنما بما تستطيع أن تبنيه من مصالح في حاضر سريع التغير وفي القاهرة، حيث تمتد العلاقات المصرية الصينية إلى سبعة عقود، لتبدو الزيارة أقرب إلى محطة جديدة في مسار طويل، أكثر منها استعادة لذكرى قديمة.

منذ أن بدأت مصر والصين علاقاتهما الدبلوماسية في خمسينيات القرن الماضي، قطعت الشراكة بين البلدين مسافة طويلة؛ من التقارب السياسي إلى الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتعاون الدفاعي واليوم يأتي شي جين بينج إلى مصر في الذكرى السبعين لهذه العلاقات، وفي لحظة تحتاج فيها القاهرة وبكين إلى النظر إلى ما هو أبعد من حصيلة السنوات الماضية: ماذا يمكن أن تضيف هذه الشراكة إلى المستقبل، وكيف يمكن تحويل ما تراكم من ثقة ومصالح إلى تعاون أكثر عمقا وتأثيرا؟


اللافت أن الدولتين نجحا في الحفاظ على مسار متصاعد للتعاون منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في 30 مايو 1956، باعتبار مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وانتقلت العلاقة تدريجيا من التعاون السياسي إلى شراكة أكثر اتساعا، وصولا إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014 واليوم أصبح التعاون يشمل قطاعات تمس الاقتصاد والتنمية بصورة مباشرة، وهو ما يمنح زيارة الرئيس الصيني أهمية تتجاوز بعدها السياسي.

تملك مصر والصين عناصر مشتركة تجعل تطوير هذه العلاقة أمرا منطقيا حيث تمتلك مصر موقعا يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، إلى جانب قناة السويس وسوق كبيرة وامتداد واسع في العالمين العربي والأفريقي، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية وتكنولوجية وخبرات متراكمة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية والطاقة والنقل ومن هنا يمكن أن تتشكل مساحة واسعة من المصالح المشتركة، إذا جرى الانتقال من مجرد التعامل التجاري إلى شراكات إنتاجية أكثر عمقا.

الزيارة تكتسب أهمية كبيرة للإقتصاد المصري، القاهرة لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم الاستثمارات، وإنما إلى استثمارات تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد: مصانع جديدة، ونقل للتكنولوجيا، وتدريب للعمالة، وزيادة في المكون المحلي، وقدرة أكبر على التصدير، المشروع الذي يترك وراءه خبرات وكفاءات وسلاسل إنتاج محلية يختلف كثيرا عن مشروع ينتهي دوره عند حدود التنفيذ وهذه النقطة يمكن أن تكون واحدة من أهم أولويات الحوار المصري الصيني خلال المرحلة المقبلة.

كما أن التكنولوجيا تفتح مجالا آخر للتعاون، الصين أصبحت قوة عالمية في مجالات الاتصالات والتصنيع والتقنيات الحديثة، بينما تعمل مصر على توسيع قاعدة اقتصادها الرقمي وتطوير بنيتها التكنولوجية، الفرصة الحقيقية هنا ليست في استيراد التكنولوجيا فقط، وإنما في توطين المعرفة وتطوير الكوادر المصرية، بحيث يصبح التعاون وسيلة لبناء قدرات محلية قادرة على الاستمرار والنمو.

لا يمكن فصل هذه المصالح الاقتصادية عن الموقع الذي تحتله مصر في المنطقة، القاهرة تمتلك خبرة واتصالات واسعة في ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما أصبحت بكين أكثر اهتماما بقضايا المنطقة خلال السنوات الأخيرة ولذلك فإن لقاء الرئيسين يتيح مساحة للتشاور حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل أزمات تحتاج إلى اتصالات مستمرة وحلول سياسية قابلة للحياة.

أما التعاون العسكري، الذي شهد تطورا خلال الفترة الأخيرة، فتأتي التدريبات المشتركة في مقدمة مظاهره ويعكس التدريب الجوي «نسور الحضارة 2026» مستوى متقدما من التعاون وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة في البلدين ومن الطبيعي أن تسعى الدول إلى تطوير قدراتها من خلال التدريب والتعاون مع شركاء متعددين، خصوصا في ظل التطور السريع في طبيعة التهديدات والتكنولوجيا العسكرية.

وفي خلفية كل ذلك توجد حقيقة مهمة: مصر تنظر إلى علاقاتها الدولية من منظور المصالح المتعددة، و تطوير العلاقة مع الصين يأتي إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والدول العربية والأفريقية، هذه العلاقات لا تتعارض بالضرورة، بل يمكن أن تمنح القاهرة مساحات أوسع للعمل في ملفات مختلفة، طالما ظل معيارها الأساسي هو ما يخدم المصالح المصرية.

لكن نجاح هذا المسار يتوقف على القدرة على تحويل التفاهمات إلى نتائج، الزيارة يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة أكثر تركيزا على الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا والتجارة، وهي مجالات يمكن أن تحقق فوائد مباشرة إذا صيغت الاتفاقات على أساس احتياجات الاقتصاد المصري وقدرته على المنافسة، ولهذا فإن الذكرى السبعين للعلاقات المصرية الصينية لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة لاستعادة محطات الماضي الأهم هو النظر إلى ما يمكن أن يأتي بعدها، العالم يتغير، والاقتصاد الدولي يعيد ترتيب أولوياته، والتكنولوجيا أصبحت عنصرا أساسيا في القوة والنمو، ومصر تحتاج إلى شراكات تساعدها على التعامل مع هذه التحولات.

إن زيارة شي جين بينج إلى القاهرة فرصة لوضع أسس أكثر عملية للمرحلة المقبلة، بحيث لا تظل قوة العلاقات السياسية منفصلة عن الاقتصاد، ولا يبقى حجم التجارة منفصلا عن هدف بناء قاعدة إنتاجية مصرية أقوى.

سبعون عاما صنعت تاريخا طويلا بين القاهرة وبكين، لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل الذي يحتاج إلى استثمارات منتجة، وتكنولوجيا تنتقل، وصناعة تتوسع، وأسواق جديدة، وتعاون سياسي يستند إلى مصالح واضحة وإذا نجحت الزيارة في دفع هذه الملفات إلى الأمام، فإنها ستكون أكثر من احتفال بسبعة عقود من العلاقات؛ ستكون بداية لمرحلة جديدة من الشراكة، أكثر ارتباطا بما تحتاجه مصر وما تستطيع الصين أن تقدمه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة