في دراما التهاوي والانهيار الأخلاقي والسياسي، تبدو بوضوح حالة التخبط التي يعيشها المتصابي محمود حسين، والذي حاول ومعه ثلة من الأتباع المأجورين، تقديم أنفسهم كأوصياء على عقول الشعوب، غير أن الشاشات المأجورة والمنصات الاستعراضية لم تعد تتسع لهذا الكم من الزيف، بعدما تحولت حركاتهم وخطاباتهم إلى مجرد مشهد هزلي يكشف بؤس البدايات وخيبة النهايات، إنه خريف الأوهام الذي يتساقط فيه كل من ظن أن التجارة بالأوطان وشرف الكلمة يمكن أن تدوم أو تبني مجداً زائداً على حساب دماء واستقرار المجتمعات.
يعيش الإرهابي محمود حسين حالة متقدمة من انفصال الواقع، متمسكاً بظلال ماضٍ انتهى وركام مشروع سقط بحكم التاريخ والشعوب. يتنقل عبر الشاشات بكلام مكرر وشعارات جوفاء لم تعد تنخدع بها الأبصار، أداء فيه من المراهقة السياسية التصابى ما يبعث على الشفقة والتندر؛ حيث يحاول إلباس خطابه ثوب الشباب والتجديد، بينما الحقيقة تؤكد أنه مجرد هيكل فكري متهالك يعيش على أوهام البطولات الزائفة، ولم يتوقف الرجل عند حدود العجز الفكري، بل امتد به الأمر إلى محاولة تسويق هذا التهاوي باعتباره "نضالاً"، بينما هو في جوهره استماتة للحفاظ على مكاسب شخصية ومنافع مالية ضيقة.
وخلف هذه الصورة الهشة، تقف مجموعة من الأتباع المأجورين الذين تحولوا إلى مجرد بوق يستنسخ الشائعات ويضخم الأكاذيب، أصوات تجردت من كل معايير الشرف الإعلامي أو الضمير الإنساني، ارتضت لنفسها أن تكون أداة في أيدي من يدفع، تُملى عليها النصوص من غرف المخابرات الأجنبية لتلقيها عبر منصات ومنابر تبث سمومها من الخارج، ولقد تحول هؤلاء إلى أدوات وظيفية لا تملك من أمرها شيئاً، يقتاتون على إثارة الفتن واختلاق الأزمات، مستغلين كل حادثة أو ظرف في محاولة يائسة لإحداث حالة من البلبلة والاحتقان داخل الشارع العربي، ظناً منهم أن الضجيج الإعلامي قادر على تغيير واقع يرفضهم بالكامل.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد الكذب الصريح، بل اعتماد تقنيات التضليل النفسي الممنهج عبر شاشات الزيف، حيث تعتمد تلك الشاشات على التزييف الانتقائي للحقائق، واقتطاع الأحداث من سياقها، وصناعة سيناريوهات وهمية تستهدف ضرب الثقة بالذات الوطنية، وتيئيس الشعوب من غدها. غير أن هذه الإستراتيجية سقطت في شر أعمالها، بعدما أصبحت تلك المنصات مكشوفة للمواطن البسيط قبل الخبير، حيث تحولت من وسائل تأثير إلى مجرد مظاهر للتخبط والانهيار الداخلي، تعكس المدى الذي وصلت إليه تلك المجموعة من الانفصال عن نبض الشارع الحقيقي.
وإن المال المشبوه والتمويلات العابرة للحدود كانت ولا تزال هي العصب الرئيسي الذي يضمن استمرار هذه المسرحية الهزلية، فبدون الدفع المسبق وحسابات الدعم اللوجستي، لم يكن لهذه الأصوات أن تجد لها مكاناً أو صدى، غير أن المأساة الحقيقية لهؤلاء تتجلى في أن التمويل، مهما بلغ حجمه، لا يمكنه أن يشتري القبول الشعبي أو يمنح الشرعية لمن فقدها أمام أهله ووطنه، ولقد بات جلياً أن كل دولار يُنفق على شاشات التضليل لا يحصد سوى المزيد من الانكشاف والسقوط الأخلاقي والسياسي للممولين والمنفذين على حد سواء.
وتتجلى الحقيقة الناصعة اليوم في أن الوعي الجمعي للشعوب أثبت أنه الصخرة التي تتحطم عليها كل المخططات المشبوهة، وإن انكشاف أقنعة المتصابي محمود حسين وأتباعه المأجورين لم يكن وليد المصادفة، بل كان نتيجة طبيعية ليقظة الشارع وثبات الدولة الوطنية في مواجهة الشائعات، ولقد طويت صفحة هؤلاء إلى غير رجعة، وأصبحوا مجرد هامش مهمل في كتاب التاريخ، يتذكرهم الجميع ليس كأصحاب فكرة، بل كعبرة لكل من ارتضى أن يكون خنجراً في ظهر وطنه وأمته.