حازم حسين

كلب المُحب وقلب المُرائى

الأحد، 09 أغسطس 2026 02:00 م


«ما رأيتكم، ولو كنتم تُحبّون الله كما أُحب ليلى؛ لَمَا رأيتمونى».. قالها قيس بن المُلوّح على صفاء البديهة فى مقامِ عتابٍ، وما كان يدرى أنه يُعرّى بها الواقفين جميعًا فى مقامات رياء!

تقول القصة؛ إنه كان يقتفى أثرَ كلبٍ يخصُّ محبوبته، وإذ هو فى حال استلابٍ وذهول، مرّ على جماعة يُصلّون، وعندما عاد وقد فرغوا من صلاتهم، استهجنوا أنه لم يصطفّ معهم لأداء الفريضة؛ فردَّ عليهم بالجملة السالفة!
وزاد الشاعرُ العاشقُ تقريعًا لهم: «أنتم بين يَدَى الله ورأيتمونى، وأنا بين يَدَى كلبِها ولم أرَكُم».. فأقام عليهم الحجّة بالانصراف عن الغاية لِمَا دونها، والالتفات إلى الناس فى لحظة ينبغى أن تنصرف فيها الجوارح كلها للوقوف أمام رب الناس.

كلبُ المُحبِّ المجنون، فضح؛ وإنْ من غير قَصدٍ، صلوات المُرائين الذين يدّعون العقل والدين!
لا تخلو الحكايةُ من طرافة، وتبدو المفارقةُ فيها خَشِنَةً، ومُركّبةً تركيبًا ذهنيًّا لا ثغرةَ فيه. وقد تكون حقيقيَّةً أو مصنوعة، كنوادر ونصوص بلا حصرٍ فى بطن التراث؛ غير أننى تذكّرتُها مُؤخّرًا مع واقعةٍ راجعت عبر المواقع الاجتماعية.

سيّدةٌ فاضلة قرَّرت فجأة أن تصلّى فى مطعم، وضاقت برَفض المُدير؛ فصعَّدَت الموقف المحدود بمكان وزمان وأفراد. عرضته على الملأ، واحتَمَتْ بالعاطفة وقدسية الدين، والمزايدة بكلِّ ما يمُتّ له بصِلَة ولو من بعيدٍ، لتنتهى الدراما بقَطعِ رزقٍ، مع اعتذارٍ مأخوذٍ بسيف القهر!
ولستُ مَعنيًّا بالخاص من المسألة على الإطلاق؛ لكنها بكلِّ التفاصيل المطروحة عنها تُجسّد عَرَضًا لمرضٍ، وتصلح للاستعانة بها فى فهم كثيرٍ من اختلالات المجال العام، وسوء علاقة الناس بالفضاء المشترك، ونطاعة البعض فى فرض قوانينهم على الآخرين.

وأوّل المُلاحظات؛ أنها غطّت الأثير، واستهلكت وقت الملايين؛ كأن لا شىء أهمّ منها ولا أكثر قيمة على الإطلاق!
ولأجل التفنيد أوّلاً؛ فالمُبرر المُعلَن من صاحبة القصة وصديقاتها، أن صلاة العصر اقتربت، وكاد الظهر يفوتها. والمفارقة أن بينهما نحو ثلاث ساعات ونصف، لم تقضِها كاملةً بالتأكيد على طاولة الطعام، والمكان فى مركز تجارى، به عِدّة ساحاتٍ للمُصلِّين!
أقربُ مرجعيّةٍ فقهية للقياس، ما يخص حُكم الصلاة فى «الأرض المغصوبة»، سواء كان الغصبُ ناشئًا عن نَزعٍ لولاية صاحبها، أو مُغافلةٍ له واحتيال عليه.
الحنابلةُ والظاهريّةُ يُحرّمونها، والجمهور صحَّح الفعل وأثّمَ صاحبه. أى أن الصلاة تحوّطها شبهةُ عدم القبول، وفى الحدِّ الأدنى فإنها مشمولةٌ بالإثم/ الذنب!
أمَّا بعيدًا من مُجاراة الأُصوليِّين فى اختزال كل شىء، والتفكير فيه بطريقة دينية محضة؛ فالأصلُ أنَّ المجال العام مساحة مشتركة، ولكلِّ حَيِّزٍ وظيفةٌ خُصِّصَ لها.

وكما لا يلهو الناس فى دُور العبادة، ولا يجلسون فى نهر الطريق؛ فليس من حقِّهم أن يُعَدّلوا شروطَ مكان، ولا أن يُوظّفوه فى غير ما أُعِدَّ له، ويرضاه ويُقرّه القائمون عليه دون إملاء أو ابتزاز!
والمطاعمُ جُعِلَت لغرضٍ واضح، ولها سياساتٌ يلتزمها العاملون قبل الزبائن؛ ما يعنى أنَّ المدير كان يُطبِّق لائحةً مفروضةً عليه، ويتصدَّى لمُخالفة لم يُخوّل فى الإذن بها لآحاد المتعاملين.

أى أنه كان يُؤدِّى الدورَ المنوط به؛ ولو خذلته جهة عمله وباعته للمتطرفين وضباع السوشيال ميديا لاحقا.
وذلك طبعا؛ دون تبرير ما قد يكون تجاوز فيه الموظّف، أو التغافل عن التسبيب والترتيب المَنطقيَّين للأزمة، ومنشأها الاستباحةُ وعدم الالتزام بالقواعد!
اعتذرت الإدارة، وأعلنت أنها فصلت عاملها. والمُؤكَّد أنها كانت تمتصّ غضبةَ الغاضبين، وتخشى ابتزاز البعض بدعاوى المقاطعة، وقد تنقله لفرعٍ آخر، أو لمنصّة خلفية لا تتعامل مع الجمهور.

غير أن السلوك يبقى مُتناقِضًا، لا يخلو من نفاق، ويُشجِّع أصحاب النزعة الاستحقاقية على مزيدٍ من الغزوات.
الدِّينُ مُكوِّنٌ أصيل لدى عموم المصريين، انتماءً ووعيًا وممارسة، والذين لا يُجاهرون أكثر من غيرهم، وجميعهم ليسوا فى حاجة إلى من يُعلّمهم إيّاه، أو يُزايد به عليهم.

سخيفةٌ تلك الحكاية بكلِّ تفاصيلها، ولا أجدُ مُعادِلاً لها غير القصة التى نتندَّر بها من طفولتنا، عن الولدِ السَّمِج الذى يستحلُّ طعامك، ويعتدى عليك، ويلقى أشياءك على بلاط الفصل.
ثم ما إنْ تقترب منه؛ حتى يضع حقيبته فاصلاً بينكما، ويقول باستعطافٍ مًصطَنعٍ وشديد اللزوجة: «الشنطة فيها كتاب دين».
وتلك النوعية، كُنّا نكتشفُ لاحقًا أنهم من عائلات إخوانية أو سَلَفيّة، وغالبًا ما كانت تُمسَخ أرواحُهم، ويتحوّلون لاحقًا إلى مجرّد رؤوس ضمن القطيع.
ولا أقصدُ التعميم قَطعًا، ولا أنَّ كلَّ مَن يُظهِرُ علامات التديُّن قَصدًا، ينتمى إلى تلك الفئات بالضرورة؛ لكنه قد يكون مريضًا بأمراضهم، ويُمثِّلُ الخَطَر نفسه على الهُويّة والمَدنيّة وفكرة المواطنة الحقيقية.
إنها المظهرية الكاذبة، وتغليب الشكل على المضمون، واختزال العقيدة بكل قِيَمها وسُموّها الروحى فى جانب الطقوس دون غيرها؛ حتى لو تناقض المظهر مع المَخْبَر!
حافظ الإخوان على الظاهر؛ لكنهم كذبوا واحتالوا وقتلوا ومارسوا الإرهاب. جماعات الدم فى الثمانينيات والتسعينيات كانوا يعتادون المساجد، وكل ما عانته مصر فى عقودها الماضية من رجالٍ بلِحَىً وجلابيب قصيرة!
وكان القَصدُ؛ أن يُجَرّ الناس بالشكلانية، وأن يُؤطَّر الاعتقاد فى هيئة بعَينها، فيفرض فريقٌ سطوته على قلوب الناس وأرواحهم، ويتأتّى له أن يحلب دعمهم وأموالهم، وأصواتهم أيضا فى النقابات والانتخابات العامة وغيرها!
المسألةُ ليست المطعم؛ بل استحلال الشارع والرصيف والمدرسة والجامعة وكلّ مُؤسَّسة حكومية أو مكان عام.

ابتلاع المُشتَرَك، وصبغُه بلَونٍ وحيد، مُقابلَ التصدِّى للآخرين إنْ سَعَوا لممارسة حياتهم العادية؛ كأن يُغَنّون ويرقصون ويبتهجون من دون مُنغّصاتٍ أو مُزايدات وتشنيع وتكفير؛ حتى لو باحترام طبيعة الأماكن المُخصّصة لذلك، كالأندية والشواطئ والمسارح وقاعات الأفراح.
جولةٌ على المنصّات الاجتماعية، واستطلاعٌ للتعليقات على صفحات المشاهير والشخصيات العامة وأخبارهم؛ ستجد الضِّباع ينهشون كلَّ ما لا يعجبهم، وكأنهم يُروّضون المُختَلِف ويردعونه بالترهيب الفجّ، ويسعون لتطبيع حال الاستباحة والافتراس.
وقد يذهبون بعدها للوضوء، أو اصطناع أزمةٍ مع عامل فى مقهى أو مطعَم، والتسبب فى طردِه، بلا أدنى إنسانية أو شعور بوخز الضمير.
يعودُ الأمرُ للتربية، وجذوره مُمتدّة إلى زمن الصحوات وتضخُّم الجماعات الدينية منذ السبعينيات، وحلوله فى البيت والمدرسة على المدى الطويل، وفى الانضباط والحسم الآن، وتفعيل القانون فى كلِّ وقتٍ ومكان.

الذين غايتهم الله لن يروا البشر؛ كحال مجنون ليلى. والذين يُحبّون أن تُرَى صلاتهم؛ سيُجاهرون بها، ويفتعلون الأزمات لو انصرفت عنهم العيون.
ويبقى أن الدين المُعاملة؛ وكل فظٍّ غليظ القلب إنما يتقصّد شيئا غير وجه الله، ويُمارس ما لا صِلة له بالأديان!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة