أرى بوضوحٍ تام وتأمّلٍ عميق ومستفيض أن الشائعة الرقمية الزائفة والمحتوى المضلل الخادع، المنتشرين حاليًا بكثافة فائقة ووفرة غير مسبوقة في هذا العصر التقني المعاصر والمتسارع المتغير، يشكلان بالفعل وبلا شك خطرًا داهمًا ومحدقًا، وتحديًا لحظيًّا مباشرًا، يتجاوز بتأثيره التدميري كليًا وجذريًا جميع أبعاد وحدود الزمان والمكان؛ إذ إنهما قد اتسعا وامتد نطاقهما مُنذ فترة ليست بالقصيرة على الإطلاق لتتجاوز مستوى حدود النقل العابر والتقليدي للأكاذيب العارية والأقاويل الزائفة الباطلة؛ ليغدو وتحت واقع الأمر والحقيقة القائمة معول هدمٍ فكري فتاكًا ومدمّرًا، ومخططًا خبيثًا مدروسًا يستهدف بعمقٍ ونفاذ اختراق حصون وقلاع السلم الفكري والأمني، وينال من كافة مجالات الحياة وأنماطها، وبالطبع يؤدي ذلك إلى زعزعة أركان الاستقرار الاجتماعي والسكينة العامة، وخلخلة أساسات البناء المعرفي والقيمي المستقر والراسخ لدى الفرد والمجتمع.
أعتقد أن صناعة الزيف الرقمي والتضليل الإلكتروني أضحت تعتمد اعتمادًا كليًا ومباشرًا على مخاطبة المنظومة الوجدانية والمشاعر العاطفية للجمهور المتلقي، متجاوزةً بذلك مخاطبة عقل المتلقي وتحليله المنطقي السليم؛ إذ تُستغلّ الأحداث الراهنة والقضايا الحساسة - وعلى وجه الخصوص الفترات الحرجة كبعد إعلان نتائج الثانوية العامة - لتأجيج الانفعالات الجياشة، وشحن النفوس، وبث مشاعر القلق واليأس والإحباط المتزايد، وهذا الشحن العاطفي الممنهج يحول القناعات الإيجابية والآمال المشروعة لدى الطالب وأسرته إلى حالة مستمرة من الشك والريبة والقلق والخوف، متسببًا في توليد نوبات متكررة من التردد القسري والشلل الفكري تجاه المستقبل.
نشاهد سويًا حالة من الاستغلال المفرط من خلال المنصات الرقمية؛ إزاء ثغرة تأخر أو غياب الدعم المعلوماتي المباشر والرسمي من المؤسسات المعنية، لتُنتج بيئة ضبابية تدفع الفرد سيكولوجيًّا للتعلق بأي تفسير أو عرض وجهات نظر موجهة لا توصف إلا بأنها مضللة تحاول أن تملأ الفراغ المعرفي للمتلقي، وفي هذا الخضم، يختلط الدافع التجاري لصناع المحتوى ورغبتهم في حصد المشاهدات بآليات التسويق غير الدقيق للمؤسسات والبرامج الأكاديمية الممولة؛ فيتم تسويق تخصصات في سياق وهمي تحت شعارات براقة وتوظيف مدروس لظاهرة "الترند"، مما يربك المعايير الموضوعية لاختيار التخصص الأنسب من قبل الطالب وأسرته.
تتضاعف وتزداد خطورة الدعاية غير الدقيقة، وتتفاقم أبعاد اختلاط المراجعات والتقييمات بالترويج والإعلانات التجارية المدفوعة، عندما تصطدم هذه الفوضى بالمؤشرات الحساسة والبنية النفسية المعقدة للأسرة المصرية، التي تمر بطبيعتها وظروفها الاستثنائية بمرحلة حرجة من القلق المرتفع والتوتر العصبي المشدود عقب إعلان نتائج الثانوية العامة فورًا، وأرى بوضوح أن هذا الاضطراب الأسري الحاد ينشأ في أساسه من تداخل الرغبة الجامحة والمفرطة المرتبطة بدرجات الطلاب مع الخوف الشديد والهاجس المتزايد من المستقبل والمجهول؛ علاوة على التصادم والمواجهة المستمرة بين الأماني الطموحة والوصاية الأسرية المباشرة من جهة، وبين الميول والقدرات الشخصية الحقيقية والواقعية للطالب من جهة أخرى، وأعتقد أن هذا التعارض المركب يؤدي حتمًا إلى مزيد من التشتت الأسري المؤرق والضغط النفسي والذهني المتزايد على الطالب.
تُضاعِف الدعاية الرقمية والآراء العشوائية على المنصات من حدة هذه الضغوط، بتقديمها نماذج نجاح زائفة تُذكي ثقافة المقارنة الظالمة، مما يُثبط عزيمة الطالب ويُكرّس لديه مشاعر الإخفاق؛ وهو ما يفرض على الحكمة التربوية من قبل الكيان الأسري التسامي عن اختزال التقييم في لغة "الأرقام والمجموع"، والإدراك بأن مرحلة ما بعد الثانوية هي محطة انطلاق شمولية لبناء الذات وتطوير القدرات، وليست استجابة لضغوط مجاميع التنسيق أو المسميات البراقة، وهنا يستلزم مراجعة ما يمتلكه الطالب من قدرات ومهارات متفردة تساعده في أن يكون رائدًا في مجاله المستقبلي.
يُمثل الفارق بين الصورة الإعلانية للكلية وواقعها الأكاديمي والوظيفي أساس الأزمة التي يعاني منها طلاب هذه المرحلة الحرجة، وهنا أود التأكيد على أن الاختيار الرشيد يتطلب فحص خريطة المقررات ونوعية المناهج والخبرات التطبيقية التي تقدمها الجامعة، بعيدًا عن الشعارات التسويقية الفضفاضة، للوقوف على التخصصات المطلوبة فعليًا في أرض الواقع؛ فسوق العمل المعاصر والمتغير لا يعترف بالألقاب الشاهقة بقدر اعتماده على جدارات القرن الحادي والعشرين، وفي مقدمتها مهارات التفكير السابر، والحلول الابتكارية، والتعامل الذكي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، والقدرات التقنية واللغوية، وقابلية التكيف مع المهن المتجددة؛ ومن ثم ينبغي على الأسرة والطالب العودة إلى الإطار الوطني للمؤهلات، وهندسة التقييم القائم على الجدارة، والأوعية الرسمية الموثوقة لتحديد القيمة العلمية والمهنية الفعلية للشهادات والتخصصات الأكاديمية المطروحة بدلًا من الانسياق خلف الإعلانات التجاريّة.
لصيانة وحماية عقول وأفكار الطلاب وأسرهم الكريمة ضد أمواج وعواصف الفضاء الرقمي المفتوح وتحدياته والدعاية المضللة غير الدقيقة، ظهرت وتبلورت استراتيجية مقترحة شاملة للمواجهة الفعالة والوعي المعرفي المستدام الذي تتكامل وتتضافر فيها كل أدوار المنظومة التربوية والتعليمية والمجتمعية المختلفة، وتبدأ هذه الاستراتيجية الرائدة بتدريب وتأهيل الطلاب على ممارسة مهارات التفكير العليا (المتطورة كالتحليل العميق، والتفسير الدقيق، والاستنباط المنطقي، وتقييم الحجج والأدلة) لتمكينهم وتسليحهم من خلالها من ممارسة نقد وفحص المحتوى الرقمي المنشور والتمييز الموضوعي المنهجي بين النصيحة الأكاديمية النزيهة المخلصة والدعاية التسويقية المدفوعة المغرضة.
كما تتطلب وتقتضي هذه الرؤية تفعيل وترسيخ مثلث الرعاية المجتمعية القائم على التعاون والتكامل الوثيق بين أركان البيت والمؤسسة التعليمية التربوية ووسائل الإعلام الوطنية الهادفة، لتقديم كافة أشكال الدعم النفسي والوجداني المتوازن القائم على فتح لغة الحوار البنّاء والشورى الأسرية المستمرة، بعيدًا عن ظواهر الشحن النفسي وسياسة الإغراق المعرفي العشوائي، ويرافق ذلك ويسانده ضرورة اعتماد وتطبيق الجهات الرسمية التنفيذية والمؤسسات الجامعية الأكاديمية استراتيجية الرد الفوري والناجز، والإسناد المعلوماتي الدقيق والمباشر لكافة التخصصات المستقبلية والفرص الدراسية المتاحة، لإغلاق جميع منافذ ومسارات التضليل الخادع؛ لأن ذلك التوجه يعمل بمنهجية محكمة على تعزيز وترسيخ الاستقلال الذاتي والرقابة الداخلية لدى الطالب الطموح، وتحفيز وإذكاء شغفه المستمر نحو تحصيل المعرفة الحقيقية والبحث والاستكشاف الميداني الجاد، ليصبح في النهاية صانعًا حقيقيًا لقراره الأكاديمي المستقبلي والمهني المرتقب بكل ثقة ويقين ومسؤولية تامة.