في خضمّ سرعة الحياة، لم يعد الإنسان يلتفت إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح الأشياء روحًا ومعنى، وتجعل من أبسط الأدوات اليومية عملًا فنيًا يحمل ملامح عصره وثقافته.
فقد كانت الملابس، والمنازل، والأثاث، وحتى الأدوات البسيطة، تُصنع بروح تؤمن بأن الجمال ضرورة حياتية، لا رفاهية ولا تكلّفًا.
اقرأ أيضا..
الفن والتأمل.. بوابة إلى عالم الجمال المجاني
وحين نتأمل حضارات الماضي، نندهش من قدرة الإنسان القديم على تحويل الحجر والخشب والمعادن إلى أعمال فنية نابضة بالحياة؛ فالمعابد، والقصور، والمباني كانت تحمل أدق التفاصيل الهندسية، وتفيض بالخطوط والزخارف والألوان، رغم محدودية الإمكانات مقارنة بما نملكه اليوم.
ومع ذلك، استطاع الإنسان أن يترك وراءه إرثًا خالدًا يشهد على ذوقه الفني ووعيه الجمالي.
ثم امتد هذا الوهج عبر العصور، فوجدناه حاضرًا في الفن القبطي والإسلامي، وفي العمارة، والزخرفة، والأبواب، والنوافذ، والأقمشة، والزجاج، وحتى في أدوات الحياة اليومية. كما تُعد العمارة الصينية القديمة مثالا بارزا على الإبداع المعماري، إذ اعتمدت على الخشب في البناء بدقة متناهية، وثراء في التفاصيل، وبراعة في التصميم. لقد كان الفن جزءا أصيلا من تكوين الإنسان، لا عنصرا منفصلًا عنه أو ترف ورفاهية حتى فى البيوت المتواضعة تجد لمسة فنية السهل الممتنع.
أما اليوم، فرغم ما نملكه من تقنيات هائلة، وآلات متطورة، وقدرات غير مسبوقة على البناء والتصميم، فقد استسلم الإنسان لإيقاع الحياة السريع، ولمنطق الاستثمار السريع، حتى أصبحت البساطة تُفهم أحيانًا على أنها تجريدٌ من الروح الفنية والجمالية.
اختفت الألوان تدريجيًا من شوارعنا وبيوتنا، وتراجع حضور الفن في تفاصيل الحياة، حتى غدت المدن متشابهة بواجهاتها الزجاجية الباردة، وأعمدتها المعدنية الصامتة، ومبانيها ذات اللون الواحد، الخالية من الحكايات والهوية التي كانت ترويها تفاصيلها، شاهدةً على مهارة صانعيها ونظرتهم إلى الحياة، وما يحملونه من حس فني متوارث.
اقرأ أيضا..
اليوبيل الذهبى للتشكيليين.. هل سيتحول الفنان إلى صنايعي نصوص كتابية؟!
وباتت الإضاءة الاصطناعية والإعلانات الضخمة المصدرَ الرئيس للإبهار البصري، بينما تراجعت القيمة الجمالية الحقيقية التي كانت تسكن الأشياء قديمًا.
ولا يزال الإنسان المعاصر يكتفي بالحفاظ على المباني التراثية بوصفها ذكرى من الماضي، دون أن يسعى إلى استكمال مسيرة الإبداع. بل أصبحت المباني متشابهة في كثير من دول العالم بفعل أنماط الاستثمار الحديثة، كما فقدت الأدوات والمنتجات المحلية كثيرًا من هويتها مع اتساع حركة الاستيراد والتصدير، حتى تلاشت السمات التي كانت تميز كل بلد، ولم يبق من تلك الهوية إلا ما تحفظه المباني التاريخية والتراثية.
فلماذا اختفت الألوان؟ وأين التفاصيل التي كانت تمنح بيوت أجدادنا الدفء والبهجة؟ وأين ذلك الحس الفني الذي كان حاضرًا في الملابس، والأثاث، والأدوات البسيطة؟
لم يكن الجمال يوما ترفا ولا تكلفا، بل كان أسلوب حياة. وأتمنى أن نعيد الاهتمام بهذه التفاصيل في بيوتنا وملابسنا، وأن نصنع بأيدينا ما يحمل بصمتنا الخاصة، فنترك لأبنائنا وأحفادنا ذكريات تحكي كيف كنا نعيش الجمال، وكيف كان الجمال يعيش فينا.