هناك أفلام تنتهي بمجرد ظهور شارة النهاية، وأخرى تبدأ رحلتها الحقيقية بعد مغادرة قاعة السينما. وينتمي فيلم The Odyssey للمخرج كريستوفر نولان إلى الفئة الثانية، فهو ليس مجرد عمل سينمائي يقتبس واحدة من أشهر الملاحم الأدبية في التاريخ، بل تجربة فكرية وإنسانية تدفع المشاهد إلى إعادة التفكير في مفاهيم الحرب والعودة والهوية.
منذ أكثر من 2700 عام، كتب هوميروس ملحمته الخالدة الأوديسة، التي أصبحت مع مرور الزمن إحدى الركائز الأساسية للأدب العالمي، ومصدر إلهام لا ينتهى للكتاب والمخرجين والفنانين، ومع إعلان نولان عن تحويلها إلى فيلم سينمائي كانت عبارة عن خطوة مخاطرتها كبيرة، فالتعامل مع عمل بهذا الثقل التاريخي والأدبي لا يحتمل الاكتفاء بالإبهار البصري أو إعادة سرد الأحداث كما جاءت في النص الأصلي.
لكن نولان اختار طريقًا مختلفًا، فلم يسع إلى تقديم نسخة حرفية من الملحمة، ولم يحولها إلى فيلم مغامرات يعتمد على المعارك والمؤثرات البصرية وحدها، بل استخدم الرحلة الشهيرة لأوديسيوس ليطرح سؤالًا إنسانيًا يظل حاضرًا طوال أحداث الفيلم: هل يستطيع الإنسان أن يعود من الحرب كما كان قبلها؟
قد تبدو القصة في ظاهرها رحلة ملك يحاول العودة إلى وطنه بعد سنوات طويلة من الغياب، لكنها في جوهرها رحلة داخل النفس البشرية، فالبحر هنا ليس مجرد طريق يفصل بين البطل ووطنه، وإنما مساحة يواجه فيها الإنسان نفسه، ويكتشف حجم التغير الذي أحدثته الحرب داخله، ولذلك لا يصبح السؤال الحقيقي هو ما حيثا كان أوديسيوس سيصل إلى إيثاكا، وإنما أي نسخة من أوديسيوس ستصل إليها.
هذه الفكرة ليست غريبة على عالم نولان، الذي انشغل طوال مسيرته السينمائية بأسئلة الزمن والذاكرة والخسارة وتأثير التجارب القاسية في الإنسان. ففي Memento كان البحث عن الحقيقة هو المحرك الأساسي للأحداث، وفي Inception كانت العودة إلى الأبناء هي الدافع وراء الرحلة، بينما تحولت المسافات الكونية في Interstellar إلى اختبار لمعنى التضحية والعائلة، أما في The Odyssey، فإن العودة نفسها تصبح موضع تساؤل، وكأن نولان يقول إن أصعب رحلة قد لا تكون الوصول إلى الوطن، بل استعادة الذات.
وكعادته يمنح نولان الصورة أولوية تسبق الحوار، فالبحر لا يؤدي دور الخلفية البصرية، بل يتحول إلى شخصية رئيسية في الفيلم، خصم يختبر الإنسان في كل لحظة، ورمز لضآلة البشر أمام الزمن والطبيعة، وتبرز هذه الفكرة في اللقطات الواسعة التي تجعل السفينة تبدو نقطة صغيرة وسط الامتداد الهائل للمحيط، في مشاهد تحمل من الدلالات أكثر مما تقوله الكلمات.
ويأتي هذا التأثير البصري نتيجة التعاون المستمر بين نولان ومدير التصوير هويت فان هويتما، الذي يواصل تقديم صور سينمائية آسرة كما فعل في Interstellar وDunkirk ،Oppenheimer، ومع التصوير بكاميرات IMAX، ينجح العمل في منح المشاهد إحساسًا بأنه يعيش الرحلة بنفسه، لا أنه يراقبها من بعيد.
ولا تقل مواقع التصوير أهمية عن الشخصيات نفسها، حيث اعتمد The Odyssey على أماكن حقيقية مثل آيت بن حدو في المغرب، وجزيرة فافينيانا في صقلية، ومنطقة بيلوس في اليونان، إضافة إلى الطبيعة القاسية في جزيرة سكاي الاسكتلندية، ولم يكن اختيار هذه المواقع بهدف الاستعراض البصري، بل لتصبح الطبيعة جزءًا من السرد، حيث تحمل كل محطة أثرًا جديدًا في رحلة أوديسيوس وتحولاته النفسية.
ورغم أن الفيلم يستند إلى واحدة من أشهر الملاحم الحربية، فإنه لا يعتمد على مشاهد القتال بوصفها العنصر الرئيسي في بناء التوتر، فالكثير من المواجهات تقوم على الحوار وصراع الأفكار، حيث تتحول الكلمات إلى سلاح لا يقل تأثيرًا عن السيف، ويؤكد نولان مرة أخرى إيمانه بأن الصراع الفكري قادر على صناعة دراما أكثر عمقًا من الاعتماد المستمر على الأكشن.
ويقدم النجم العالمى مات ديمون أحد أكثر أدواره نضجًا، حيث يجسد أوديسيوس بصورة إنسانية بعيدة عن صورة البطل الأسطوري الذي لا يعرف الضعف أو الخطأ، أما النجمة العالمية آن هاثاواي، فتمنح شخصية بينيلوبي حضورًا هادئًا ومؤثرًا، لتؤكد أن الانتظار كان رحلة موازية لا تقل قسوة عن رحلة العودة نفسها، كما يضيف النجم الشاب توم هولاند بعدًا عاطفيًا مهمًا من خلال شخصية تيليماخوس، الذي لا يبحث فقط عن والده، بل عن هويته أيضًا.
وتلعب الموسيقى التصويرية دورًا بارزًا في تعميق الحالة الشعورية، حيث تعكس اتساع البحر ووحدة الرحلة وثقل السنوات التي يحملها أوديسيوس فوق كتفيه، لتصبح شريكًا أساسيًا في السرد لا مجرد خلفية صوتية.
ورغم كل هذه العناصر فإن The Odyssey قد لا يناسب جميع المشاهدين، فإيقاعه يتسم بالهدوء مقارنة بما قد يتوقعه البعض من فيلم ملحمي بهذا الحجم، غير أن هذا الإيقاع يبدو اختيارًا واعيًا، لأنه يمنح الشخصيات مساحة للتأمل، ويجعل المشاهد يعيش الرحلة نفسيًا قبل أن يتابعها بصريًا.
في النهاية، ينجح The Odyssey في تقديم قراءة سينمائية معاصرة لواحدة من أقدم الملاحم الإنسانية، دون أن يفقدها روحها الأصلية، لنه عمل لا يراهن على ضخامة الإنتاج أو كثافة المعارك بقدر ما يراهن على الفكرة، وعلى قدرة السينما في إعادة طرح الأسئلة القديمة بلغة جديدة.
وربما لهذا السبب يظل The Odyssey حاضرًا في ذهن المشاهد بعد انتهاء عرضه، لأنه لا يتحدث عن أوديسيوس وحده، بل عن كل إنسان خاض حربًا من نوع ما، ثم اكتشف أن أصعب رحلة في حياته لم تكن رحلة الرحيل، وإنما رحلة العودة.