هند عزت تكتب: من يدفع ثمن كلمة لا؟ الوجه الآخر لنصائح التمكين السهلة

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 04:49 م
هند عزت تكتب: من يدفع ثمن كلمة لا؟ الوجه الآخر لنصائح التمكين السهلة هند عزت تكتب: من يدفع ثمن كلمة لا

أكثر نصيحة تتكرر للنساء على السوشيال ميديا هذه الأيام بسيطة جدًا: لا ترهقي نفسك بالكثير من الأعباء، ضعي حدودًا، بالطبع لا أحد يختلف مع النصيحة نفسها، لكنني كلما سمعتها، خطر لي سؤال واحد: من يدفع ثمن هذه الحدود؟ لأن كلمة "لا" لا تكلف الجميع الشيء نفسه. هناك من تقولها ثم تعود إلى بيتها وعملها وحياتها بشكل طبيعي. وهناك من قد تخسر دخلها، أو استقرارها، أو حتى سقفًا يحميها. ومن هنا بدأت أفكر: هل نتحدث فعلًا عن مهارة نفسية؟ أم عن امتياز اقتصادي لا ننتبه إليه؟

المشكلة أن هذه النصائح تقدم غالبًا باعتبارها صالحة للجميع. كأن الإرهاق قرار شخصي، وكأن الراحة تبدأ بمجرد أن نقتنع بأننا نستحقها. يكفي أن تتعلم المرأة كيف تقول "لا"، وكيف تضع حدودًا، وكيف تتوقف عن استنزاف نفسها، حتى تستعيد حياتها.

لكن الحياة لا تمنح النساء نقطة بداية واحدة، فهناك من تستطيع أن ترفض مهمة إضافية في العمل، وهناك من تعرف أن الرفض قد يعني خسارة الوظيفة. وهناك من تستطيع أن تطلب من شريكها أن يتحمل نصيبه من مسئوليات البيت، وهناك من تعتمد اقتصاديًا على هذا الشريك أصلًا، وبين هذه وتلك، ملايين النساء اللاتي يسمعن كل يوم أنهن يستحقن الراحة، ثم ينظرن إلى قائمة طويلة من الالتزامات التي لا يشاركهن فيها أحد، فلا يجدن مساحة يمكن أن يبدأن منها.

لهذا يبدو السؤال مختلفًا قليلًا: هل يكفي الوعي وحده حتى تصبح الراحة حقًا متاحًا؟ أم أن بعض الحقوق الشخصية تحتاج أولًا إلى ما يحميها؟

ربما لهذا ظل السؤال يلاحقني. ليس لأنني أرفض هذه النصائح، ولا لأنني أقلل من أهميتها. أعرف أن كثيرًا من النساء يحتجن فعلًا إلى من يقول لهن إن من حقهن أن يرتحن، وأن يتوقفن عن محاولة إنقاذ الجميع على حساب أنفسهن، وأنا على رأس تلك القائمة أحتاج إلى من يذكرني.

لكنني كلما فكرت في الأمر، شعرت أن شيئًا ما ينقص الصورة. ماذا لو كانت المرأة تعرف كل هذا بالفعل؟ ماذا لو كانت تعرف أنها تستحق الراحة، لكنها لا تعرف من أين تأتي بها؟ ماذا لو كانت تعرف أن من حقها أن تقول "لا"، لكنها تعرف أيضًا أن لهذه الكلمة ثمنًا قد لا تقدر على دفعه؟

ظل هذا السؤال يطاردني، إلى أن اكتشفت أنه لا يخصني وحدي. فداخل الفكر النسوي نفسه، يدور منذ سنوات نقاش حول الطريقة التي أصبحنا نتحدث بها عن التمكين، هل يكفي أن نطلب من النساء أن يغيرن طريقة تعاملهن مع الضغوط؟ أم أن السؤال الحقيقي يجب أن يبدأ من الضغوط نفسها، ومن الظروف التي تنتجها؟

من بين الأصوات التي توقفت أمام هذا التحول الباحثة كاثرين روتنبرج، التي ترى أن جزءًا من خطاب التمكين المعاصر نقل مركز الاهتمام من العالم الذي تعيش فيه المرأة إلى المرأة نفسها. صار التركيز منصبًا على قدرتها على إدارة التوتر، وتحقيق التوازن، والعناية بنفسها، ووضع حدود صحية، بينما تراجع الحديث عن أشياء لا تقل أهمية: من يشاركها عبء الرعاية؟ ماذا يحدث إذا كانت تعمل في وظيفة لا تملك فيها حق الرفض؟ وكيف تبدو "الحدود الشخصية" عندما يكون ثمنها فقدان مصدر الدخل؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الراحة، ولا من أهمية أن تعرف المرأة حقوقها النفسية. لكنها تذكرنا بأن الوعي وحده لا يخفف عبء فاتورة، ولا يحمي وظيفة، ولا يوفر حضانة، ولا يخلق دخلًا مستقلًا.

عندها توقفت عن سؤال نفسي: لماذا لا تطبق بعض النساء هذه النصائح؟ بدا لي أن السؤال نفسه يحتاج إلى مراجعة. قد تعرف المرأة أنها تستحق الراحة، وأن من حقها أن تقول "لا"، ثم تغلق الهاتف، فلا يتغير شيء. ينتظرها العمل نفسه، والمواصلات نفسها، والبيت الذي يبدأ فيه يوم آخر من المسؤوليات، والفواتير نفسها. تعرف كل ما يُقال عن الحدود الشخصية، لكنها تعرف أيضًا أن بعض الحدود لا يكفي أن نرسمها، لأنها تحتاج أولًا إلى أرض تقف عليها.

وليس ذلك مجرد انطباع. فالأرقام نفسها تكشف أن المساحة التي تملكها النساء لاتخاذ قرارات تخص وقتهن وحياتهن ليست واحدة. ففي مصر تقضي النساء، في المتوسط، 5.4 ساعات يوميًا في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، مقابل 0.6 ساعة فقط للرجال، وفق أحدث تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي واحدة من أكبر الفجوات في المنطقة. ويشير التقرير إلى أن هذا العبء اليومي لا يستهلك وقت النساء فقط، وإنما يحد أيضًا من فرصهن في العمل المأجور، ويجبر كثيرات على قبول وظائف أقل استقرارًا أو الخروج من سوق العمل أصلًا.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نحو 57% من النساء العاملات في مصر يعملن في القطاع غير الرسمي. وإذا كان أكثر من نصف النساء يعملن في وظائف لا توفر لهن القدر نفسه من الاستقرار، فهنا يصبح السؤال مختلفًا قليلًا. هل يكون رفض ساعات عمل إضافية، أو الاعتراض على معاملة مجحفة، قرارًا سهلًا فعلًا؟

ولعل هذا يفسر أيضًا لماذا يحظى هذا النوع من المحتوى بكل هذا الانتشار. فالنصيحة الفردية سهلة، وسريعة، ويمكن اختصارها في دقيقة أو أقل. أما الحديث عن الأجور، وسوق العمل، وأعباء الرعاية، وشبكات الحماية الاجتماعية، فلا يصلح لمقطع قصير، ولا يمنح شعورًا فوريًا بأن المشكلة أصبحت تحت السيطرة. لذلك يبدو من الأسهل أن نقول للمرأة: غيّري طريقتك في التعامل مع الضغوط، بدلًا من أن نسأل: لماذا أصبحت الضغوط بهذا الحجم أصلًا؟ وكيف يمكن أن تصبح الحياة نفسها أقل استنزافًا؟

بعد كل ذلك، لم يعد السؤال بالنسبة لي: هل تعرف النساء كيف يضعن حدودًا؟ الأرقام لا تقول هذا. هي تقول شيئًا آخر. تقول إن ثمن هذه الحدود لا يتساوى بين جميع النساء. وحين يختلف الثمن، لا يعود منصفًا أن نتعامل مع النصيحة نفسها وكأنها متاحة للجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة