تتداخل في حياة الفلسطيني فهمي أبو صلاح فصول طويلة من الصبر والألم والأمل، حتى تبدو قصته وكأنها تختصر سنوات من المعاناة التي عاشها كثير من الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، فمن خلف جدران السجن، وبين القيود التي امتدت لسنوات، لم يتخل عن حلمه في أن يكون أبا، وتمتد حياته خارج أسوار الزنازين إلى بيت وأسرة وأطفال.
17 عاما في السجن
أمضى فهمي أبو صلاح 17 عاما في الأسر، كانت كفيلة بأن تحرم أي إنسان من أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية، لكن إرادته لم تنكسر، وفي عام 2012 نجح في تهريب نطفة من داخل السجن، ليولد ابنه أسعد، الذي أصبح بالنسبة إليه أكثر من طفل، كان رسالة انتصار على السجن، وشاهدا على أن الحياة قادرة على أن تجد طريقها حتى من خلف القضبان.
فهمى لا يعرف ملامح ابنه
كبر أسعد بينما كان والده لا يزال أسيرا، يتعرف إلى ملامحه من الصور والرسائل، ويحلم باليوم الذي يضمه فيه إلى صدره دون حواجز أو أسلاك شائكة، كانت سنوات الانتظار ثقيلة على الأب والابن معا، لكن الأمل ظل حاضرا رغم طول الغياب.
وجاءت لحظة الحرية أخيرا، حين تحرر فهمي أبو صلاح ضمن صفقة التبادل الأخيرة في غزة، بعد أن أمضى ما مجموعه 19 عاما في الأسر، خرج وهو يحمل أحلاما بسيطة، أن يعوض ما فاته من عمر، ويعيش بين أسرته، ويبدأ حياة جديدة بعيدا عن السجن، ولم يمض وقت طويل حتى رزقه الله بطفلته بيسان، لتكتمل فرحته التي انتظرها قرابة عقدين.

فهمى أبو صلاح وابنه
حياة ليست سهلة
الطريق إلى الحياة الطبيعية لم يكن سهلا، فبدلا من أن يستقر في منزله بمدينة بيت حانون، وجد نفسه نازحا مع أسرته، يواجه ظروف الحرب القاسية، ويعيش بعيدا عن بيته الذي كان يحلم بالعودة إليه بعد سنوات الاعتقال.
اليوم، يحمل فهمي أبو صلاح في ذاكرته وجعين لا يفترقان، سنوات الأسر التي سُلبت من عمره، ومرارة النزوح التي فرضتها الحرب على أسرته، وبين طفله أسعد، الذي جاء إلى الدنيا متحديًا جدران السجن، وطفلته بيسان، التي ولدت بعد الحرية، يحاول أن يصنع لأسرته مستقبلا أكثر أمنا، رغم واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم.
قصة رجل انتصر يوما على السجن بالإرادة، لكنه لا يزال يواجه تحديات الحياة في غزة، حيث تختلط فرحة الحرية بألم النزوح، وتبقى الأسرة متمسكة بالأمل في أن يأتي يوم يعيش فيه الأب وأطفاله حياة هادئة، بعيدا عن الأسر والحرب، في وطن لا تُسرق فيه الأحلام مرة أخرى.