لم تعد حملات التضليل الإعلامي مجرد اجتهادات فردية أو أخطاء مهنية عابرة، بل تحولت لدى بعض المنصات إلى صناعة متكاملة تقوم على قواعد ثابتة وخطوات مدروسة، تبدأ باختيار القضية التي يمكن استغلالها، ثم إعادة صياغتها بصورة تخدم هدفا محددا، وصولا إلى إنتاج محتوى يعتمد على الإثارة والانفعال أكثر من اعتماده على الحقائق. وبينما تبدو الرسالة الإعلامية في ظاهرها نقاشا عاديا، فإن ما يجري خلف الكواليس يكشف عن "سكريبت" معد سلفا، يحدد العنوان، وزاوية التناول، وطريقة أداء المذيع، وحتى ردود الفعل المطلوب إثارتها لدى الجمهور.
صناعة الرواية قبل صناعة الخبر
تعتمد المنهجية التحريضية على مبدأ بسيط، وهو أن الرواية يتم تجهيزها أولا، ثم يجري البحث عن الوقائع التي يمكن توظيفها لخدمتها، وليس العكس. لذلك لا يكون الهدف نقل الحقيقة كاملة، وإنما تقديم جزء منها بعد إعادة ترتيبه وإخراجه من سياقه حتى يخدم الرسالة المطلوبة.
ويؤدي ذلك إلى استبدال النقاش الموضوعي بخطاب يعتمد على الإثارة، بحيث يصبح الانفعال هو المحرك الأساسي للجمهور، بينما تتراجع الأرقام والوثائق والحقائق إلى الخلف.
الأركان الأساسية لـ"سكريبت التضليل"
يعتمد هذا النوع من الخطاب على مجموعة من الركائز الثابتة، في مقدمتها تغليب العاطفة على المنطق، حيث يتم استدعاء مشاعر الغضب والخوف بصورة مستمرة، مع تقليل مساحة النقاش العقلاني.
كما تقوم هذه المنهجية على تقسيم المجتمع إلى معسكرين متقابلين، وتحويل أي اختلاف في الرأي إلى معركة وجود، وهو ما يغذي الاستقطاب ويمنع الوصول إلى نقاش هادئ قائم على الأدلة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى استخدام لغة هجومية وشخصنة الخلافات، بحيث تنتقل المعركة من مناقشة الأفكار إلى مهاجمة الأشخاص والتشهير بهم، مع الاعتماد على السخرية والتهكم كوسيلة لجذب الانتباه، ومن أبرز الأدوات أيضا اجتزاء التصريحات، عبر اقتطاع جزء صغير من حديث طويل، وإعادة تقديمه بصورة تغير معناه الأصلي، بما يسمح بصناعة رواية مختلفة تماما عن الحقيقة.
أحمد الشناف.. أبرز مهندسي الرسائل الإعلامية
وهنا يبرز اسم أحمد الشناف باعتباره أحد العناصر التي تلعب أدوارا تنفيذية في إدارة المحتوى الإعلامي، والإشراف على إنتاج الرسائل التي تبث عبر المنصات الرقمية والقنوات التابعة للجماعة الإرهابية فلا يقتصر على الإدارة الفنية بل يمتد إلى تنسيق الخطاب الإعلامي وتوحيد الرسائل بين المنصات المختلفة بما يخدم أهدافا دعائية محددة.
ويأتي الإرهابي الهارب محمد ناصر على رأس هؤلاء ممن يتلقوا "سكريبت" أحمد الشناف ويقدمه بطريقته المعهودة من إسفاف وألفاظ خارجة وسباب وصوت الصراخ الذى لا ينقطع طوال الحلقة لتحريك عاطفة المشاهد وشعوره بأن هناك كارثة حقيقية ولكن الحقيقة تتمثل في إن الكارثة مصنوعة من "سكريبت" أحمد الشناف ويقدمها المرتزقة من إعلامي الإخوان ومنهم الهارب محمد ناصر مقابل الحصول على مزيد من الدولارات وإرضاء مموليهم.
من إدارة المنصات إلى صناعة "السكريبت"
وتعتمد المنظومة الإعلامية للإخوان تعمل وفق هيكل منظم على إعداد رسائل موحدة يتم إعادة إنتاجها بأشكال مختلفة عبر البرامج والمنصات الإلكترونية والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ويأتي أحمد الشناف ضمن الأسماء التي ارتبطت بإدارة هذا النمط من المحتوى الذي يقوم على اختيار القضايا الأكثر إثارة، وصياغة عناوين صادمة، وتكرار الرسائل نفسها عبر أكثر من منصة لإعطاء انطباع بوجود رأي عام واسع حولها.
إعلام الإخوان.. غرفة عمليات واحدة ورسائل متعددة
لم يعتمد إعلام الجماعة الإرهابية على قناة بعينها وإنما على شبكة مترابطة من المواقع والمنصات والحسابات الإلكترونية، تتبادل المحتوى نفسه مع اختلاف طريقة العرض وهذا النموذج يعتمد على وجود إدارة مركزية تنسق الرسائل الإعلامية وتحدد أولويات التناول، بما يضمن توحيد الخطاب وتكراره بصورة مكثفة، وهو ما يجعل تأثير الرسائل يتضاعف عبر إعادة نشرها من عشرات المنصات في توقيت متقارب.
وبهذه الآلية، يصبح "السكريبت" الإعلامي هو المحرك الحقيقي للمحتوى، بينما تتوزع الأدوار بين المذيعين والمنصات واللجان الإلكترونية، بحيث تبدو الرسائل متفرقة، لكنها في الواقع تسير وفق إطار واحد وخطة اتصال موحدة، وهو ما يفسر التشابه الكبير في العناوين، والمفردات، وزوايا التناول بين المنصات المرتبطة بإعلام الجماعة.