مها عبد القادر

الإعلام الوطني وإدارة الأزمات.. بناء الوعي الاستباقي وصون السلم المجتمعي

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 02:34 ص


تفرض التحولات الراهنة المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية، بقعًا متنامية من النزاعات المسلحة والمخاطر وتصاعد التهديدات الأمنية والفكرية التي تكسو سماوات العالم بأسره، الأمر الذي يجعل المنظومة الإعلامية أمام اختبار حقيقي لقياس قدرتها على حماية الوعي المجتمعي من حملات التضليل والهجمات الفكرية الشرسة والممنهجة حيث امتدت إلى ساحات الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، التي باتت أدوات فاعلة في نشر الشائعات، والتلاعب بالرأي العام، وبث خطاب الكراهية والانقسام، وتستهدف زعزعة الاستقرار وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية.

ويتطلب هذا الواقع المعقد، صياغة وتبني استراتيجيات إعلامية استباقية وشاملة، تقوم على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة في الوقت المناسب، وتعزيز الشفافية، ومواجهة المحتوى المضلل بأساليب مهنية قائمة على الحقائق والأدلة، وأن ترتكز هذه الاستراتيجيات على تحصين المجتمع فكريًا وتنمية الوعي الإعلامي والرقمي لدى أفراد المجتمع، وتمكينهم من امتلاك مهارات التفكير النقدي والتحقق من مصادر المعلومات، بما يعزز قدرتهم على التمييز بين الحقائق والادعاءات، ويفشل محاولات التأثير السلبي في اتجاهاتهم وقيمهم.

يعد الإعلام الوطني في هذه المرحلة شريكًا رئيسيًا في تعزيز الأمن الفكري، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، ونشر ثقافة الحوار والمسؤولية المجتمعية، ومن ثم، فإن بناء منظومة إعلامية واعية وقادرة على الاستجابة السريعة للأزمات يمثل أحد أهم مرتكزات حماية التماسك المجتمعي، ودعم صمود الدولة في مواجهة التحديات الخارجية العاصفة، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته في ظل بيئة دولية متغيرة تتسم بتعاظم المخاطر وتعدد مصادر التهديد.

تظهر القيمة الحقيقية للمنظومة الإعلامية، وتتأكد ريادتها وفاعليتها، خلال أوقات الأزمات والمنعطفات التاريخية الكبرى، كالحروب، والكوارث الطبيعية، والأوبئة، والأزمات الاقتصادية العالمية؛ ففي مثل هذه الظروف الاستثنائية يضطلع الإعلام المسؤول بدور محوري في إدارة الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام، انطلاقًا من مسؤوليته ووفق قاعدة ذهبية قوامها تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة والموثوقة بالسرعة المطلوبة، بما يحقق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الحفاظ على الأمن والاستقرار، بالتزامن مع نشر الهدوء وبث الطمأنينة، والحد من مشاعر الخوف والارتباك، وتعزيز السلوك الإيجابي والعمل المشترك القائم على التعاون والتكاتف المجتمعي، بما يجعل منه صمام أمان يحافظ على تماسك المجتمع، ويقوده بحكمة نحو تجاوز الأزمات بأقل الخسائر الممكنة.

يسهم هذا هذا الدور الحكيم للإعلام المهني في ظل الثورة الرقمية وما أفرزته من بيئة إعلامية مفتوحة تتسم بسرعة تداول المعلومات واتساع نطاق انتشارها، في تثبيت وترسيخ دعائم الاستقرار الداخلي من خلال التصدي للشائعات، ودحض الأخبار المضللة، وتقديم الرواية الدقيقة القائمة على الحقائق والأدلة، وفي المقابل، فإن تضارب المعلومات، والتهويل، ونشر الأخبار المفبركة أو غير الموثقة، يؤدي إلى إثارة الفوضى والذعر، وزعزعة الثقة المجتمعية، وإضعاف الروح المعنوية، واستنزاف الطاقات الوطنية، فضلًا عن إعاقة جهود مؤسسات الدولة في إدارة الأزمات والحد من تداعياتها، ومن ثم أصبحت مواجهة الشائعات وحروب المعلومات إحدى الركائز الأساسية للأمن الوطني، مسؤولية تشاركية تتكامل فيها أدوار المؤسسات الأمنية ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والهيئات الرسمية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب وعي الأفراد أنفسهم، فكلما ارتفع مستوى الوعي الإعلامي والرقمي لدى المواطنين، تراجعت قدرة الجهات المعادية على توظيف المعلومات المضللة للتأثير في الرأي العام أو إثارة الانقسام المجتمعي، وعليه فإن بناء منظومة إعلامية مهنية وفاعلة يمثل الخط الدفاعي الأول في معارك الوعي الحديثة، حيث تحصن الحقائق عقول المواطنين ضد محاولات الاختراق النفسي الممنهج.

تفرض الأزمات المتلاحقة، بما تحمله من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، ضرورة تبني إدارة إعلامية واعية تستند إلى الرشد الاستراتيجي، وترتكز على الحقائق الموثقة والأدلة الدامغة، بما يسهم في صون الجبهة الداخلية، وتعزيز التماسك المجتمعي، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فخلال الأزمات تتزايد محاولات استغلال حالة القلق وعدم اليقين من قبل المنصات الإعلامية المضللة والجهات المعادية، التي توظف مختلف أدوات التأثير النفسي والإعلامي لتشويه الحقائق، وتزييف الوعي السياسي والاجتماعي، والتأثير في اتجاهات الرأي العام عبر حملات ممنهجة تقوم على التهويل، وتكرار الرسائل المضللة، واستثمار منصات التواصل الرقمي في نشر الإحباط واليأس، وإثارة الانقسام المجتمعي، بما يخدم أجندات تستهدف تقويض الاستقرار وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.

تتعاظم أهمية الأمن الإعلامي أحد المرتكزات الأساسية للأمن الوطني، لما يؤديه من دور محوري في حماية الفضاء المعلوماتي من حملات التضليل ودحر الشائعات، وبناء منظومة اتصال قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات، ويعتمد تحقيق هذا الهدف على تبني استراتيجيات إعلامية استباقية ومبتكرة، تستند إلى الرصد المستمر للمحتوى الإعلامي، والتحقق من المعلومات، والتصحيح الفوري للأخبار الزائفة، بما يمنع تغلغل السموم الفكرية والنزعات الأيديولوجية والرسائل المضللة والأفكار المتطرفة في وجدان المواطنين، ويتطلب ذلك إعداد كوادر إعلامية مؤهلة تمتلك الكفاءة المهنية والقدرة على إدارة الاتصال في أوقات الأزمات، من خلال برامج تدريبية متخصصة تواكب التطورات المتسارعة في البيئة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما يستلزم توفير تدفق منتظم وسريع للمعلومات والبيانات الدقيقة، الكمية منها والكيفية، من مصادرها الرسمية، بما يضمن الشفافية، ويغلق الفراغ المعلوماتي الذي تستغله الجهات المعادية والخبيثة لبث الشائعات وترويج الروايات الزائفة، ومن ثم، فإن التكامل بين الإعلام المهني، والمؤسسات الرسمية، والوعي المجتمعي، يمثل ركيزة أساسية لحماية مسيرة التنمية، والحفاظ على وحدة الصف الوطني، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات والأزمات بثقة ووعي ومسؤولية.

يمثل حشد الطاقات الوطنية وتعبئة الإمكانات الإيجابية خلال فترات الأزمات أحد أهم مرتكزات دعم مسيرة التنمية وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويؤدي الإعلام في هذا الإطار دورًا استراتيجيًا في ترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني، وإبراز مقومات الصمود والفرص الاستثمارية، والتصدي للحملات الإعلامية المغرضة التي تستهدف تشويه الصورة الذهنية للدولة، أو تقويض جهودها في مجالات الاستثمار والسياحة والتجارة، كما يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين بقدرة الدولة على إدارة الأزمات بكفاءة، واستمرار تنفيذ خططها التنموية رغم التحديات، مستندًا إلى قوة مؤسساتها، وحيوية قطاعاتها الإنتاجية، وتكاتف مواطنيها والتزامهم بمسارات البناء والتعمير الشامل والاستدامة.

يرتبط نجاح فلسفة منظومة الأمن الإعلامي بتحقيق تكامل مؤسسي فعال يربط  بين وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والبحثية والثقافية والدينية، إلى جانب مختلف مؤسسات الدولة، بما يضمن توحيد الجهود وتنسيق الرسائل الاتصالية، وتبادل الخبرات، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الوعي المجتمعي بصورة مستمرة، ويعد هذا التكامل أحد المقومات الأساسية لبناء بيئة إعلامية قادرة على مواجهة التحديات الفكرية والمعلوماتية، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتقديم الدعم والمساندة للقدرات الإنتاجية الوطنية، خاصة في مجالي الزراعة والصناعة، لتعظيم مقدرات الوطن والعبور من المحن إلى طاقة النور والمنح التي تبهج الأفئدة، ويتأسس هذا المسار إلى تنمية مهارات التفكير الناقد والتربية الإعلامية والرقمية لدى أفراد المجتمع، من خلال برامج تعليمية وتوعوية وأنشطة تدريبية تسهم في إكسابهم القدرة على تحليل الرسائل الإعلامية، والتحقق من مصادر المعلومات، وتقييم القضايا استنادًا إلى الأدلة والمعايير العلمية، ومن شأن ذلك أن يعزز المشاركة المجتمعية الواعية، ويرسخ ثقافة المسؤولية، ويدعم اصطفاف المواطنين حول المصالح الوطنية العليا، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وحماية مكتسبات التنمية، وتحقيق الاستقرار والنهضة المستدامة للأجيال الحالية والقادمة.

___

أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة