"فاتورة القرن" ماذا لو لم يشن ترامب حربا على إيران؟ (2).. مضيق هرمز بلا تهديدات والصين تتجنب صدمة الطاقة.. روسيا تفقد فرصة استراتيجية.. والشرق الأوسط وأفريقيا يربحان مليارات من الاستقرار والابتعاد عن أزمة النفط

الثلاثاء، 04 أغسطس 2026 01:00 م
"فاتورة القرن" ماذا لو لم يشن ترامب حربا على إيران؟ (2).. مضيق هرمز بلا تهديدات والصين تتجنب صدمة الطاقة.. روسيا تفقد فرصة استراتيجية.. والشرق الأوسط وأفريقيا يربحان مليارات من الاستقرار والابتعاد عن أزمة النفط الحرب الأمريكية الإيرانية

تحقيق / أحمد عرفة

100 مليار دولار فاتورة محتملة لتعطل هرمز

خبيرة بالعلاقات الدولية: خسائر الحرب انقسمت بين واشنطن وطهران والعالم والجميع دفع الثمن

20.7 مليون برميل نفط يوميا تحت التهديد

أريج جبر: واشنطن خسرت فرصة التركيز على المنافسة مع بكين بسبب استنزاف الموارد في الشرق الأوسط

84% من شحنات النفط العابرة لهرمز تتجه إلى آسيا.. الحرب هددت شريان الطاقة للصين والهند وكوريا الجنوبية

خبيرة آسيوية: غياب الحرب كان سيمنح الصين مليارات الدولارات للاستثمار بدلا من مواجهة فاتورة الطاقة

أكثر من 280 مليون إفريقي يعانون نقص التغذية

مديرة مركز مسارات: غياب الحرب كان سيبقي ملفات السودان والساحل في صدارة الاهتمام الدولي

53 مليار دولار استثمارات أجنبية في أفريقيا خلال عام واحد.. والحرب هددت شهية المستثمرين في الأسواق الناشئة

روسيا تربح من ارتفاع أسعار الطاقة.. موسكو تستعيد مساحة مناورة مع انشغال الغرب بجبهة إيران

أستاذ اقتصاد بجامعة موسكو: الحرب منحت روسيا طوق نجاة جيوسياسيا وأعادت ترتيب أولويات الغرب


لم تكن الحرب الأمريكية الإيرانية، مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين واشنطن وطهران، بل تركت تداعيات سياسية واسعة على خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، وعلى طبيعة التفاعلات بين القوى الكبرى ودول الشرق الأوسط، وفي المقابل، يطرح غياب هذه الحرب تساؤلات حول المسارات السياسية التي كان يمكن أن تتخذها المنطقة، وما إذا كان من الممكن تجنب مزيد من الاستقطاب والتوترات التي أعادت تشكيل أولويات الأطراف الفاعلة.

الحرب واختراق طهران وزيادة الأعباء على الأمريكيين

عدم نشوب مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران كان من شأنه، الإبقاء على عدد من الملفات الإقليمية ضمن أطرها الدبلوماسية والسياسية، بدلا من انتقالها إلى مرحلة أكثر تصعيدا، كما كان سيحد من احتمالات توسع دائرة الصراع، ويمنح الأطراف الإقليمية والدولية مساحة أكبر لإدارة الخلافات عبر القنوات السياسية.

وتشير الدكتورة لوسيانل باسم، الباحثة في العلاقات الدولية، إلى أن الحملة العسكرية لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الحرب في غزة ولبنان أو الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي السورية، موضحة أنه إذا لم يشن ترامب هجومه، فمن المرجح أن العدوان على غزة ولبنان كانت ستستمر بالوتيرة نفسها، مع استمرار الدعم العسكري والمالي الأمريكي لإسرائيل.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن التداعيات الأكبر التي كان يمكن تجنبها حال عدم اندلاع الحرب تتعلق بملف أمن الملاحة والطاقة العالمي، موضحة أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز كان سيؤدي إلى زيادة الاضطرابات في حركة التجارة البحرية العالمية، ورفع تكاليف الشحن والتأمين البحري، خاصة أن المضيق يمثل أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

وتشير إلى أن الجانب الإيراني كان من أكثر الأطراف التي تحملت تداعيات مباشرة نتيجة الحرب، قائلة إن عدم وقوع الهجوم الأمريكي كان سيجنب طهران موجة الاغتيالات التي طالت شخصيات عسكرية وأمنية وعلمية، وما تبع ذلك من حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي المؤقت، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية التي انعكست على المواطن الإيراني.

وترى أن الحرب تركت أيضا آثارا داخلية على المجتمع الإيراني، موضحة أن التصعيد كشف حجم التحديات الأمنية والاختراقات التي تواجهها الدولة، وهو ما أدى إلى زيادة وعي شريحة من الشباب الإيراني بالأوضاع السياسية والأمنية في بلادهم، باعتبار أن الحرب أظهرت طبيعة المخاطر الداخلية والخارجية التي تواجه النظام الإيراني، لافتة إلى أن هذا الوعي يمثل أحد الآثار غير المباشرة التي نتجت عن الحرب.

وتؤكد لوسيانل باسم أن تأثير الحرب لم يتوقف عند حدود إيران أو الدول المحيطة بها، وإنما امتد إلى الأسواق العالمية وحركة الملاحة الدولية، موضحة أن الخسائر التي كان يمكن تجنبها تنقسم إلى ثلاثة مستويات رئيسية خسائر أمريكية، وخسائر إيرانية، وخسائر عالمية، مشيرة إلى أن هذه الخسائر لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تشمل أيضا التداعيات السياسية والاستراتيجية.

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، توضح أن الأموال التي تم إنفاقها على الحرب كان يمكن توجيهها إلى الداخل الأمريكي، سواء من خلال دعم مشروعات البنية التحتية، أو تعزيز قطاعات الصحة والتعليم، أو تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين الذين تأثروا بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة خلال فترة التصعيد.

وتشير إلى أن الحرب أثارت نقاشات واسعة داخل الولايات المتحدة حول جدوى الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، معتبرة أن هذا الملف ساهم في زيادة الجدل السياسي حول إدارة ترامب وسياساته الخارجية، خاصة مع وجود انقسامات داخلية بشأن طبيعة الدور الأمريكي في الصراعات الدولية.

أما بالنسبة إلى إيران، فتؤكد أن الخسائر كانت كبيرة على المستوى الأمني والسياسي، مشيرة إلى أن الحرب كشفت عن حجم الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية داخل إيران، وهو ما دفع إلى طرح تساؤلات داخلية حول كفاءة المنظومة الأمنية وقدرتها على مواجهة التهديدات، وأثار انتقادات بشأن وجود ثغرات تحتاج إلى معالجة.

وعلى المستوى العالمي، تقول إن عدم اندلاع الحرب كان سيجنب الأسواق الدولية حالة إضافية من عدم اليقين، موضحة أن أبرز الخسائر التي كان يمكن تفاديها تتمثل في الحد من ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، وتقليل تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتخفيف الضغوط على الأسواق المالية العالمية والعملات الدولية، خاصة في ظل حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب في مناطق إنتاج الطاقة أو ممرات التجارة الرئيسية.

وتشير إلى أن الحرب أثرت كذلك على المشهد السياسي والإعلامي الدولي، موضحة أن التصعيد مع إيران أدى إلى انتقال جزء كبير من الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي العالمي نحو الأزمة الإيرانية، في الوقت الذي كانت فيه الانتهاكات الإسرائيلية في غزة مستمرة، وهو ما أدى إلى تراجع نسبي في مستوى التغطية والاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية خلال فترة التصعيد، رغم استمرار حضورها على الساحة الدولية.

الصين وشرق أسيا والحرب

إذا لم تندلع الحرب ، لكانت اقتصادات شرق آسيا قد تجنبت واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد أمنها الطاقوي، باعتبارها الأكثر اعتمادا على النفط والغاز المارين عبر مضيق هرمز، فوفقا بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر المضيق نحو 20.7 مليون برميل من النفط يوميا، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، فيما تتجه 84% من شحنات النفط و83% من شحنات الغاز المسال العابرة للمضيق إلى الأسواق الآسيوية، فيما تستحوذ الصين والهند وكوريا الجنوبية وحدها على 52% من واردات الغاز الطبيعي المسال التي تعبر المضيق.

خسائر الصين الاقتصادية بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية
خسائر الصين الاقتصادية بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية

 

وفي مقدمة المتضررين كانت الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، إذ تستورد نحو 11.1 مليون برميل يوميا، وتشكل الواردات الإيرانية نحو 11% من إجمالي وارداتها النفطية، إلى جانب اعتمادها الكبير على الخام القادم من الخليج، وبالتالي، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز مثل ارتفاع فوري في تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، وانعكاسات مباشرة على الصناعة وسلاسل الإمداد ومعدلات النمو الاقتصادي.

 

 

غياب الحرب كان سيجنب بكين، ومعها اقتصادات شرق آسيا، هذه الخسائر، ويحافظ على استقرار تدفقات الطاقة، ويحد من الضغوط التضخمية التي صاحبت اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار النفط والغاز، في وقت كانت فيه المنطقة تواصل التعافي الاقتصادي وتكثيف استثماراتها في التكنولوجيا والصناعة والبنية التحتية.

خسائر الصين من النفط بسبب الحروب
خسائر الصين من النفط بسبب الحروب

 

وتؤكد الدكتورة تمارا برو، الخبيرة في الشؤون الآسيوية، أن عدم اندلاع الحملة العسكرية كان سيقود إلى مسار اقتصادي واستراتيجي مختلف بالنسبة لدول شرق آسيا والصين، فلولا الحرب ما شهدت الأسواق نقصا في إمدادات الطاقة أو ارتفاعا حادا في الأسعار، وكانت دول شرق وجنوب شرق وجنوب آسيا ستواصل اعتمادها الكبير على مضيق هرمز بوصفه ممرا رئيسيا لواردات النفط، أما إغلاق المضيق فقد شكل جرس إنذار لهذه الدول، ودفعها إلى التفكير بجدية في تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مورد واحد.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن دول شرق وجنوب شرق أسيا كانت ستتمكن من توجيه جزء أكبر من إنفاقها نحو الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية، بدلا من تخصيص موارد إضافية لدعم أسعار الطاقة أو تعزيز قدراتها العسكرية، لافتة إلى أن الصين، حال عدم قيام الحرب كانت ستواصل توسيع مشترياتها من النفط الإيراني بأسعار منخفضة، مع تعزيز دعمها لطهران في إطار الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وبحكم الموقع المحوري لإيران ضمن مبادرة الحزام والطريق، وربما كانت بكين ستواصل لعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين إيران ودول الخليج، على غرار دورها في التقارب الإيراني السعودي عام 2023.

خسائر الصين بسبب الحرب الإيرانية الأمريكية
خسائر الصين بسبب الحرب الإيرانية الأمريكية

 

وترى تمارا برو أن دول الجوار الإيراني، وفي مقدمتها دول الخليج، كانت ستتجنب تداعيات إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة البحرية، كما أن غياب الحرب كان سيحول دون اضطراب سلاسل التوريد الحيوية للطاقة والغذاء، الأمر الذي كان سيسمح بتوجيه مليارات الدولارات التي أُنفقت على تعزيز الدفاعات الجوية أو مواجهة موجات التضخم إلى مشاريع التنمية المحلية وتنويع الاقتصادات.

وتشير إلى أن عدم اندلاع الحرب كان سيهيئ، بيئة آسيوية أكثر استقرارا من الناحية الاقتصادية، مع استمرار الصين في توسيع نفوذها الاقتصادي، إلى جانب تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، بما يمنح المجتمع الدولي مساحة مالية وسياسية أكبر لدعم أهداف التنمية المستدامة.

وفيما يتعلق بأثر ذلك على التنمية المستدامة والدول الفقيرة، توضح أن الدول اضطرت إلى تخصيص جزء أكبر من موازناتها لدعم أسعار الطاقة وإصلاح الأضرار وتعزيز القدرات العسكرية، بدلا من توجيه هذه الموارد إلى قطاعات التنمية، وإذا لم تقع الحرب، لكان بالإمكان توظيف جانب أكبر من هذه الأموال في دعم برامج التنمية المستدامة ومساندة الدول الفقيرة، مع الأخذ في الاعتبار أن جزءا من الإنفاق الدفاعي كان سيظل قائما في ظل الضغوط الأمريكية على الحلفاء لزيادة موازناتهم العسكرية واستمرار التوترات الأمنية العالمية، وتؤكد الدكتورة تمارا برو، أن الحرب غيرت أولويات الإنفاق العالمي، إذ انتقلت الأولوية من التنمية ومكافحة الفقر إلى الأمن والدفاع.

روسيا وأوكرانيا

ينما كانت الحرب الروسية الأوكرانية تستحوذ على الجزء الأكبر من الاهتمام السياسي والعسكري والإعلامي الدولي، جاء التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران ليعيد ترتيب أولويات المشهد العالمي بصورة لافتة، فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ظلت واشنطن تقود جهودا واسعة لدعم كييف عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا، باعتبارها المواجهة الأهم مع موسكو في إطار الصراع على موازين القوى الدولية، إلا أن الانخراط الأمريكي المباشر في مواجهة مع طهران استهلك قدرا كبيرا من الموارد العسكرية والاهتمام السياسي، وفرض على الإدارة الأمريكية إعادة توزيع أولوياتها الاستراتيجية في أكثر من جبهة.

يبقى السؤال ماذا لو لم يفتح ترامب جبهة المواجهة مع إيران؟ وهل كانت واشنطن ستواصل تركيزها بصورة أكبر على الحرب الروسية الأوكرانية، بما يترجم إلى دعم عسكري ومالي وسياسي أوسع لكييف في مواجهة موسكو؟

هذه الفرضية تستند إلى طبيعة السياسة الأمريكية التي تواجه دائما معضلة إدارة الأزمات المتزامنة، حيث إن فتح جبهة صراع جديدة في الشرق الأوسط غالبا ما يؤدي إلى تحويل جانب من القدرات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية الأمريكية بعيدا عن أوروبا، كما أن وسائل الإعلام العالمية، والمؤسسات السياسية، وحتى دوائر صنع القرار، تعيد توجيه اهتمامها تلقائيا نحو الأزمة الأكثر قابلية للتصعيد الإقليمي والدولي، وهو ما يمنح الصراعات الأخرى مساحة أقل على أجندة النقاش الدولي.

ولا يعني ذلك أن الحرب الروسية الأوكرانية فقدت أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة أو لحلف شمال الأطلسي، لكنها شهدت تراجعا نسبيا في الزخم الإعلامي والسياسي مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، ففي عالم تتنافس فيه الأزمات على اهتمام القوى الكبرى، تصبح الأولويات مرتبطة بدرجة خطورة كل أزمة واحتمالات اتساعها، وهو ما جعل المواجهة مع طهران تستحوذ على مساحة كبيرة من الاهتمام الدولي، في وقت كانت كييف تسعى إلى الحفاظ على مستوى الدعم الغربي الذي اعتادت عليه منذ اندلاع الحرب.

غياب التصعيد الأمريكي الإيراني كان من الممكن أن يتيح لواشنطن هامشا أكبر لتكريس جهودها الدبلوماسية والعسكرية لدعم كييف، وتسريع برامج التسليح، وزيادة الضغوط على موسكو، ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو في إطار التحليل الافتراضي، إذ أن مستوى الدعم الأمريكي لأوكرانيا يتأثر أيضا بعوامل أخرى، من بينها اعتبارات السياسة الداخلية الأمريكية، ومواقف الكونجرس، والضغوط الاقتصادية، وتطورات الميدان العسكري، إلى جانب التوازنات الدولية الأوسع.

وتؤكد الدكتورة لانا بدفان، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو، أن الحرب الأمريكية ضد إيران أعادت رسم أولويات النظام الدولي، وأثرت بشكل مباشر في حجم الاهتمام السياسي والإعلامي والدبلوماسي بالحرب الروسية الأوكرانية، معتبرة أن فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط منح موسكو فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب موازين القوى.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الجبهة التي فتحتها إدارة ترامب ضد إيران في عام 2026 أعادت هندسة الأولويات الاستراتيجية العالمية، إذ منحت موسكو طوق نجاة جيوسياسيا ثمينا، بعدما تحولت أنظار القوى الكبرى ووسائل الإعلام الدولية إلى التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى تراجع الزخم الذي كانت تحظى به الحرب الروسية الأوكرانية على الساحة الدولية.

وتوضح أن هذا التحول امتد إلى الجوانب العسكرية والاستراتيجية، خاصة أن جزءا من اهتمام البنتاجون ومواردها العسكرية واللوجستية اتجه نحو حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، الأمر الذي أوجد حالة من التشتت النسبي في أولويات الغرب، ومنح القوات الروسية هامشا أوسع للمناورة على الجبهة الأوكرانية.

وترى لانا بدفان أنه إذا لم تندلع المواجهة الأمريكية الإيرانية، فمن المرجح أنه كان سيستمر تركيز الولايات المتحدة وحلفائها بصورة أكبر على الحرب الروسية الأوكرانية، سواء من حيث الدعم العسكري والمالي لكييف أو من حيث الضغوط السياسية والدبلوماسية على موسكو، مؤكدة أن الأزمة الجديدة أسهمت في إعادة توزيع الاهتمام الدولي بين أكثر من ساحة صراع.

وتشير إلى أن تداعيات الحرب لم تقتصر على الجانب العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، موضحة أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن التوتر في الشرق الأوسط وفر مكاسب اقتصادية لروسيا من خلال زيادة عائدات صادراتها من النفط والغاز، وهو ما منح الاقتصاد الروسي متنفسا إضافيا في مواجهة العقوبات الغربية.

وفيما يتعلق بالعلاقات الروسية الأمريكية، توضح أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو أن الحرب لم تؤد إلى قطيعة كاملة بين واشنطن وموسكو، بل فرضت نمطا جديدا من التواصل السياسي، قائلة: "رغم استمرار التنافس بين البلدين، فإن تطورات الشرق الأوسط أوجدت ما يمكن وصفه بدبلوماسية واقعية واضطرارية، تقوم على الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع".

وتضيف أن هذا النوع من التواصل لا يعني تحسنا جوهريا في العلاقات الثنائية، وإنما يعكس إدراكا متبادلا لضرورة إدارة الأزمات الكبرى، خاصة مع تشابك ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والأزمة الأوكرانية، لافتة إلى أن المرحلة المقبلة ستظل مرهونة بقدرة القوى الكبرى على تحقيق توازن بين إدارة صراعاتها المختلفة، لاسيما أن أي تصعيد في إحدى الجبهات ينعكس بصورة مباشرة على أولويات المجتمع الدولي وعلى مسار الأزمات الأخرى، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية.

 

إفريقيا والحرب

يظل هناك سؤالا هاما أيضا يتمثل في ماذا إذا لم تتطور الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة عسكرية؟، الإجابة لكانت القارة الأفريقية بمنأى عن جانب مهم من التداعيات الاقتصادية والإنسانية التي صاحبت التصعيد في الشرق الأوسط، حيث إن اقتصادات القارة السمراء تعد من أكثر اقتصادات العالم تأثرا بالصدمات الخارجية، نظرا لاعتماد العديد من دولها على استيراد الوقود والغذاء، إلى جانب محدودية الاحتياطيات النقدية وارتفاع مستويات الدين العام، وفي ظل غياب الحرب، كان من المرجح أن يحافظ المجتمع الدولي على تركيزه بصورة أكبر على ملفات القارة، سواء فيما يتعلق بجهود التسوية السياسية في مناطق النزاع أو ببرامج التنمية والمساعدات الإنسانية، بدلا من إعادة توجيه جانب من الموارد والاهتمام نحو الأزمة الجديدة في الشرق الأوسط.

ومن الناحية الاقتصادية، كان تجنب الحرب سيساهم في الحفاظ على استقرار أكبر في أسواق الطاقة العالمية، فالقارة الأفريقية تضم أكثر من 30 دولة مستوردة صافية للنفط، وتشكل فاتورة الطاقة أحد أكبر أعباء الموازنات العامة في العديد منها، وغياب أي اضطرابات في منطقة الخليج يحد من الضغوط على أسعار النفط العالمية، التي عادة ما ترتفع مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات أو حركة الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وكذلك كانت تكاليف الشحن والتأمين البحري ستظل عند مستويات أقل، وهو ما كان سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية المستوردة، ويخفف من معدلات التضخم التي تجاوزت في بعض الاقتصادات الأفريقية 20% و30% خلال السنوات الأخيرة نتيجة الأزمات العالمية المتلاحقة.

كما كان استقرار أسواق الطاقة والنقل سيمنح الحكومات الأفريقية مساحة مالية أوسع لتوجيه الإنفاق نحو مشروعات البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والأمن الغذائي، بدلا من تخصيص موارد إضافية لدعم الوقود أو احتواء آثار ارتفاع الأسعار، حيث أشارت تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة خلال الأزمات العالمية أدى إلى اتساع الضغوط المالية على عدد كبير من الحكومات الأفريقية، وأثر في قدرتها على تمويل برامج التنمية ومواجهة الفقر.

وفيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي، كان من المرجح أن تستمر التدفقات الاستثمارية، بوتيرة أكثر استقرارا، حيث شهدت السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في الاستثمارات داخل أفريقيا في قطاعات الزراعة والطاقة المتجددة والموانئ والخدمات اللوجستية، إلا أن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط يدفع المستثمرين عادة إلى إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو الداخل أو تأجيل خطط التوسع الخارجي، كما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق الناشئة، حيث كشفت بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، أن القارة السمراء أفريقيا استقطبت نحو 53 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2023، وكان من الممكن أن تحافظ على زخم أقوى في ظل بيئة جيوسياسية أكثر استقرارا.

وعلى الصعيد الإنساني، كان من المرجح أن يحافظ المانحون الدوليون على مستويات أعلى من التمويل المخصص لأفريقيا، خاصة في ظل وجود أزمات ممتدة في مناطق مثل السودان والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل، حيث إن اندلاع أزمات دولية كبرى يدفع الحكومات المانحة إلى إعادة توزيع مواردها المالية والإنسانية وفقا لأولويات جديدة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع التمويل الموجه لبرامج الإغاثة والتنمية في القارة، حيث توضح بيانات الأمم المتحدة أن خطط الاستجابة الإنسانية الخاصة بعدد من الدول الأفريقية تعاني بالفعل من فجوات تمويلية كبيرة، ما يجعل أي تحول إضافي في أولويات المانحين أكثر تأثيرًا على ملايين المحتاجين.

أما القطاع الزراعي، الذي يمثل مصدر دخل رئيسيا لمئات الملايين من الأفارقة ويساهم بما يقرب من 15% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول، فكان سيستفيد هو الآخر من استقرار سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والنقل نتيجة أي تصعيد عسكري يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، ويهدد المواسم الزراعية، وغياب الحرب كان سيقلل من هذه الضغوط، بما يدعم الأمن الغذائي ويخفف من مخاطر اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي التي يعاني منها بالفعل عشرات الملايين في أنحاء القارة.

وتوضح الدكتورة إيمان الشعراوي، مدير مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، أن القارة الأفريقية كانت من أكبر الخاسرين بصورة غير مباشرة من الحملة العسكرية الأمريكية الإيرانية، رغم أنها لم تكن طرفا فيها، موضحة أن الإجابة عن سؤال: "ماذا لو لم يشن ترامب الحرب على طهران؟" تكشف حجم الفرص التي فقدتها إفريقيا نتيجة انشغال العالم بالشرق الأوسط.

وتؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن عدم اندلاع الحرب كان سيمنح القارة مساحة أكبر على أجندة المجتمع الدولي، إذ لم تكن القوى الكبرى ستعيد توجيه اهتمامها السياسي والدبلوماسي والمالي بالكامل نحو الشرق الأوسط، وهو ما كان سيبقي ملفات السودان ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي في صدارة الاهتمام الدولي، ويوفر زخما أكبر لجهود التسوية السياسية والمساعدات الإنسانية وبرامج التنمية.

وتقول إن الخسارة لم تكن سياسية فقط، وإنما اقتصادية أيضا، إذ كانت الاقتصادات الأفريقية المستوردة للطاقة ستتجنب جانبا كبيرا من الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، وهو ما كان سيخفف معدلات التضخم، ويمنح الحكومات مساحة أوسع لتوجيه مواردها نحو التنمية بدلا من احتواء تداعيات الأزمة، كما كان من المتوقع استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي، وخاصة الخليجي، بوتيرة أفضل، مع ضغوط أقل على العملات المحلية وأسواق المال.

وتضيف الدكتورة إيمان الشعراوي، أن الحرب ألقت بظلالها على التمويل والمساعدات الإنسانية الموجهة للقارة، حيث شهدت بعض الدول الأفريقية تراجعا في تدفقات التمويل والمساعدات الخارجية وصل في بعض الحالات إلى نحو 70%، نتيجة إعادة توجيه الموارد الدولية إلى بؤر الصراع في الشرق الأوسط في وقت تستورد فيه القارة ما يقرب من 85 مليار دولار من الغذاء سنويا، ويعاني أكثر من 280 مليون إفريقي من نقص التغذية، كما ارتفعت تكاليف الشحن البحري بأكثر من 30% بما حمل الاقتصادات الأفريقية أعباءً إضافية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا على بعض الخطوط.

وتشير إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية في عدد من الدول الأفريقية بنسب تراوحت بين 15% و30%، وهو ما يعني عمليا تحميل اقتصادات القارة السمراء أعباء إضافية تتراوح بين 13 و17 مليار دولار سنويا نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، كما تعرض العملات المحلية في 29 دولة إفريقية لضغوط متزايدة، وفي الوقت ذاته، أدى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا بأكثر من 40% إلى زيادة تكلفة الإنتاج الزراعي، وتهديد المواسم الزراعية في عدد من دول وسط وغرب إفريقيا، بما فاقم أزمة الأمن الغذائي ورفع معدلات التضخم الغذائي في القارة.

وتؤكد أن الحرب أسهمت كذلك في إعادة إحياء القرصنة الصومالية، موضحة أنه لولا الحرب على إيران لما عادت القرصنة بهذا الزخم، فاضطرار السفن التجارية إلى تغيير مساراتها بعيدا عن الخليج والبحر الأحمر والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أدى إلى زيادة كثافة الملاحة قبالة السواحل الصومالية، وهو ما وفر للقراصنة أهدافا أكثر وفرصا جديدة لاستئناف نشاطهم، كما أن انشغال عدد من القوى البحرية الدولية بتأمين الملاحة في الخليج ومضيق هرمز خلق فراغا أمنيا نسبيًا في غرب المحيط الهندي، استغلته شبكات القرصنة لإعادة تنظيم صفوفها، ورغم أن الهشاشة الأمنية داخل الصومال سبقت الحرب، فإنها كانت العامل الذي سرع عودة الظاهرة ومنحها هذا الزخم.

وتوضح مدير مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، أن الحرب أعادت أيضا تشكيل الحسابات العسكرية الأمريكية في المحيط الهندي، خاصة أنه الحملة العسكرية لما تصاعد الاهتمام الأمريكي بأرخبيل جزر تشاغوس في مورشيوس، ولا سيما قاعدة دييجو غارسيا، بهذه الوتيرة.

وتقول إن الحرب كشفت مدى اعتماد واشنطن على تلك القاعدة في إدارة عملياتها العسكرية، بعد استخدامها في توجيه الضربات ضد إيران، ثم تعرضها لتهديدات مباشرة، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم مستقبلها، وطرح فكرة شراء الأرخبيل لضمان استمرار السيطرة عليه، مؤكدة أن الحرب لم تُنشئ الأهمية الاستراتيجية لجزر تشاغوس، لكنها رفعت من قيمتها في الحسابات الأمريكية، وربطت مستقبلها بصورة أوثق بالتنافس مع الصين وتأمين النفوذ الأمريكي في المحيط الهندي.

وتضيف أن المرحلة المقبلة تفرض على الدول الأفريقية تطوير مقاربة استراتيجية أكثر استقلالا، تقوم على تعزيز الأمن البحري، وحماية الممرات الاستراتيجية، وتنويع الشراكات الدولية، بما يحد من تأثر القارة بتداعيات الأزمات والحروب الخارجية ويعزز قدرتها على حماية مصالحها في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى.

عودة الشرق الأوسط إلى صدارة الأولويات الأمريكية على حساب المنافسة مع الصين

وتؤكد الدكتورة أريج جبر، أستاذ العلوم السياسية الأردنية، أن انخراط الولايات المتحدة في الحرب على إيران فرض تحولا جوهريا في أولوياتها الاستراتيجية، لافتة إلى أن واشنطن خسرت جزءا مهما من قدرتها على إدارة ملفاتها الدولية الأكثر أهمية، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين، مقابل إعادة تركيز مواردها السياسية والعسكرية والاستخباراتية على الشرق الأوسط.

وتوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه إذا لم تحدث الحرب، لكانت الولايات المتحدة احتفظت بهامش أوسع من المرونة الاستراتيجية، واستمرت في إدارة الملف الإيراني من خلال سياسة الردع المركب، التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية والسياسية، والعزل الدبلوماسي، والردع العسكري المحدود، دون تحمل كلفة الانخراط العسكري المباشر.

وتضيف أن الحرب أعادت ترتيب الأولويات البيت الأبيض بصورة فرضت توجيه الموارد نحو الشرق الأوسط، رغم أن الاستراتيجية الأمريكية كانت تميل إلى تقليص الانخراط في المنطقة والتركيز على شعار "أمريكا أولا" وتحويل مركز الثقل إلى آسيا، الأمر الذي جاء، على حساب ملفات أكثر أهمية، أبرزها احتواء الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأول لواشنطن.

وترى أن الحرب يمكن قراءتها أيضا في إطار محاولة التأثير في مشروع "الحزام والطريق" وأمن الطاقة الصيني، بما يحد من القدرات الاقتصادية والتصنيعية لبكين، مشيرة إلى أن هذا الانخراط أدى كذلك إلى تراجع التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية، وسباق الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا العسكرية، وأمن سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير إلى أن سياسة محاصرة إيران استهلكت جزءا كبيرا من رأس المال السياسي والدبلوماسي الأمريكي، في وقت كانت واشنطن بحاجة إلى تنفيذ استدارة استراتيجية نحو آسيا، بينما منح انشغالها بالشرق الأوسط الصين فرصة أوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والبحري، كما أدى إلى تشتيت السياسة الأمريكية في أوروبا وإضعاف قدرتها على إدارة التوازنات مع روسيا.

وتقول الدكتورة أريج جبر، إن الحرب فرضت أيضا تحديات على العلاقات عبر الأطلسي، موضحة أنها أعادت إحياء الخلافات التقليدية بين الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية بشأن استخدام القوة وأولويات الأمن، وهو ما انعكس في اتساع فجوة الثقة بين واشنطن وحلفائها داخل حلف شمال الأطلسي، لافتة إلى أن الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي وفرض العقوبات على الشركات الأوروبية المتعاملة مع طهران أسهما في تعميق الخلافات، ودفعا الأوروبيين إلى البحث عن آليات مالية بديلة، بما يعكس تنامي الرغبة الأوروبية في تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

وفي الجانب الاقتصادي، تشدد الدكتورة على أن الحروب تمثل استنزافا مباشرا للاقتصاد الأمريكي، إذ لا تقتصر تكلفتها على الإنفاق العسكري، وإنما تمتد إلى زيادة كلفة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية عالميا، في وقت كان من الممكن توجيه هذه الموارد إلى تحديث البنية التحتية، وتعزيز التصنيع، وأشباه الموصلات، والبحث العلمي، باعتبارها ركائز القوة الأمريكية طويلة المدى.

وتضيف أن تقليص الإنفاق العسكري كان من شأنه توفير مليارات الدولارات لتطوير قطاعات الرعاية الصحية والتعليم، وخفض الدين العام، ودعم الابتكار والصناعة، مؤكدة أن سياسة الضغوط والتعزيزات العسكرية، بما فيها نشر حاملات الطائرات والقوات في الخليج، فرضت أعباء مالية كبيرة، وهو ما يتعارض مع فلسفة شعار "أمريكا أولا" الذي يركز على إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي.

وعن تداعيات الحرب على موازين القوى الدولية، توضح "جبر"، أن التصادم مع إيران أدى إلى توسيع دائرة الخصوم بدلا من عزل طهران، وأسهم في تعزيز التقارب الإيراني مع كل من الصين وروسيا، سواء عبر الاتفاقيات الاستراتيجية أو التعاون العسكري والتكنولوجي، كما فرض ضغوطا على عدد من الحلفاء لوقف استيراد النفط الإيراني، الأمر الذي انعكس على أمن الطاقة في العديد من الدول الآسيوية والأوروبية.

وتشير إلى أن سياسة "الضغط الأقصى" من دون مسار دبلوماسي واضح لم تحقق أهدافها المعلنة، إذ لم تؤد إلى إسقاط النظام الإيراني أو وقف تطور برنامجه النووي، بل رفعت مستوى التوتر، وعززت الاصطفافات الجيوسياسية، وسرعت من تشكل نظام دولي أكثر تعددية، باتت الولايات المتحدة تواجه فيه صعوبة أكبر في فرض هيمنتها الأحادية.

وفي ما يتعلق بالبدائل الممكنة، ترى الدكتورة أريج جبر أن الموارد التي أُنفقت على الحرب كان يمكن توجيهها إلى أولويات أكثر جدوى، مثل تطوير القاعدة الصناعية الدفاعية، وتحديث البنية التحتية، وتقليص الدين العام، وتعزيز التفوق التكنولوجي، ودعم أمن الطاقة، وتحفيز الاقتصاد والصناعة، وتمويل برامج الابتكار والمنافسة مع الصين، إلى جانب تحسين الرعاية الصحية والمساهمة في خفض معدلات التضخم.

وتوضح أنه لو لم تنخرط الولايات المتحدة في الحرب، لكان بالإمكان تجنب خسائر سياسية واستراتيجية واقتصادية عديدة، من بينها الحفاظ بدرجة أكبر على صورتها كدولة تدعم الدبلوماسية والحوار والقوة الناعمة، وتقليل الكلفة العسكرية والأمنية، والحد من عسكرة الشرق الأوسط وتصاعد الصراعات بالوكالة، فضلًا عن الإسهام في قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي والدولي.

وتقول إن تجنب الحرب كان سيساعد أيضا في الحد من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وخفض تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتقليل تقلبات أسواق المال وأسعار الطاقة، بجانب تقليص مخاطر تعطل التجارة الدولية عبر الممرات البحرية الحيوية.

وتؤكد أن غياب الحرب كان سيؤدي على الأرجح إلى استقرار أكبر في أسواق النفط والغاز، وانخفاض الضغوط التضخمية عالميا، وتعزيز ثقة المستثمرين، مشيرة إلى أن الخسارة الأمريكية لم تكن عسكرية أو مالية فقط، بل تمثلت أيضا في سوء إدارة الأولويات الاستراتيجية، إذ أعادت الحرب الشرق الأوسط إلى قلب الاهتمام الأمريكي، في وقت كانت المنافسة الحقيقية تتشكل في آسيا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة