في عام 1988، كان الدكتور مصطفى عبد الغني يناقش رسالة الدكتوراه الخاصة به بعنوان: "المثقفون وعبد الناصر في الفترة من 1954 إلى 1970". كنت حاضرًا هذه المناقشة بكلية البنات بجامعة عين شمس، لمتابعتها صحفيًا لصالح صحيفة الأنباء الكويتية من القاهرة.
لم يكن الدافع الصحفي وحده سببًا لحضور مناقشة الرسالة؛ فعنوانها كان مغريًا ومحفزًا على الحضور والاستماع، إذ يتعلق بعبد الناصر وعلاقته بالمثقفين، والعكس أيضًا. أما السبب الأهم، في رأيي آنذاك، فكان لجنة المناقشة التي ضمت -مما أتذكر- المفكر والمؤرخ الكبير الدكتور يونان لبيب رزق، والكاتب والصحفي الكبير الأستاذ أحمد بهاء الدين، رحمهما الله.
وهنا قد يسألني القارئ: وما علاقة ما سبق بما أكتبه عن الزلزال الذي ضرب عددًا من محافظات مصر فجر الاثنين 3 أغسطس؟ وما الصلة بين رسالة الدكتوراه والزلزال؟
في ذلك اليوم، دار حوار ساخن للغاية بين صاحب أطروحة الدكتوراه، والدكتور يونان، والأستاذ أحمد بهاء الدين، حول قضية مهمة ما زالت مثارًا للجدل حتى الآن.
هل معنى أن تكون مثقفًا أن تكون معاديًا للسلطة الحاكمة، أو -بتعبير أخف- على يسارها؟ وهل تأييدك للسلطة، أو لبعض قراراتها وإنجازاتها، يقذف بك خارج جنة المثقفين، لتصبح "ملطشة" للسخرية والتهكم، ورمزًا لـ"التطبيل والنفاق"؟
الكبار -وأقصد هنا الدكتور يونان والأستاذ بهاء- وجها حديثهما إلى الباحث، الذي رأى أن المثقف لا بد أن يكون على يسار السلطة، وفندا رأيه الوارد في الرسالة، مستندين إلى مفهوم "السلطة الوطنية" التي تنحاز إلى الشعب وتعمل من أجله، وضربا أمثلة عديدة بمثقفين انحازوا إلى عبد الناصر وأيدوا مشروعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ويبدو أنه، رغم مرور كل هذه السنوات، لا يزال هناك من يتهم -بنرجسية مفرطة- كل من يعدد إنجازات الرئيس عبد الفتاح السيسي والحكومة، خاصة في ملف القضاء على العشوائيات، وتطوير المناطق الخطرة، والتخلص من أحزمة الفقر حول القاهرة وعدد من المحافظات، وهو المشروع القومي الذي عاد إلى الذاكرة المصرية بالأمس مع وقوع الزلزال، مقارنة بزلزال 12 أكتوبر 1992.
فقد سارع بعض الأصدقاء "المثقفين" إلى توجيه الاتهامات المعتادة، للتقليل من شأن ما أنجزته الحكومة في ملف العشوائيات، رغم أن لهذا الإنجاز بصمة واضحة في الحد من آثار الزلزال، مقارنة بما حدث عام 1992.
وللتذكرة فقط، فإن زلزال عام 1992 كان مدمرًا؛ إذ بلغت قوته 5.9 درجة على مقياس ريختر، ودفع ثمنه سكان العشوائيات والأحياء القديمة المتهالكة، وتسبب في وفاة 561 شخصًا، وإصابة أكثر من 12 ألفًا آخرين، بحسب تقرير رئيس مجلس الوزراء بعد الزلزال بأسبوعين، كما شُرد نحو 50 ألف شخص، أصبحوا بلا مأوى.
وبعيدًا عن الدخول في مقارنات علمية وجغرافية وفنية بين زلزال 1992 المدمر وزلزال فجر الاثنين 3 أغسطس، لإثبات وجهة نظر السادة "المثقفين" بأن الأمر يعود إلى طبيعة الجيولوجيا والجغرافيا، ولا علاقة لإنجازات الدولة به، يبقى السؤال مطروحًا، ولا علاقة له بالنفاق أو التطبيل:
ماذا لو استمرت أوضاع العشوائيات في مصر على حالها، بل وتفاقمت خلال السنوات الأخيرة؟ هل كانت ستصمد في مواجهة الزلزال الأخير، الذي اهتزت له الأرض قبل المباني؟
وما الجريمة التي يرتكبها أصحاب الضمائر الوطنية عندما يذكرون محاسن الحكومة في بعض المجالات؟ اعترض كما تشاء، واجلس على يسار النظام كما يحلو لك، لكن يجب أن يكون هناك إنصاف وشهادة حق، لا تمس ولا تشوه "الكرامة اليسارية" التي لا تعرف التطبيل ولا النفاق.
أتمنى إجابة صريحة وواضحة.
لقد نجحت الدولة، منذ عام 2016، في القضاء على جميع المناطق العشوائية غير الآمنة والخطرة، وعددها 357 منطقة، بنهاية عام 2021، كما تستهدف الانتهاء من تطوير المناطق غير المخططة والأسواق العشوائية بحلول عام 2030، عبر توفير مجتمعات سكنية حضرية آمنة ومجهزة بالكامل.
وعلى مدى قرابة عقد من الزمن، تسارعت خطى الدولة المصرية لتحقيق نهضة عمرانية متكاملة، تعيد التوازن إلى الخريطة الاجتماعية، وتعالج بشكل جذري وحاسم ملف العشوائيات، الذي ظل لسنوات وجعًا في الضمير الوطني، وغصة في قلوب المصريين، يعايرهم بها الآخرون.
ولم يسفر الزلزال الأخير -والحمد لله- عن خسائر تُذكر، فضاعت فرصة ذهبية على المتربصين والشامتين، في الداخل والخارج، للطم الخدود، وإقامة سرادقات الندب والصياح، وتحريض المصريين ضد قيادتهم الوطنية.
وليس معنى أن تكون "مثقفًا" أن تبقى معارضًا وناقمًا ورافضًا، ثم مشككًا ومتشككًا في كل إجراء أو إنجاز جيد ومفيد للحكومة، أو أن تتهم كل من يذكره أو يؤيده أو يشكر الحكومة عليه. وإلا، فعليك أن تراجع بوصلتك الوطنية، وتعيد تقييم مواقفك.