يجتمع وزراء الداخلية بدول الاتحاد الأوروبي الـ27، الثلاثاء، في اجتماع طارئ لمناقشة تداعيات أزمة سبتة، وسط توقعات بأن تحاول إسبانيا حشد الدعم الأوروبي والتأكيد على ضرورة التضامن مع الدول الأعضاء التى تواجه ضغوطًا مفاجئة على حدودها، فيما تتجه دول أخرى إلى المطالبة بإجراءات أكثر صرامة لمنع تكرار مثل هذه السيناريوهات.
وتحولت أزمة سبتة خلال أيام قليلة من أزمة حدودية إسبانية إلى قضية أوروبية ، بعدما شهد الجيب الإسباني تدفقًا مفاجئًا لعشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من المغرب، فى مشهد أعاد إلى الواجهة الخلافات القديمة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية إدارة الهجرة واللجوء وحماية الحدود الخارجية.
إسبانيا تطالب بالتضامن الأوروبى
وتسعى مدريد خلال الاجتماع إلى تقديم روايتها بشأن الأحداث والدفاع عن طريقة تعاملها مع الأزمة، فى الوقت الذى تعرضت فيه حكومة رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز لانتقادات من عدد من العواصم الأوروبية.
وتقول تقارير حديثة إن ما بين 50 و60 ألف مهاجر وصلوا إلى سبتة خلال يومى الخميس والجمعة الماضيين، فيما عاد الجزء الأكبر منهم إلى المغرب لاحقًا، وارتفعت حصيلة الوفيات المرتبطة بمحاولات العبور إلى أكثر من 80 شخصًا، وفق السلطات الإسبانية والمغربية، بينهم من لقوا حتفهم غرقًا أو نتيجة التدافع أثناء محاولة الوصول إلى الجيب الإسبانى.
وتعتبر سبتة، إلى جانب مليلية، من أكثر النقاط حساسية فى ملف الهجرة الأوروبية، إذ تمثلان حدودًا برية للاتحاد الأوروبى مع المغرب، ما يجعل أى تصعيد على الحدود بين البلدين يتحول سريعًا إلى أزمة تتجاوز مدريد لتصل إلى بروكسل.
فون دير لاين تتحرك لاحتواء الخلاف
وقبل اجتماع وزراء الداخلية، حاولت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تهدئة التوتر بين إسبانيا وشركائها الأوروبيين، مؤكدة ضرورة التعامل مع الأزمة من منظور أوروبي موحد.
وفى رسالة إلى رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز، أشادت فون دير لاين بسرعة استجابة مدريد، وقالت إن أزمة سبتة كشفت الحاجة إلى تعزيز حماية الحدود الأوروبية فى النقاط الحساسة، بما فى ذلك المراقبة المستمرة واستخدام الحواجز المادية عند الضرورة.
كما دعت إلى تعزيز التعاون مع الدول الشريكة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، ومواجهة شبكات تهريب البشر، وتحسين آليات إعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء داخل الاتحاد الأوروبى.
وأكدت المفوضية أن إسبانيا تستطيع الاستفادة من التمويل الأوروبى ومن دعم وكالة حرس الحدود الأوروبية "فرونتكس"، رغم أن مدريد لم تطلب حتى الآن مساعدة إضافية من الوكالة، وفق ما أوردته التقارير الأوروبية.
22 دولة أوروبية تنتقد سياسة سانشيز
ووقعت 22 دولة أوروبية، رسالة دعت إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبى، وانتقدت بصورة غير مباشرة سياسة الحكومة الإسبانية الخاصة بتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين.
وتعتبر حكومات أوروبية أن مثل هذه السياسات قد تعطى إشارات يمكن أن يستغلها مهربو البشر لتشجيع مزيد من محاولات الوصول غير النظامي إلى أوروبا، بينما ترفض مدريد تحميل سياستها الداخلية مسؤولية أزمة سبتة.
ودافع سانشيز عن موقف حكومته، منتقدًا ما وصفه بالمعلومات المضللة والهجمات السياسية، ومؤكدًا أن التعامل مع أزمة حدودية بهذا الحجم يجب أن يقوم على التضامن بين دول الاتحاد الأوروبى، وليس على تبادل الاتهامات.
وتكشف الأزمة بذلك عن انقسام أوسع داخل الاتحاد الأوروبى بين تيار يدفع باتجاه تشديد سياسات الهجرة وحماية الحدود، ودول أخرى، فى مقدمتها إسبانيا، تتمسك بمقاربة أكثر مرونة تجاه الهجرة النظامية وتسوية أوضاع بعض المهاجرين الموجودين بالفعل على أراضيها.
إيطاليا تضغط من أجل "مراكز العودة"
ومن أبرز الملفات المطروحة فى النقاش الأوروبى قضية إنشاء ما يعرف بـ"مراكز العودة" خارج أراضى الاتحاد الأوروبي، وهى فكرة تحظى بدعم عدد من الحكومات الأوروبية، خصوصًا إيطاليا، لكنها تثير فى الوقت نفسه جدلًا قانونيًا وحقوقيًا واسعًا.
وكان البرلمان الأوروبى قد وافق فى يونيو على قواعد جديدة تسمح بإمكانية إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين الذين صدرت بحقهم قرارات نهائية بالعودة فى دول من خارج الاتحاد، بشرط وجود ترتيبات واتفاقات مع تلك الدول والالتزام بالقانون الدولى ومبدأ عدم الإعادة القسرية.
هل تعزز أزمة سبتة دور "فرونتكس"؟
ومن المتوقع أن تناقش دول الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع الثلاثاء الدروس المستفادة من أزمة سبتة، وكيفية التعامل مع موجات الهجرة المفاجئة، إضافة إلى تعزيز مراقبة الحدود الخارجية والتصدي لما تعتبره الدول الأوروبية استخدامًا للهجرة كأداة للضغط السياسى.
وتبرز وكالة "فرونتكس" كأحد الخيارات المطروحة لتعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع الأزمات الحدودية، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء، وتعزيز التعاون مع الدول الواقعة على طرق الهجرة.
وتشير أحدث المعطيات الإسبانية إلى أن الضغوط على حدود سبتة كانت تتزايد بالفعل قبل الأزمة الأخيرة؛ فحتى نهاية يونيو، سجلت إسبانيا أكثر من 12 ألف حالة وصول غير نظامي منذ بداية العام، بينما ارتفعت حالات الوصول البرى إلى سبتة ومليلية بنسبة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وكانت سبتة وحدها قد سجلت أكثر من 2500 حالة وصول برى حتى نهاية يونيو.
الهجرة تعود إلى قلب أجندة الاتحاد الأوروبي
ولم تعد أزمة سبتة مجرد حادث حدودي عابر، إذ أعادت ملف الهجرة إلى قلب أجندة الاتحاد الأوروبي في وقت تشهد فيه القارة نقاشًا سياسيًا متصاعدًا حول اللجوء والحدود والعودة.
ومن المنتظر أن تتواصل مناقشة الملف خلال الأشهر المقبلة، مع بحث المفوضية الأوروبية إجراءات إضافية لتعزيز الحدود ومواجهة شبكات تهريب البشر، إلى جانب تقييم الأسباب التي أدت إلى التدفق المفاجئ نحو سبتة، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي أو شبكات التهريب قد ساهمت في تنظيم أو تضخيم موجة الوصول.