أديب نوبل قضى 10 سنوات فى الملاعب بين الابتدائية والثانوية
فى حياة نجيب محفوظ، لم تكن كرة القدم مجرد لعبة عابرة مرت فى طفولته ثم اختفت مع مرور السنوات، وإنما كانت جزءًا حقيقيًا من ذاكرته، ومرحلة عاشها بكل تفاصيلها، حتى إنه كان لاعبًا وكابتنًا لفريق كرة قدم، وعاش نحو 10 سنوات كاملة بين الملاعب والمباريات، قبل أن تخطفه القراءة والكتابة من عالم الكرة إلى عالم الأدب.
ربما تبدو العلاقة بين الأدباء والمثقفين وكرة القدم، فى أغلب الأحيان، عابرة أو سطحية، لكن نجيب محفوظ كان استثناءً واضحًا، فقد أحب اللعبة ومارسها، وتعلق بنجومها، وعاش أجواء مبارياتها، بل إنه وصل فى مرحلة من حياته إلى أن يرى أن الاستمرار فى ممارستها ربما كان سيقوده إلى أن يصبح واحدًا من نجومها البارزين.
وفى ذكرى رحيل أديب نوبل الـ20، تعود حكاية نجيب محفوظ مع كرة القدم، كما رواها بنفسه، لتكشف جانبًا مختلفًا من شخصية الأديب الذى عرفه العالم كروائى كبير، وتعيد إلى الذاكرة سنوات الطفولة والشباب التى كان فيها محفوظ لاعبًا على المستطيل الأخضر قبل أن يصبح صاحب واحدة من أهم التجارب الأدبية فى تاريخ الأدب العربى.
تأتى حكاية نجيب محفوظ مع كرة القدم ضمن ما كشفه كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، الذى يمثل واحدة من المواد التى تسمح بالاقتراب من عالم أديب نوبل بعيدا عن شخصياته الروائية وأعماله الأدبية المعروفة.
صدر الكتاب فى الذكرى الـ10 لحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وقد استغرق إعداده نحو 7 سنوات، إذ أجرى الناقد والكاتب الكبير رجاء النقاش حوارات مع محفوظ استمرت 18 شهرًا، سجل خلالها نحو 50 ساعة، تناولت فى مجموعها جوانب من حياة محفوظ ومسيرته، وألقت الضوء على ما لم يكن معروفا عن حياته، كما أفصحت عن حقيقة أفكاره وآرائه ومواقفه ومآزقه.
الكتاب فى الواقع صورة بانورامية لتطور الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية فى مصر فى نحو ثلاثة أرباع القرن، من خلال معايشة الأديب الكبير لها وتفاعله معها.
فى هذا الكتاب، يكشف الروائى العالمى الحائز على نوبل جانبًا خاصًا من ذاته، يختلف عن الشخصيات الروائية التى شغلت النقاد والقراء لعقود، فالكتاب الصادر فى صورة توثيقية، يعد من الوثائق النادرة التى تسمح للقارئ بالدخول إلى عقل محفوظ، ليس بوصفه روائيًا فقط، وإنما بوصفه إنسانًا ومفكرا ومواطنا عاديا يعبر عن آرائه فى الحياة والسياسة والفن.
الكتاب لا يضم مذكرات كتبها نجيب محفوظ بيده، وإنما هو عمل توثيقى يجمع حواراته ومقالاته وبعض تدويناته الخاصة، قام الصحفى رجاء النقاش بجمعها ونشرها أولًا تحت عنوان «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، قبل أن تعاد طباعتها لاحقًا فى كتاب.
كما يحمل الكتاب طابعًا تأمليًا، يظهر فيه نجيب محفوظ وقد تجاوز السبعين، متأملًا حياته ومجتمعه، وكاشفًا عن مواقف خفية وأحكام ناضجة على الفن والدين والسياسة والحب والموت.
ومن بين هذه التفاصيل التى يكشفها الكتاب، تأتى علاقة محفوظ بكرة القدم، وهى علاقة ربما لا يعرفها كثيرون عن الأديب الكبير، ذلك الطفل الذى بدأ تعلقه بالكرة بعد أن شاهد فريقًا مصريًا يهزم فريقًا إنجليزيًا، ثم أصر على امتلاك كرة، وتدرب عليها بمفرده فى فناء المنزل، قبل أن يصبح مهاجمًا وهدافًا فى فريق المدرسة ثم يتحول إلى قلب دفاع تنبأ له من شاهدوه بمستقبل كبير فى الملاعب.
كيف بدأت حكاية أديب نوبل مع كرة القدم؟
فى كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» للكاتب والناقد الكبير رجاء النقاش، يستعيد نجيب محفوظ تفاصيل علاقته بكرة القدم، ويتحدث عن سنوات كاملة عاش خلالها اللعبة لاعبًا ومشجعًا، قائلًا: «قد لا يصدق أحد أننى كنت فى يوم من الأيام كابتن فى كرة القدم، واستمر عشقى لها حوالى 10 سنوات متصلة، فى أثناء دراستى بالمرحلتين الابتدائية والثانوية، ولم يأخذنى منها سوى الأدب، ولو كنت قد داومت على ممارستها، ربما أصبحت نجمًا من نجومها البارزين».
ترجع بداية هذه العلاقة- كما يحكى محفوظ- إلى الفترة التى انتقلت فيها أسرته إلى العباسية، وكان وقتها قد التحق بالمدرسة الابتدائية، وهناك بدأت أولى خطوات تعلقه باللعبة.
يقول «محفوظ»: «علاقتى بالكرة ترجع إلى الفترة التى انتقلنا فيها إلى العباسية، كنت وقتذاك قد التحقت بالمدرسة الابتدائية، واصطحبنى شقيقى ذات يوم إلى منزل صديق حميم له من عائلة الديوانى، وكان منزل هذا الصديق يطل على محطة للسكة الحديد، وبعد تناول الغداء، اقترح أن يصطحبهم لمشاهدة مباراة فى كرة القدم، وكانت المباراة بين فريق مصرى وآخر إنجليزى».
يتذكر «محفوظ» تلك اللحظة باعتبارها واحدة من اللحظات التى غيرت علاقته باللعبة، فيضيف: «وكم كانت دهشتى كبيرة عندما فاز الفريق المصرى فقط كنت أعتقد حتى هذا الوقت أن الإنجليز لا ينهزمون حتى فى الرياضة، ورجعت يومئذ إلى البيت وذهنى كله معلق بكرة القدم وبأسماء الفريق المصرى الذى هزم الإنجليز، خاصة قائد الفريق حسين حجازى نجم مصر، ذائع الصيت فى ذلك الوقت، ومن هنا بدأت كرة القدم تحتل مساحة كبيرة من اهتمام الطفل نجيب محفوظ، ولم يكتف بمشاهدة المباريات، وإنما أراد أن يمارس اللعبة بنفسه، فطلب من والده أن يشترى له كرة، وألح عليه حتى وافق».
يكمل الأديب العالمى نجيب محفوظ حديثة مع رجاء النقاش فيقول: طلبت من والدى أن يشترى لى كرة، وألححت عليه حتى وافق، وبدأت أمضى وقتا طويلا فى فناء المنزل ألعب الكرة بمفردى محاولا تقليد ما شاهدته فى تلك المباراة التى خلبت عقلى، وبسرعة شديدة استطعت أن أتقن المبادئ الأساسية للعبة».
وهكذا، بدأ الأديب الكبير نجيب محفوظ رحلته مع كرة القدم من فناء المنزل، قبل أن ينتقل سريعًا إلى اللعب ضمن فريق المدرسة، ليكتشف أن الأمر بالنسبة إليه لم يكن مجرد هواية عابرة.
من مهاجم إلى قلب الدفاع
بعد أن أتقن المبادئ الأساسية للعبة، انضم نجيب محفوظ إلى فريق «التيمبل» فى المدرسة الابتدائية، وهو فريق الصغار، فى الوقت الذى كان يوجد فيه فريق آخر للكبار، وكانت الدراسة الابتدائية فى ذلك الوقت لا تلتزم بسن محددة للالتحاق بها، ولذلك كان من الممكن أن يجد الطفل نفسه يلعب إلى جوار شباب تجاوزوا العشرين من عمرهم ولهم شوارب كبيرة.
كان من بين أعضاء فريق الكبار، كابتن ممدوح مختار، الذى لعب فى صفوف النادى الأهلى، وهو من عائلة صقر التى اشتهر منها عبدالكريم صقر ويحيى صقر.
أما نجيب محفوظ، فقد بدأ اللعب فى مركز الهجوم، وتحديدا فى الجناح الأيسر، ورغم أنه لم يكن يجيد اللعب بقدمه اليسرى، فإن ذلك لم يمنعه من التألق، بل كان هدافا للفريق.
أكد نجيب محفوظ، خلال حديثه عبر كتاب الناقد والكاتب الكبير رجاء النقاش: «فى فريق التيمبل لعبت فى مركز الهجوم وتحديدا فى الجناح الأيسر، ورغم أننى لا أجيد اللعب بقدمى اليسرى، وكان ذلك المركز يحد كثيرًا من حركتى، فإننى كنت هدافا للفريق، ولما انتقلت إلى مدرسة فؤاد الأول الثانوية تغير مركزى، وأصبحت ألعب كقلب دفاع».
وفى مركز قلب الدفاع وجد «محفوظ» نفسه أكثر تألقًا، حتى إن الذين شاهدوه فى ذلك الوقت توقعوا له مستقبلاً كبيرًا فى كرة القدم، ورأوا أنه قد يصل إلى اللعب فى أحد الأندية الكبيرة، ثم إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطنى.
يقول «محفوظ»: «أجدت فى المركز الجديد لدرجة أن كثيرين ممن شاهدونى فى ذلك الوقت تنبأوا لى بمستقبل باهر فى كرة القدم وبأننى سألعب بأحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطنى».
فريق قلب الأسد
لم تتوقف علاقة نجيب محفوظ بكرة القدم عند حدود فريق المدرسة، فقد كان له فريق خاص كونه مع أصدقائه فى العباسية، وحمل اسم «قلب الأسد»، ويقول الأديب الكبير آنذاك: «من هنا كانت دهشة زملائى، عندما انتقلنا إلى الدراسة الجامعية ورفضت الانضمام إلى فريق الكرة بالجامعة، ومنذ ذلك الحين انقطعت صلتى بكرة القدم من ناحية الممارسة ثم انقطعت صلتى من ناحية المشاهدة بعد اعتزال حسين حجازى».
قبل أن تنقطع علاقته بالممارسة، كان «محفوظ» كابتن فريق «قلب الأسد»، الذى كونه مع أصدقائه أثناء دراسته، وكان الفريق يتحرك فى شوارع العباسية، ويستضيف فرقًا من أحياء أخرى فى مباريات ساخنة، ثم يذهب إلى أحياء تلك الفرق لمواجهتها على أرضها، وعندما أخذنى الأدب واستغرقتنى القراءة والكتابة لم أستمر فى متابعة ومشاهدة الأجيال الجديدة».
وهنا كانت كرة القدم تخسر لاعبًا كان يرى من حوله أنه يمتلك فرصة حقيقية للاستمرار، بينما كان الأدب يكسب روائيًا سيصبح بعد سنوات أحد أهم الأسماء فى تاريخ الأدب العربى.
ومع انشغال «محفوظ» بالقراءة والكتابة، ابتعد تدريجيًا عن متابعة الأجيال الجديدة من اللاعبين، ولم يعد يعرف من بينهم سوى عبدالكريم صقر، الذى عرفه من خلال صديقه عبدالمنعم شويخ.
يسرد نجيب محفوظ قائلا: «لم أعرف منهم سوى عبدالكريم صقر، الذى أكد لى صديقى عبدالمنعم شويخ أنه لاعب فذ لم تنجب الملاعب المصرية مثيلا له، وكان ذلك فى سنوات تالية لاعتزال حجازى، ولم أعرف أحدًا من الأجيال الجديدة».
محمود الخطيب ونجيب محفوظ
رغم أن نجيب محفوظ ابتعد عن متابعة كرة القدم وممارستها، فإن اللعبة لم تختف تمامًا من حياته، وكانت تعود إليه من وقت إلى آخر، سواء من خلال مشاهدة مباراة على شاشة التليفزيون أو من خلال لقاءات تجمعه ببعض نجوم اللعبة.
يتذكر «محفوظ» لقاءً جمعه بنجم الكرة الكبير محمود الخطيب، الذى كان وقتها نجم النجوم وحديث الناس، بعدما رتب أحد الصحفيين لقاء مشتركًا بينهما.
يقول نجيب محفوظ عن هذا اللقاء: «أذكر أن أحد الصحفيين رتب لى لقاء مشتركا جمعنى بنجم الكرة محمود الخطيب، وكان وقتها نجم النجوم وحديث الناس، ولم أشأ أن أخبره بأننى انقطعت عن متابعة اللعبة، وأن علاقتى بها انتهت مع اعتزال حجازى».
ومع ذلك، ظل الحنين إلى كرة القدم حاضرًا، ويقول محفوظ: «أحيانا أفتح التلفاز فأجد مباريات الكرة فيأخذنى الحنين القديم واندمج فى المشاهدة، وفى أثناء إذاعة مباريات كأس العالم أظل متابعا لإحدى المباريات دون أن أعرف الفريقين المتبارين، والملاحظة التى لفتت نظرى أن نجوم الكرة أصبحوا الآن أكثر ثراء من نجوم السينما، بينما كان دخل اللاعبين قديما ضعيفا جدا».
لم يكن حسين حجازى مجرد لاعب عادى بالنسبة إلى نجيب محفوظ، بل كان اللاعب الذى ارتبطت به بداية عشقه لكرة القدم، ولذلك ظل اسمه حاضرا فى ذاكرته حتى بعد مرور سنوات طويلة.
يتذكر «محفوظ» أنه أثناء عمله فى وزارة الأوقاف، قابله شاب عرفه بنفسه على أنه ابن حسين حجازى، فكانت ردة فعله عفوية، وقال له: «أذكر أثناء عملى فى وزارة الأوقاف أن قابلنى شاب عرفنى بنفسه على أنه ابن حسين حجازى، فصافحته بحرارة شديدة وقلت له: تعالى لما أبوسك، ده أنا صقفت لأبوك لما إيدى اتهرت».
محفوظ أهلاوى ولا زملكاوى؟
يحسب نجيب محفوظ على الشخصيات العامة التى تشجع نادى الزمالك، لكن حقيقة الأمر، وفقا لما جاء على لسانه، أن علاقته بالتشجيع لم تبدأ زملكاوية، ولم يكن انتماؤه الكروى ثابتا على ناد بعينه، وإنما كان مرتبطا باللاعبين الذين أحبهم وأعجب بهم.
وفى لقاء مع الصحفية سهام ذهنى، نشر فى مجلة «سيدتى» فى أغسطس عام 1990، سألته عن انتمائه الكروى، فأجاب «محفوظ»: «أنا كنت أشجع لعيبة معينين مثل حسين حجازى ومجموعته فى تلك الفترة، فلما كانوا فى الأهلى كنت مع الأهلى، وعندما خرجوا وانتقلوا إلى المختلط أصبحت مع المختلط، أما الآن فأنا مع اللعب الحلو، لكنى لا أحفظ أسماء اللاعبين، وأحب مشاهدة اللعب الحلو فى كأس العالم، وعندما يدخل جول فى فريق يظل قلبى معه إلى أن يأخذ ربنا بيده».
وفى النهاية، ربما تختصر كلمات نجيب محفوظ نفسه حكايته مع كرة القدم، لقد كان عاشقًا للعبة، ومارسها، وامتلك موهبة جعلت من حوله يتوقعون له مستقبلًا فى الملاعب، لكنه اختار الأدب، أو بالأحرى اختارته الكتابة، فترك كرة القدم ليصنع مجده فى عالم آخر.
وبين نجيب محفوظ الذى كان يهتف للاعب حسين حجازى حتى «اتهرت» يداه من التصفيق، ونجيب محفوظ الذى أصبح واحدًا من أعظم روائيى العالم، تبقى كرة القدم حكاية صغيرة، لكنها كاشفة عن جانب إنسانى من شخصية أديب كبير.. جانب يقول: إن صاحب «نوبل» لم يكن طوال الوقت ذلك الروائى الجالس خلف أوراقه، وإنما كان طفلًا يركض خلف الكرة فى شوارع العباسية، وكابتن يقود فريق «قلب الأسد»، ومشجعًا يتبدل انتماؤه من الأهلى إلى المختلط مع انتقال اللاعب الذى أحبه، ثم أصبح قارئا ومشاهدا يظل قلبه مع «اللعبة الحلوة»، حتى بعد أن أخذ منه الأدب كل وقته.
