وراء الانقسامات المتلاحقة داخل جماعة الإخوان الإرهابية يقف ملف أكثر حساسية من صراع الأجنحة على القيادة وهو ملف المال فحين تتنازع القيادات على الشرعية، يظل السؤال الأهم: من يملك مفاتيح الموارد؟ ومن يقرر أين تذهب الأموال؟ ومن يستطيع أن يمنح الدعم أو يمنعه؟ وفي قلب هذه الأسئلة يبرز اسم محمود حسين، الذي ارتبط اسمه داخل روايات وشهادات إخوانية بملفات الأموال والتبرعات والأصول، وسط اتهامات متبادلة بين أجنحة التنظيم حول مصير الموارد.
واللافت أن جزءا مهما من هذه الاتهامات لم يخرج من خصوم الجماعة الإرهابية وإنما جاء من داخلها، عبر تسجيلات وشهادات منسوبة إلى أعضاء وقيادات إخوانية، وهو ما يجعل الملف كاشفا لطبيعة الصراع الداخلي على المال، وتتضمن التسريبات اتهامات مباشرة بشأن تحويل أموال تبرعات إلى ممتلكات وعقارات وسيارات وربطت اسم حسين بصراعات مالية داخل التنظيم.
أموال التبرعات.. من أين تأتي وإلى أين تذهب؟
تكمن خطورة الملف في طبيعة الأموال التي يتحدث عنها أصحاب هذه الاتهامات، فالتبرعات التي يجري جمعها تحت عناوين إنسانية أو حقوقية يفترض أن تصل إلى المستحقين أو توجه إلى الغرض الذي جمعت من أجله، بينما تقول روايات داخلية إن جزءا من هذه الأموال تعرض لتصرفات غير مشروعة من جانب بعض القيادات.
وفي تسجيل منسوب إلى أمير بسام، عضو مجلس شورى الجماعة، تحدث عن أموال قال إنها جمعت تحت غطاء التبرعات، ثم اتهم قيادات، من بينها محمود حسين، بالحصول على أموال وتحويلها إلى عقارات وممتلكات، كما تحدث عن تفاوت صارخ بين مستوى معيشة بعض القيادات وبين أوضاع شباب داخل التنظيم كانوا يحصلون على مبالغ محدودة.
هذه الرواية تفتح بابا شديد الخطورة: هل تحولت تبرعات أنصار التنظيم إلى مصدر قوة خاص داخل القيادة؟ وهل كانت هناك آليات مستقلة لمراجعة الأموال والتأكد من وصولها إلى المستحقين؟
من التبرع إلى الأصل العقاري.. أين تختفي الأموال؟
أخطر ما ورد في الاتهامات المتداولة هو الحديث عن انتقال الأموال من صورتها النقدية إلى أصول يصعب ربطها مباشرة بمصدرها الأول.
فتسجيل الأموال أو الممتلكات بأسماء أشخاص بدلا من الكيان الذي يفترض أن يملكها لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، وإنما يفتح الباب أمام تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من هذه الأصول ومصدر تمويلها والغرض من إخفاء ملكيتها.
وقد تضمنت التسجيلات المنسوبة إلى بسام مزاعم بشأن شراء شقق وعقارات وتسجيلها بأسماء قيادات، إضافة إلى الحديث عن سيارات باهظة الثمن، بينما كان شباب وأعضاء داخل التنظيم يواجهون ظروفا مالية صعبة.
شبكة المال تصنع شبكة الولاء
المال داخل تنظيم مغلق لا يشتري الأشياء فقط، وإنما يستطيع أن يشتري النفوذ، فالعنصر الموجود في الخارج والذي يعتمد على الدعم المالي في السكن أو المعيشة أو العلاج أو الحركة، يصبح أكثر ارتباطا بالجهة التي توفر له هذا الدعم. ومن هنا يمكن أن يتحول المال من وسيلة مساعدة إلى أداة تأثير على القرار الشخصي والتنظيمي.
وهذا يفسر جانبًا من الاتهامات التي تحدثت عن استخدام الدعم في إدارة الولاءات داخل الجماعة، خصوصا مع تصاعد الانقسامات بين القيادات والشباب، فمن يملك القدرة على منح المال يمتلك ورقة ضغط، ومن يستطيع وقف الدعم يمتلك ورقة أخرى.
ابتزاز الأتباع.. عندما يتحول الاحتياج إلى أداة ضغط
وفقا للمعلومات والتسريبات المتداولة فهناك شهادات من داخل الجماعة تؤكد وجود ضغوط مالية وتنظيمية على أعضاء وشباب، خصوصا المنشقين أو المنتقدين، وتزداد خطورة هذه الآلية عندما يعيش العضو خارج بلده ويكون مرتبطا بشبكة دعم توفر له احتياجات أساسية، عندها يصبح قطع الدعم وسيلة ضغط محتملة، ويمكن أن يتحول الخلاف الفكري إلى أزمة معيشية.
ومن هنا يصبح الخروج من التنظيم أكثر تعقيدا فالعضو لا يواجه فقط خلافا مع القيادة، وإنما قد يواجه خسارة شبكة كاملة من العلاقات والمساندة وانقطاع الدعم وهو ما يرتكبه محمود حسين في حق شباب الإخوان في الخارج لإبتزازهم لعدم الخروج عن طوعه.
صراع إسطنبول ولندن.. المال في قلب المعركة
لم تكن الأزمة بين جبهتي إسطنبول ولندن مجرد خلاف على الأشخاص، وإنما ظهر المال والأصول والموارد باعتبارها أحد الملفات الرئيسية في الصراع، فوفقا للمعلومات المتداولة السنوات القليلة الماضية فهناك اتهامات موجهة إلى جبهة محمود حسين بشأن تبديد مبلغ 1.5 مليون دولار، في إطار الخلاف المتصاعد بين جبهتي إسطنبول ولندن.
كما سلطت الضوء على وجود صراعات داخلية حول إدارة الأموال والأصول والاستثمارات، واعتبرت أن هذا الملف كان أحد أسباب احتدام الخلاف بين أجنحة التنظيم.
وبالتالي، فإن الصراع على القيادة يبدو في جانب منه صراعا على مفاتيح القوة المالية لأن من يسيطر على الموارد يستطيع التأثير في الإعلام، ودعم العناصر، والحفاظ على الشبكات، وتمويل النشاط الخارجي.
محمود حسين.. عندما يصبح المال مركز السلطة
القصة في النهاية تتجاوز شخص محمود حسين إلى بنية تنظيمية كاملة جعلت المال جزءا من معركة البقاء فالتنظيم الذي فقد السلطة في مصر احتاج إلى موارد لإعادة بناء شبكاته في الخارج، ومع اتساع الانقسامات أصبح التحكم في هذه الموارد أحد مفاتيح الصراع.
وتكشف التسجيلات والاتهامات الداخلية المنشورة أن شبابا وأعضاء في الجماعة أنفسهم بدأوا يطرحون السؤال الذي كان من المفترض أن تجيب عنه القيادة منذ البداية: أين تذهب الأموال التي تجمع باسم الجماعة؟
وإذا كانت القيادة تملك إجابة واضحة، فإن الطريق الطبيعي هو كشف الحسابات وإظهار مصادر التمويل وأوجه الإنفاق وملكية الأصول.
فالإخوان الذين رفعوا لسنوات شعارات التجرد والتضحية يجدون أنفسهم اليوم أمام أزمة لا يمكن حسمها بالخطاب السياسي وحده، أزمة مال تحتاج إلى كشف حساب وأزمة قيادة تحتاج إلى محاسبة وأزمة ثقة لن تنهيها البيانات.
وفوق كل هذا وذاك بأي عين يتحدثون باسم الدين الذي طالما تاجروا به من أجل الوصول إلى أطماعهم وهم في الحقيقة لا يعلمون عن الدين سوى كيفية استغلاله من أجل تنفيذ مخططاتهم واستقطاب المواطنين بشعارات دينية براقة وهم في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عن الدين.