بعد سنوات طويلة من الانتظار، جاء تيم حمدان إلى عائلته كهدية طال انتظارها، جاء عبر الزراعة، طفل صغير حمل معه إلى بيت أسرته فرحة لم تكن عادية، وأعاد إلى والديه حلما ظلا يتمسكان به سنوات، حتى أصبح وجوده بينهما حقيقة، كان بالنسبة إلى عائلته أكثر من طفل، وكان ثمرة انتظار طويل، وفرحة جاءت بعد صبر، ووجها صغيرا علق عليه والداه الكثير من الأحلام.
حرب لم تترك اكتمال الفرحة
كبر تيم في حضن أسرته، يحمل في تفاصيله الصغيرة معنى تلك السنوات التي انتظره فيها والداه، كانت ضحكته، وملامحه، وحضوره بين أفراد عائلته اختصارا لكل ما حلموا به طوال تلك الفترة، لكن الحرب على غزة لم تترك لتلك الفرحة أن تكتمل.
ظهر اليوم، وفي وسط دير البلح، كانت العائلة تعيش لحظات جديدة من الخوف الذي أصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، وفي لحظة لم يكن تيم يعرف شيئا عنها، طال الاستهداف المكان الذي كان يوجد فيه.
كان الطفل في حضن جدته أمام خيمته، حين استهدفه الجيش، ليرتقي تيم حمدان، الطفل الذي جاء إلى الدنيا بعد سنوات من الانتظار، قبل أن تتاح لعائلته فرصة أن تراه يكبر كما حلموا.
أم تيم خلال تشييع جثمانه
الحضن الأخير
لم تكن الجدة تحتضن حفيدها في تلك اللحظة لتحميه من الخوف فحسب، بل كانت تحتضنه كما اعتادت أن تفعل، غير أن الحضن هذه المرة تحول إلى حضن أخير، غاب تيم، وبقي جسده الصغير بين يدي جدته، فيما تحولت الخيمة التي كان يفترض أن تكون مأوى لعائلته إلى مكان للفقد والصدمة.
في دقائق قليلة، انتقلت الأسرة من انتظار يوم جديد مع طفلها إلى محاولة استيعاب خبر رحيله، طفل انتظرته عائلته سنوات، جاء إلى الدنيا ليمنحها الفرح، ثم رحل قبل أن تمنحه الحياة الوقت الكافي ليكبر أمام أعين والديه، وفي لحظة الوداع، كان المشهد أثقل من أن تصفه الكلمات.
وداع الأم لطفلها
صدر أم يحتضن جثمان ابنها المضرج بالدماء، تضمه بكل ما بقي في جسدها من قوة، وكأنها تحاول أن تعيده إلى حضنها الأول، إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء، تحتضنه وكأن الحضن قادر على إعادته، وكأن قلب الأم لا يصدق أن الجسد الصغير الذي حملته وانتظرته سنوات أصبح الآن ساكنا بين يديها.
في وداع الأمهات لأبنائهن، لا يبكي القلب وحده، ينخلع جدار الروح، ويسقط العالم دفعة واحدة، الأم التي انتظرت طفلها سنوات، والتي عرفت معنى أن تحلم بقدومه، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى وداعه قبل أن تعيش معه ما حلمت به.
لم يكن تيم مجرد رقم جديد في قائمة ضحايا الحرب بالنسبة إلى عائلته، كان طفلا له مكانه في قلب أمه وأبيه وجده، طفلا انتظرته الأسرة طويلا، ثم وجد نفسه ضحية حرب لم تمنحه حتى فرصة أن يكبر.
خال الطفل يصرخ خلال تشييع جثمان تيم
كان من المفترض أن تحمل السنوات القادمة صوره وهو يكبر، وتتغير ملامحه عاما بعد عام، وتمتلئ ذاكرة والديه بتفاصيل طفولته الأولى، لكن بدلا من ذلك، ستبقى صورة واحدة ثقيلة في ذاكرة العائلة، صورة طفل صغير رحل وهو في حضن جده أمام خيمته، وسيظل السؤال الأصعب حاضرا في قلوب والديه، كيف يمكن لطفل انتظرناه كل هذه السنوات أن يرحل بهذه السرعة؟
جاء تيم بعد سنوات من الانتظار، وكأن الحياة كانت تقول لعائلته إن الفرح ممكن رغم كل شيء، لكن الحرب أخذته منهم قبل أن يمنحوه ما ادخروه له من أحلام، رحل الطفل، وبقيت عائلته أمام فراغ لا يمكن أن تملأه الكلمات، وأم تحتضن جثمان طفلها، وأب يواجه حقيقة أن الطفل الذي انتظره طويلًا لن يعود إلى خيمته.
في دير البلح، حيث تتكرر حكايات الفقد، أصبحت قصة تيم حمدان حكاية طفل صغير لم تمنحه الحرب فرصة ليكمل حكايته، طفل جاء بعد سنوات من الانتظار، وعاش عمرا قصيرا، ثم ارتقى ظهر اليوم في استهداف وسط دير البلح.
وفي نهاية حكايته القصيرة، لم يكن هناك احتفال بعيد ميلاده، ولا صورة لطفل يكبر، ولا أحلام تُروى عن مستقبله، كان هناك فقط حضن جدة تمسك بحفيدها، وصدر أم ضم جثمان ابنها، وعائلة تودع طفلها الذي انتظرته طويلا، بينما تحاول أن تفهم كيف يمكن لسنوات من الانتظار أن تنتهي في لحظة واحدة.