لم يكن السقوط الحقيقي لجماعة الإخوان الإرهابية، يوم فقدت السلطة، ولم يبدأ مع ثورة 30 يونيو 2013، وإنما بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، عندما اصطدمت الشعارات التي رفعتها الجماعة عن الدين والأخلاق والإصلاح بممارسات تنظيمية وسياسية كشفت عن منظومة مختلفة تمامًا، منظومة جعلت الولاء للجماعة يتقدم على الولاء للوطن، وجعلت التنظيم فوق المجتمع، والسياسة فوق الأخلاق.
فالجماعة التي قدمت نفسها باعتبارها مشروعًا لإصلاح المجتمع، وجدت نفسها على مدار تاريخها أمام أسئلة صعبة حول علاقتها بالعنف والتنظيمات السرية، وحول حدود استخدام الدين في الصراع السياسي، وحول قدرتها على قبول الآخر والمخالف.
البداية التي تكشف التناقض
يكفي النظر إلى تاريخ «التنظيم الخاص» لفهم جانب مهم من هذه المفارقة، فهناك العديد من الوثائق التي وثقت تاريخ التنظيم الخاص باعتباره جناحًا سريًا مسلحًا ارتبط بالعنف والاغتيالات، وهو ما يكشف أن ظاهرة العنف لم تكن مجرد انحراف طارئ ظهر في السنوات الأخيرة من عمر الجماعة الإرهابية، بل هو نهج رئيسي للجماعة منذ نشأتها.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لجماعة ترفع شعارات الإصلاح والدعوة أن تقبل بوجود جناح سري يعمل خارج إطار الدولة والقانون؟، الإجابة عن هذا السؤال تفتح الباب لفهم الأزمة الأعمق في الفكر التنظيمي؛ وهي أن الجماعة لم تتعامل دائمًا مع الدولة باعتبارها الإطار الجامع للمواطنين، وإنما تعاملت مع التنظيم باعتباره الكيان الأكثر أهمية بالنسبة لأعضائه.
المشكلة لم تكن في رفع شعار ديني فقط، وإنما في تحويل الدين إلى وسيلة تمنح التنظيم سلطة معنوية على المجتمع، فمن أخطر مظاهر السقوط القيمي أن يحاول فصيل سياسي إقناع أتباعه بأنه يمثل الدين أو يتحدث باسمه، بما يجعل معارضته تبدو وكأنها معارضة للدين نفسه، وهذا تحديدًا ما يجعل الخلاف السياسي يتحول إلى خصومة عقائدية، والمنافس السياسي إلى «عدو»، والاختلاف في الرأي إلى اتهام في النوايا والانتماء.
ودأبت جماعة الإخوان الإرهابية على مدار تاريخها الأسود على مهاجمة كل من يخالفها أو ينتقدها بل وتكفيره، بل أن الجماعة لا غضاضة لديها في أن تخوض في الأعراض لمجرد الاختلاف مع أشخاص فكريا أو سياسيا.
التنظيم قبل الوطن
هذا المفهوم الأخطر، فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة والقانون، بينما تقوم التنظيمات المغلقة على العضوية والولاء، وعندما يتقدم التنظيم على الدولة، يصبح الفرد مطالبًا أولًا بتنفيذ ما يراه التنظيم، وليس بما تفرضه قواعد الدولة ومؤسساتها، وهو ما تقوم به جماعة الإخوان الإرهابية طوال تاريخها فهى لا تعترف بالأوطان، والتنظيم لديها أهم من الوطن، وهنا يتحول الانتماء من قيمة سياسية مشروعة إلى حالة من «الولاء المغلق»؛ حيث يصبح المختلف داخل التنظيم أو خارجه موضع شك، ويصبح الانسحاب أو المعارضة الداخلية نوعًا من الخروج على الجماعة، بالتالي مبدأ السمع والطاعة داخل الجماعة الإرهابية هو الحاكم داخلها، فلا تحترم حرية الرأي والتعبير ولا تحترم حقوق الإنسان.
وهذه ليست مجرد مشكلة سياسية، وإنما أزمة أخلاقية؛ لأن الأخلاق الحقيقية لا تقوم على الطاعة العمياء، وإنما على المسؤولية والضمير واحترام الإنسان وحقه في الاختلاف.
من رفض الآخر إلى شيطنة المجتمع
ولا يمكن لأي جماعة أن تتحدث عن الأخلاق وهي لا تستطيع تقبل الاختلاف، فالاختلاف سنة بشرية، لكن الجماعة الإرهابية لا تعترف بذلك، فهى لم تقبل اختيار الشعب المصري في 30 يونيو الذي خرج بالملايين وقال "لا" للجماعة الإرهابية وأسقطها، ليتحول خطاب الجماعة إلى لغة تهديد وتحريض واستعداء للوطن، وارتكاب عمليات إرهابية وتخريبية والاعتداء على المنشآت ودور العبادة، والمواجهات المسلحة، والاعتداءات التي استهدفت الكنائس، وما سبقها من خطاب تحريضي لإشعال الفتنة الطائفية، فأين أخلاق الجماعة التي تستغل الدين في أن تستهدف مواطن وتقتله أو تحرق دور عبادة لمجرد الاختلاف في الدين أو الفكر السياسي؟.
لذا، فالتاريح الأسود لجماعة الإخوان الإرهابية، وثق الانتهاكات والجرائم الأخلاقية التي ارتكبتها الجماعة في سيبيل الصراع على السلطة ومحاولة السيطرة على مفاصل الدولة، فالإخوان لم يسقطوا في 2013 فقط بل سقطوا أخلاقيًا قبلها، وعندما ترى الجماهير أن من يتحدث عن الأخلاق يمارس الإقصاء، ومن يتحدث عن التسامح يمارس التحريض، ومن يتحدث عن الوطن يجعل التنظيم فوق الدولة، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد أزمة سياسية، فالشعب المصري شاهد على تجاوزات وجرائم الجماعة الإرهابية وعلى ما ارتكبته من عنف وإرهاب واغتيالات وقتل الأبرياء طوال تاريخها.