دندراوى الهوارى

ريال مدريد يحول كرة القدم إلى ماكينة أموال.. النادى يحقق مكاسب مليارية طوال 26 سنة متتالية.. هل يمكن للأهلى والزمالك تكرار التجربة؟

الإثنين، 03 أغسطس 2026 12:00 م


التقييم المعتاد لنجاح الأندية الرياضية بشكل عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، خلال العقود الأخيرة، كان يقاس بعدد البطولات التى تحققها، محلية كانت أو قارية ودولية، لكن اليوم اختلف الوضع، وتغيرت قواعد اللعبة تماما؛ فلم تعد لعبة كرة القدم مجرد لعبة يحتضنها المستطيل الأخضر، وإنما تحولت إلى واحدة من أهم الصناعات الاقتصادية والترفيهية فى العالم، تدر مليارات الدولارات واليوروهات سنويا، وتدار بعقلية الشركات العالمية عابرة الحدود، وليس بعقلية الإدارة الرياضية فقط.

وفى الوقت الذى تعتبر فيه كثير من إدارات الأندية أن إنجازاتها تتلخص فى إحصاء عدد البطولات التى حصدتها، واعتبارها نهاية الطريق، تجد إدارات أندية أخرى من عينة ريال مدريد كبير القارة العجوز، وأحد أكبر الأندية فى العالم، عقيدة فكرها مختلفة، إذ تعتبر حصد البطولات ليست سوى وسيلة لبناء علامة تجارية قوية عالميا، وأن النجاح الحقيقى هو القدرة على تحويل الجماهير والشعبية إلى نموذج اقتصادى مستدام.

ولعل الأرقام التى أعلنها نادى ريال مدريد مؤخرا تمثل الدليل الأقوى على هذا التحول الاستراتيجى، فقد صار النادى أول مؤسسة رياضية فى العالم تتجاوز إيراداتها السنوية 1.2 مليار يورو، بعدما بلغت الإيرادات التشغيلية 1.221 مليار يورو دون احتساب مبيعات اللاعبين، مع تحقيق صافى أرباح بلغ 26.3 مليون يورو، ليستمر فى تحقيق الأرباح للعام الـ26 على التوالى منذ عام 2000 وحتى عام 2026 وهو إنجاز اقتصادى نادر فى عالم الرياضة، ولعبة كرة القدم على وجه الخصوص.

المكاسب تواصلت من خلال ارتفاع عوائد ملعب سانتياجو برنابيو الجديد بنسبة 11 % ونمو قطاع التسويق بنسبة 6 % مع الحفاظ على مديونية شبه معدومة خارج مشروع تطوير الملعب.

هذه الأرقام المذهلة لا تعكس نجاح موسم كروى فقط، ولكن نجاح فلسفة إدارية استمرت أكثر من عقدين ونصف العقد؛ فمنذ تولى فلورنتينو بيريز رئاسة النادى الأشهر عالميا، لم يكن التفكير منصبا على شراء اللاعبين فقط، بل على بناء مؤسسة اقتصادية تستطيع تمويل نفسها بنفسها، ومن ثم لم يعد البرنابيو مجرد ملعب يستضيف المباريات، ولكن تحول إلى مشروع استثمارى يعمل طوال العام، من خلال استضافة وتنظيم الحفلات العالمية، والمؤتمرات الكبيرة، والجولات السياحية والمطاعم والمتاجر والفعاليات المختلفة، لتصبح الإيرادات اليومية للمكان جزءا جوهريا من ميزانية النادى، وليس فقط ما تحققه مكاسب بيع التذاكر فى المباريات.

الأمر ذاته ينطبق على التسويق؛ فريال مدريد لم يعد يبيع قمصانا أو حقوق بث فقط، وإنما يبيع واحدة من أقوى العلامات التجارية الرياضية فى العالم، فعقود الرعاية مع الشركات الكبرى، وانتشار المتاجر الرسمية والتوسع الرقمى، جميعها حولت اسم النادى إلى منتج عالمى يحقق دخلا متناميا عاما بعد آخر؛ ولهذا جاء أكثر من نصف نمو الإيرادات خلال السنوات الأخيرة من الأنشطة التجارية التى يديرها بنفسه، وليس من عوائد الحصول على البطولات، أو بيع اللاعبين.

اللافت أن نادى ريال مدريد لم يعتمد على سياسة الإنفاق العشوائى، وإنما حافظ على انضباط مالى صارم؛ فالنادى أعاد بناء ملعبه باستثمارات تجاوزت 1.4 مليار يورو، وفى الوقت ذاته حافظ على مركز مالى قوى، وديون تشغيلية محدودة للغاية، وأعاد استثمار أرباحه فى البنية التحتية والفرق الرياضية.
وهنا يقفز السؤال الجوهرى، بالنسبة للكرة المصرية: هل يمكن لأندية مثل الأهلى والزمالك، أن يسيرا على النهج ذاته؟

بالتأكيد، يمكن، ولكن بشروط أبرزها تغيير الفكر؛ فالفارق بين ريال مدريد وكثير من أنديتنا ليس فى حجم الجماهير، وإنما فى طريقة توظيف هذه الشعبية فى التسويق، والضبط المالى، وعدم إنفاقها فى شراء لاعبين واستقدام مدربين أجانب، ثم فسخ التعاقد معهم مع تعويضهم بملايين الدولارات، وهنا مكمن المشكلة!
فالأهلى والزمالك يمتلكان قاعدة جماهيرية ضخمة داخل مصر وخارجها، وتاريخا رياضيا عريقا، وعلامات تجارية لها قيمة هائلة، لكن الأصول لم توظف أو تستغل بشكل احترافى، وبدرجة أقل للغاية من إمكاناتها الحقيقية.

وللحاق بركب نجاحات نادى ريال مدريد، لا بد من اتخاذ خطوات قوية، أولها البدء فورا بتشكيل إدارة اقتصادية محترفة، مهامها تعظيم الإيرادات وليس فقط تخفيض المصروفات، فالاستثمار فى التسويق والعلامات والحقوق التجارية والمتاجر الرسمية والمنصات الرقمية والمنتجات المرخصة يجب أن يصبح جزءا أصيلا من استراتيجية النادى، وليس نشاطا ثانويا.

الخطوة الثانية، تتمثل فى استثمار المنشآت بشكل يحقق مداخيل كبيرة.
الخطوة الثالثة، الاستثمار بشكل احترافى فى الأكاديميات وقطاع الناشئين، ويمكن أن يتحول إلى رافد مالى قوى، فالنادى الذى ينجح فى خلق المواهب، لا يحقق مكاسب فنية فحسب، وإنما يصنع أصلا اقتصاديا يدر عوائد كبيرة عند انتقال أو إعادة بيعهم، وهو ما تتبعه الأندية الأوروبية الكبرى.

الخطوة الرابعة، لا توجد صناعة رياضة قوية دون حوكمة وشفافية، فالرعاة والشركاء يبحثون دائما عن مؤسسة مستقرة ماليا وإداريا، تمتلك رؤية واضحة، وتعلن نتائجها بصورة منتظمة، وتخضع لمعايير احترافية فى الإدارة.

الخطوة الخامسة، صار التحول الرقمى ضرورة قصوى، وليس رفاهية، فيمكن توظيف تدريبات ولقاءات النجوم بشكل يدر أرباحا خيالية.
الحقيقة التى أثبتها نادى ريال مدريد وطوال 26 سنة متتالية، أن البطولات وحدها لا تصنع القوة الاقتصادية، بل الإدارة هى التى تحول البطولات إلى ثروة مستدامة، والفرق الكبرى لم تعد تتنافس فقط على لقب بطولة دورى الأبطال القارية، أو الاستحواذ على البطولات المحلية، وإنما تتنافس أيضا على عقود الرعاية، وقيمة العلامة التجارية ونمو الإيرادات والاستدامة المالية.

ولذلك فإن الدرس الذى يقدمه ريال مدريد لا يتعلق بكيفية الفوز بمباراة، وإنما بكيفية بناء مؤسسة تستطيع أن تربح داخل الملعب وخارجه فى الوقت ذاته، لأن كرة القدم فى القرن الحادى والعشرين لم تعد مجرد لعبة، وإنما أصبحت اقتصادا ضخما، وماكينة لإنتاج الأموال.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة